الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:09 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:35 PM
العشاء 9:01 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

مقال "نيويورك تايمز": الصمت الذي يُحيط باغتصاب الفلسطينيين

الكاتب: نيكولاس كريستوف

فيما يلي ترجمة لنص المقال الذي أثيرت عليه ضجة في صحيفة "النيويورك تايمز" عن الاعتداءات الجنسية وغيرها من الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون على يد جنود الاحتلال والمستوطنين. وفي وقت سابق من يوم الخميس، وصف وزير الخارجية جدعون ساعر المقال بأنه "واحدة من أبشع الأكاذيب وأكثرها تحريفًا التي نُشرت ضد دولة إسرائيل في الصحافة الحديثة"، فيما هدد نتنياهو بمقاضاة الصحيفة.

وفيما يلي الترجمة الحرفية للمقال:

يصف فلسطينيون، رجالًا ونساءً، تعرّضهم لاعتداءات جنسية وحشية على أيدي مصلحة سجون الاحتلال وجنود الاحتلال والمستوطنين والمحققين الإسرائيليين.

إنها مسألة مبدئية وواضحة، بغضّ النظر عن المواقف السياسية من صراع الشرق الأوسط، ينبغي أن يكون هناك موقف موحّد في إدانة الاغتصاب والعنف الجنسي.

ويأتي ذلك في الوقت الذي حاولت فيه "إسرائيل" الحصول على إدانات دولية لما زعمت أنه اعتداءات جنسية في السابع من أكتوبر، فيما دعا نتنياهو قادة الدول إلى رفع أصواتهم ضد "هذا العنف".

 ومع ذلك، في مقابلات مؤثرة، روى فلسطينيون نمطاً من العنف الجنسي الإسرائيلي واسع النطاق ضد الرجال والنساء وحتى الأطفال، على أيدي الجنود والمستوطنين ومحققي الشاباك، وقبل كل شيء، مصلحة سجون الاحتلال.

في السنوات الأخيرة، بنى القادة الإسرائيليون جهازًا أمنيًا أصبح فيه العنف الجنسي، كما ورد في تقرير للأمم المتحدة العام الماضي، أحد "إجراءات التشغيل القياسية" لإسرائيل و"عنصرًا رئيسيًا في إساءة معاملة الفلسطينيين". وخلص تقرير صدر الشهر الماضي عن مرصد حقوق الإنسان الأورومتوسطي، إلى أن إسرائيل تمارس "عنفًا جنسيًا ممنهجًا" يُمارس على نطاق واسع كجزء من سياسة دولة منظمة.

يقول الصحفي المستقل سامي الساعي (46 عاما)، إنه بينما كان يُقتاد إلى زنزانته بعد اعتقاله عام 2024 خلال الحرب، طرحه مجموعة من الحراس أرضًا. وأضاف: "كانوا جميعًا يضربونني، وداس أحدهم على رأسي ورقبتي. أنزل أحدهم سروالي. ثم أنزلوا سروالي الداخلي، وبعد ذلك، أخرج أحد الحراس عصا مطاطية تُستخدم لضرب السجناء".

ووفق شهادة الساعي، "كانوا يحاولون إدخالها بالقوة في منطقة الشرج، وكنت أحاول منعهم، لكنني لم أستطع. كان الأمر مؤلمًا للغاية، الجنود كانوا يضحكون، ثم سمعت أحدهم يقول: أعطني الجزر، لقد كنت أدعو الله أن يموت".

قال الساعي إنه كان معصوب العينين، وسمع أحدهم يقول بالعبرية، التي يفهمها: "لا تلتقط صورًا". أوحى له ذلك بأن أحدهم أخرج كاميرا، وبعد الاعتداء عليه تركه الحراس مكبل اليدين على الأرض.

بعد أن أُلقي به في زنزانته، استنتج أن المكان الذي اغتُصب فيه قد استُخدم من قبل، إذ وجد قيئًا ودماءً وأسنانًا مكسورة.

