مأزق التمثيل الفلسطيني والمصير الوطني
الكاتب: جمال زقوت
تبدو الحالة الفلسطينية اليوم وكأنها تقف عند عتبة تاريخية غير محسومة. فهي ليست انهيارًا كاملًا للنظام السياسي القائم، وليست استمرارًا طبيعيًا له، بل حالة فراغ ممتد تتآكل فيه البنى القديمة دون أن تتشكل بعدُ بنية بديلة قادرة على ملء هذا الفراغ.
وفي قلب هذا المشهد تتقاطع الأزمتان الأكبر؛ أزمة حركة فتح في تمثيلها التاريخي، وأزمة حركة حماس في الانتقال من شرعية المقاومة إلى مأزق القدرة على القيادة الجامعة. لكن ما يظهر على السطح كأزمة فصائل، يخفي في العمق أزمة أخطر تتعلق ببنية التمثيل الوطني الفلسطيني نفسه، كما تشكلت تاريخيًا، وبقدرتها على الاستمرار في إنتاج شرعية سياسية جامعة في واقع شديد التعقيد، تحت الاحتلال والانقسام وإعادة تشكيل المجال الفلسطيني ذاته.
من هنا، فإن قراءة المشهد لا يمكن أن تتم من زاوية تنظيمية أو فصائلية ضيقة، بل من زاوية تحولات فكرة “التمثيل الوطني” نفسها، وكيف انتقلت من مشروع تحرر جامع إلى بنية سياسية مأزومة تتنازعها حدود السلطة وحدود المقاومة وحدود الواقع.
فتح: من الحركة الجامعة إلى أزمة التمثيل التاريخي
لا تبدو أزمة حركة فتح اليوم أزمة تنظيمية عابرة يمكن ردّها إلى خلافات داخلية أو صراع مواقع أو حتى تراجع شعبية. فهذه كلها مظاهر لأزمة أعمق وأخطر تتعلق بالمعنى الذي قامت عليه الحركة أصلًا، وبالدور التاريخي الذي منحها شرعيتها طوال عقود بوصفها التعبير الأوسع عن الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
ذلك أن فتح لم تكن مجرد تنظيم سياسي بين تنظيمات، بل كانت، منذ انطلاقتها، الإطار الذي نجح في جمع التناقضات الفلسطينية داخل فكرة وطنية واحدة. ولهذا تحديدًا، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل الحركة، بل بمستقبل فكرة التمثيل الوطني الفلسطيني نفسها. كيف تحوّل الإطار الوطني الأوسع إلى بنية تخشى التعدد وتتخلي عنه تدريجيًا؟ وماذا يبقى من حركة تحرر حين تصبح أولويتها الأساسية إعادة إنتاج بنيتها المغلقة؟
لفهم ما يجري، لا يكفي النظر إلى اللحظة الراهنة وحدها، بل إلى المسار الطويل الذي انتقلت خلاله فتح من حركة تحرر وطني مفتوحة إلى بنية سلطة تخشى الاختلاف أكثر مما تخشى الجمود.
في بداياتها، امتلكت فتح عنصر قوتها الأهم وهي المرونة التاريخية. لم تكن حركة أيديولوجية صلبة ذات تعريف فكري مغلق، بل مساحة واسعة استطاعت استيعاب الفلسطينيين بمختلف اتجاهاتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية. وقد منحتها هذه القدرة على الاحتواء شرعية تجاوزت التنظيم نفسه، لتصبح أقرب إلى صيغة تمثيل وطني شامل.
لكن هذه الميزة التي صنعت قوة الحركة تحولت تدريجيًا إلى عبء على البنية التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو. فمنذ انتقال مركز الثقل من مشروع التحرر إلى مشروع السلطة، بدأت طبيعة الحركة تتغير ببطء ولكن بعمق. لم تعد القضية الأساسية كيف يُعاد بناء الحركة الوطنية في مواجهة الاحتلال، بل كيف تُدار سلطة محدودة الصلاحيات تحت شروط الاحتلال ذاته.
ومع مرور الوقت، نشأت طبقة سياسية وإدارية وأمنية باتت مصالحها مرتبطة أكثر ببقاء البنية القائمة من ارتباطها بقدرتها على تجديد المشروع الوطني. وهكذا بدأ التحول الكبير من حركة تنتج السياسة إلى سلطة تنتج الإدارة، ومن إطار يحشد المجتمع حول فكرة التحرر إلى جهاز يستهلك معظم طاقته في الحفاظ على الاستقرار الداخلي وإدارة التوازنات اليومية، دون رؤية راسخة تربط مرحلة التحرر الوطني، بالبناء المؤسسي القادر على تعزيز الصمود.
لم يحدث هذا التحول بصورة مفاجئة أو درامية، بل عبر عملية طويلة من التآكل البطيء، حيث تراجع النقاش الداخلي، وضاقت مساحة التعددية، وتصاعد نفوذ الولاء الشخصي، وتحولت المؤسسات التنظيمية إلى أطر تُصادق على القرار أكثر مما تُنتجه. وفي الوقت ذاته، كانت الأجيال الجديدة تبتعد تدريجيًا عن الحركة، لا بسبب موقف أيديولوجي، بل لأنها لم تعد ترى فيها فضاءً سياسيًا حيًا قادرًا على تمثيل تطلعاتها والإجابة على أسئلتها. ومع كل أزمة سياسية أو وطنية كبرى، كانت الفجوة تتسع أكثر بين المجتمع الفلسطيني وبين البنية السياسية التي يُفترض أنها تمثله، دون أن يُقابل ذلك مراجعة بنيوية جادة، بل مزيد من الانغلاق.
ومن هنا تأتي أهمية ما يُطرح حول المؤتمر الثامن للحركة، لا بوصفه استحقاقًا تنظيميًا، بل بوصفه لحظة مفصلية في إعادة تشكيل مستقبل فتح نفسها. فالاتجاه العام يوحي بمحاولة إعادة هندسة البنية القيادية بطريقة تُقلّص التعدد إن لم يكن إلغاؤه، وتُعزز الهيمنة الكلية على مركز القرار. ويبدو أن ما يجري لا يتعلق فقط بإعادة توزيع المواقع، بل بإعادة تعريف من يملك حق التأثير داخل الحركة، لصالح منظومة موالية لمركز السلطة وأقل قدرة على الاعتراض.
هذا المسار، رغم ما يبدو أنه يهدف إلى الاستقرار، يحمل في داخله مفارقة خطيرة؛ فالحركات الوطنية لا تقوى بالانغلاق، بل بالقدرة على استيعاب التعدد. وكلما ضاق المجال الداخلي، ضاق معه المجال الوطني نفسه. وهنا تصبح فتح، التي قامت على فكرة البيت الوطني الواسع، أمام تحول عكسي، من إطار جامع إلى بنية تخشى التعدد.
حماس: من شرعية المقاومة إلى مأزق القيادة
لا يمكن فهم موقع حركة حماس في اللحظة الفلسطينية الراهنة بوصفه موقع فصيل سياسي تقليدي داخل مشهد تعددي، بل بوصفه تعبيرًا عن تحوّل أعمق أصاب بنية النظام الوطني الفلسطيني نفسه، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول من يمثل الفلسطينيين، بل حول طبيعة التمثيل ذاته وحدوده وإمكاناته.
فصعود الحركة لم يكن نتيجة قوتها الذاتية فقط، بل أيضًا نتيجة تآكل تدريجي في قدرة النموذج الذي قادته حركة فتح على احتواء التعدد الفلسطيني وإنتاج أفق سياسي جامع، خصوصًا بعد انسداد مسار التسوية وتراجع الثقة بإمكاناته. في هذا الفراغ، لم تظهر حماس كبديل فصائلي تقليدي، بل كحامل لفكرة الفعل والمقاومة في مواجهة انسداد سياسي طويل، ما منحها شرعية مركبة جمعت شرعية المقاومة، وشرعية الصمود، وشرعية الاعتراض على مسار سياسي بدا عاجزًا عن تحقيق اختراق في بنية الصراع مع إسرائيل. لكن هذه الشرعية، رغم اتساعها الرمزي والاجتماعي، لم تتحول إلى أساس مستقر لقيادة وطنية جامعة.
منذ لحظة سيطرتها على قطاع غزة، دخلت الحركة في انتقال غير محسوم من موقع المقاومة إلى موقع الحكم، دون أن يُحسم شكل هذا الانتقال أو نتائجه. فالمقاومة تقوم على المرونة وإبقاء أفق الصراع مفتوحًا، بينما الحكم يقوم على الإدارة اليومية وضبط المجتمع وتحمّل كلفة الاستقرار في بيئة شديدة الاختناق.