قال الساعي إنه طُلب منه أن يصبح مخبرًا للمخابرات الإسرائيلية، ويعتقد أن الغرض من اعتقاله وسجنه بموجب نظام الاعتقال الإداري هو الضغط عليه للموافقة، ولأنه يفخر بمهنيته الصحفية، كما قال، فقد رفض.

لقد ازداد اهتمامي بتغطية الاعتداءات الجنسية على الأسرى الفلسطينيين بعد أن أخبرني الناشط عيسى عمرو خلال زيارة سابقة لي، أنه تعرض لاعتداء جنسي من قبل جنود إسرائيليين، وأنه يعتقد أن هذه الظاهرة شائعة ولكنها لا تُبلغ عنها بسبب الخجل.

ويقول آخر بعد إطلاق سراحه مطلع هذا العام عقب أشهر من الاحتجاز الإداري - دون توجيه أي تهم - روى ما حدث له في أحد أيام العام الماضي: قام ستة حراس بتقييد حركته بالإمساك بذراعيه وساقيه، ثم أنزلوا سرواله وملابسه الداخلية وأدخلوا عصا معدنية في شرجه. قال إن المغتصبين كانوا يضحكون ويهللون.

بعد عدة ساعات، أُغمي عليه ونُقل إلى عيادة السجن، بعد أن استيقظ، تعرض للاغتصاب مرة أخرى، باستخدام العصا المعدنية أيضًا. ويقول: "كنت أنزف انهارت قواي تمامًا. كنت أبكي".

بعد إعادته إلى زنزانته، طلب من أحد الحراس قلمًا وورقة ليكتب شكوى بشأن الاعتداءات. رُفض طلبه. وفي ذلك المساء، دخلت مجموعة من الحراس إلى الزنزانة.

قال إن أحد الحراس سخر منه قائلاً: "من يريد تقديم شكوى؟"، فأشار إليه حارس آخر. "بدأ الضرب فوراً"، كما يتذكر. ثم اغتصبوه بالهراوة للمرة الثالثة في ذلك اليوم. ويتذكر أن أحدهم قال: "الآن لديك المزيد لتضيفه إلى شكواك".

بعد أيام قليلة من مقابلتي معه، اتصل المزارع ليخبرني أنه لا يريد ذكر اسمه، فقد حذره الشاباك من "إثارة المشاكل"، كما أنه يخشى ردة فعل عائلته.

معظم حالات الاغتصاب والعنف الجنسي الأخرى كانت موجهة ضد الرجال، وذلك لأن أكثر من 90% من الأسرى الفلسطينيين من الذكور. لكنني تحدثتُ إلى امرأة فلسطينية اعتُقلت في الثالثة والعشرين من عمرها بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023. قالت إن الجنود الذين اعتقلوها هددوا باغتصابها هي ووالدتها وابنة أختها الصغيرة. بدأت محنتها في السجن بتفتيش مهين أجرته حارسات، "ثم دخل جندي، وكنتُ عارية تمامًا".

وقالت إنها خلال الأيام التالية، جُرِّدت من ملابسها مرارًا وتكرارًا، وضُربت، وفُتشت على يد فرق من الحراس والحارسات على حد سواء. كان النمط دائمًا واحدًا: يأتي عدة حراس، رجالًا ونساءً معًا، إلى زنزانتها، ويجردونها من ملابسها بالقوة، ويقيدون يديها خلف ظهرها، ويثنون جسدها للأمام من خصرها، وأحيانًا يدفعون رأسها في المرحاض. وفي هذه الوضعية، كانوا يضربونها ويتحرشون بها في كل مكان. وتقول: كانت أيديهم تلامس جسدي بالكامل وكنت أفقد وعيي بسبب الضرب ولا أعلم ما حدث بعدها. 

وعندما كانت على وشك الإفراج عنها من السجن، قالت إنها استُدعيت إلى غرفة مع ستة مسؤولين، وتلقت تحذيرًا شديد اللهجة بعدم الإدلاء بأي تصريحات.