ومع الوقت، لم يُحل هذا التناقض بل جرى التعايش معه، لتجد الحركة نفسها داخل ازدواجية بنيوية بين منطقين متعارضين؛ منطق المقاومة الذي يمنحها شرعيتها الأصلية، ومنطق الحكم الذي يفرض عليها مسؤوليات معقدة لا تنسجم مع بنيتها الأولى.
الحروب المتكررة على غزة، خصوصًا حرب الإبادة، أعادت ترسيخ صورة حماس بوصفها قوة صمود في مواجهة تفوق عسكري ساحق، ما عزز حضورها الرمزي داخل قطاعات واسعة من الفلسطينيين، لا سيما الأجيال الشابة التي رأت في تجربتها استعادة لفعل سياسي كان مفقودًا في سياق طويل من الانسداد.
لكن هذه الشرعية الصلبة في بعدها الرمزي لا تكفي وحدها لبناء قيادة وطنية جامعة. فقيادة الحالة الفلسطينية لا تُقاس فقط بقدرة المواجهة أو الصمود، بل بقدرة أعمق على إدارة التعدد الداخلي، وصياغة توافق وطني، وبناء نموذج حكم قابل للاستمرار، وفتح أفق سياسي يتجاوز حالة الحرب الدائمة.
وهنا تبدأ حدود التجربة في الظهور. فجزء أساسي من الإشكال يكمن في البنية المركبة للحركة نفسها؛ فهي ليست حركة مقاومة فقط، ولا سلطة حكم فقط، ولا تنظيمًا أيديولوجيًا مغلقًا، بل مزيج متداخل من هذه الوظائف. غير أن هذا التداخل لم يتحول إلى مصدر قوة، بل إلى حالة توتر دائمة بين ثلاث وظائف متعارضة..منطق المقاومة، ومنطق الحكم، ومنطق الهوية.
فمنطق المقاومة يحتاج إلى التصعيد وإبقاء الصراع مفتوحًا، بينما منطق الحكم يحتاج إلى الاستقرار وإدارة المجتمع، في حين يفرض منطق الهوية سقوفًا أيديولوجية وسياسية تحدد شكل المجال العام. ومع غياب الحسم بين هذه المستويات، أصبحت الحركة تدير التناقض بدل تجاوزه. ورغم ما راكمته من حضور سياسي ومجتمعي واسع، فإن تحولها إلى قيادة وطنية جامعة يواجه حدودًا بنيوية تتعلق بقدرتها على استيعاب التعدد الفلسطيني بكل تعقيداته، وبطبيعة العلاقة بين المرجعية الأيديولوجية والمجال الوطني العام، إضافة إلى القيود التي تفرضها البيئة الإقليمية والدولية على أي حركة تحمل طابعًا مقاومًا مسلحًا.
وفي المقابل، يبقى جزء واسع من الرأي العام، خصوصًا الشباب، منجذبًا إلى رمزيتها بوصفها قوة صمود ومواجهة، حتى وإن لم يتحول هذا الانجذاب إلى تفويض مفتوح لقيادة سياسية شاملة.
لكن مأزق حماس لا يمكن عزله عن مأزق النظام السياسي الفلسطيني ككل. فالمشهد يقوم على تقاطع عجزين متوازيين هما عجز فتح عن إعادة إنتاج شرعية تمثيلية جامعة بعد تحوّلها إلى بنية سلطوية مغلقة نسبيًا، وعجز حماس عن تحويل شرعية المقاومة إلى مشروع قيادة وطنية شامل. وبين هذين القطبين يتشكل فراغ سياسي لا تملؤه أي صيغة مستقرة، بل تتجاور فيه الشرعيات دون أن تندمج في إطار واحد.
البديل وإعادة التأسيس: نحو هندسة عبور للتمثيل الوطني
في هذا السياق، يكتسب النقاش الذي برز خلال الحرب حول فكرة الحكومة الانتقالية غير الفصائلية أو الإدارات الانتقالية غير الحزبية في غزة دلالة تتجاوز بعدها الإداري. سواء تعلق الأمر بحكومة وفاق لا تشارك فيها الفصائل، أو بلجان إسناد وإدارة ذات طابع غير تنظيمي، فإن جوهر الفكرة يعكس تحوّلًا تدريجيًا في الواقع والتفكير السياسي الفلسطيني، مفاده أن الفصائل، بكل ثقلها التاريخي، لم تعد قادرة وحدها على احتكار إدارة المجال العام أو إنتاج التوافق الوطني.
هذا لا يعني نفي دورها أو تجاوز شرعيتها التاريخية، بل يشير إلى تآكل قدرتها على احتكار التمثيل والحكم في آن واحد؛ أي انتقال من نموذج الفصيل بوصفه وحدة التمثيل والقرار، إلى تصور أكثر تعقيدًا يفصل بين الشرعية التاريخية وبين متطلبات إدارة المجال العام.
لكن هذا التحول لم يُنتج بديلًا مكتملًا بعد، بل يعكس فراغًا انتقاليًا مفتوحًا أكثر مما يعكس صيغة مستقرة. فالفصائل لم تُستبدل، لكنها لم تعد كافية وحدها، والدولة لم تتشكل بعد، لكن متطلبات إدارتها بدأت تُفرض خارج منطقها التقليدي.
وهنا تتقاطع أزمة حماس مع أزمة النموذج الفصائلي بأكمله. فالمسألة لم تعد تتعلق بقدرة طرف بعينه على الحكم، بل بقدرة البنية السياسية الفلسطينية كلها على الاستمرار في إنتاج التمثيل بصيغته القديمة.
ومن هذا التقاطع بين عجزين أو أزمتين، تتولد الحاجة إلى التفكير في مستوى ثالث لا يقوم على الفصيل ولا على اللحظة الراهنة، بل على إعادة تأسيس فكرة التمثيل نفسها.
هذا التحول مرتبط أيضًا بالسياق الأوسع للصراع مع إسرائيل، التي لم تعد مجرد قوة احتلال تقليدية، بل منظومة تعيد تشكيل الواقع الفلسطيني وتفكيك مجاله الوطني، بما يعيد إنتاج الأزمة بشكل دائم.
ورغم ذلك، فإن اللحظة لا تخلو من إمكانات أبرزها حجم الكارثة الوطنية، والوعي الشبابي الجديد الأقل خضوعًا للانقسام الفصائلي، وتحولات دولية تفتح هامشًا لخطاب العدالة، لكن دون أن تتحول إلى بديل سياسي جاهز.
هنا يصبح “البديل الوطني” ليس استبدال الفصائل، بل إعادة تعريف موقعها داخل بنية أوسع، بحيث تتحول من احتكار للتمثيل إلى مكونات داخل نظام وطني تعددي. هذا يتطلب إعادة تعريف التمثيل ذاته، من بنية مغلقة إلى بنية منفتحة، ومن احتكار إلى تعدد، ومن إدارة أزمة إلى هندسة انتقال.
لكن ذلك يصطدم بتعقيدات عميقة؛ فالفصائل شبكات اجتماعية وأمنية متجذرة، والانقسام تاريخي، والاحتلال يعيد إنتاج التفكك بدل تجاوزه.
ومع ذلك، فإن الأزمة لم تعد تخص طرفًا واحدًا، بل أصبحت أزمة نظام كامل، لا فتح قادرة على الاحتكار، ولا حماس قادرة على التأسيس، ولا البنية القائمة قادرة على الاستمرار دون تغيير. هنا، يصبح “التوافق”ضرورة انتقالية وليس اتفاقًا نهائيًا، بل هندسة عبور من نظام مأزوم إلى نظام قيد التشكل. وقد بات هذا المسار ممرًا إجباريًا، ليس فقط للإنقاذ الوطني، بل ولإنقاذ الحركتين في سياق مراجعات جادة، والاحتكام لصندوق الاقتراع.
ومن هنا تظهر فكرة “النخب المشتبكة” بوصفها احتمالًا لإعادة وصل السياسة بالمجتمع، وكسر احتكار التمثيل دون إنتاج بديل مغلق. وبين الفشل الذي يضغط من الداخل، والتحولات التي تفتح من الخارج، يبقى السؤال مفتوحًا؛ هل يمكن تحويل هذا الفراغ إلى لحظة ولادة سياسية جديدة تعيد تعريف المشروع الوطني دون أن تفقد جوهره التحرري والإنساني؟
في المحصلة، يقف المشروع الوطني الفلسطيني أمام لحظة اختبار، إما إعادة إنتاج الأزمة داخل البنية القديمة، أو الانتقال إلى إعادة تأسيس هادئة تعيد تعريف التمثيل والقيادة والمجتمع.
أخيرًا، لا تبدو الحالة الفلسطينية أزمة فصائل فحسب، بل أزمة قدرة على إنتاج أفق المستقبل، وعلى تمثيل مجتمع كامل يعيش تحت الاحتلال وخطر التصفية.