وقالت: "هددوني بأنه إذا تكلمت، فسوف يغتصبونني ويقتلونني ويقتلون والدي". وليس من المستغرب أنها رفضت ذكر اسمها في هذا المقال.

يقول صحفي من غزة اعتقل عام 2024: "لم ينجُ أحد من الاعتداءات الجنسية. لا أقول إن الجميع تعرضوا للاغتصاب، لكن الجميع مروا باعتداءات جنسية مهينة وقذرة". في إحدى المرات، قال إن الحراس ربطوا خصيتيه وقضيبه بأربطة بلاستيكية لساعات بينما كانوا يضربون أعضاءه التناسلية. وأضاف أنه ظل يتبول دمًا لأيام بعد ذلك.

 وفي مرة أخرى، قال إنه تم تثبيته وتجريده من ملابسه، وبينما كان معصوب العينين ومقيد اليدين، تم استدعاء كلب. وقال إنه بتشجيع من مدربه بالعبرية، قام الكلب بالاعتداء عليه.

 قال: "كانوا يستخدمون الكاميرات لالتقاط الصور، وسمعت ضحكاتهم وقهقهاتهم". وأضاف أنه حاول إبعاد الكلب، لكنه لم يستطع.

كما أشار سجناء فلسطينيون آخرون ومراقبون لحقوق الإنسان إلى تقارير تفيد بتدريب كلاب الشرطة على اغتصاب السجناء. وقال الصحفي إنه عندما أُطلق سراحه، حذره مسؤول إسرائيلي قائلاً: "إذا كنت تريد البقاء على قيد الحياة عند عودتك، فلا تتحدث إلى وسائل الإعلام". 

تشير روايات عديدة إلى أن العنف الجنسي قد وُجّه حتى إلى الأطفال الفلسطينيين، الذين يُسجنون عادةً بتهمة رشق الحجارة. عثرتُ على ثلاثة فتيان محتجزين وأجريتُ معهم مقابلات، ووصفوا جميعًا تعرضهم للاعتداء الجنسي.

أحدهم، فتى خجول، كان يبلغ من العمر 15 عامًا وقت اعتقاله، رفض الإفصاح عما إذا كان قد شهد حالات اغتصاب فعلية. لكنه قال إن التهديدات كانت روتينية: "كانوا يقولون: افعل هذا، وإلا سنُدخل هذه العصا في مؤخرتك".

روى الفتيان الآخرون قصصًا مشابهة جدًا عن العنف الجنسي كجزء من الضرب، وأشاروا إلى أن تهديدات الاغتصاب لم تكن موجهة إليهم فقط، بل أيضًا إلى أمهاتهم وإخوتهم.

وروى الفلسطينيون الذين قابلتهم أنواعًا مختلفة من الانتهاكات تتجاوز الاغتصاب. وأفاد كثيرون منهم بتعرضهم المتكرر لشد أعضائهم التناسلية أو ضربهم على الخصيتين. كما استُخدمت أجهزة الكشف عن المعادن اليدوية لتفتيش ما بين أرجل الرجال العارية، ثم ضرب أعضائهم التناسلية بها؛ واضطر بعض الرجال إلى بتر خصيتيهم على يد الأطباء بعد تعرضهم للضرب، وفقًا لتقرير المرصد الأورومتوسطي.

لقد غطيتُ طوال مسيرتي المهنية الحروب والإبادة الجماعية والفظائع، بما في ذلك الاغتصاب، وفي نزاع تيغراي في إثيوبيا قبل بضع سنوات، ربما تعرضت 100 ألف امرأة للاغتصاب، ويحدث الاغتصاب الجماعي الآن في السودان.

ومع ذلك، فإن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تدعم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لذا فهذا عنف جنسي تتواطأ فيه الولايات المتحدة. 

وبحسب إحدى الإحصاءات، اعتقلت "إسرائيل" 20 ألف شخص في الضفة الغربية وحدها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، ولا يزال أكثر من 9 آلاف فلسطيني رهن الاحتجاز حتى هذا الشهر. لم يُوجه اتهامٌ للكثيرين منهم، بل اعتُقلوا لأسباب غير واضحة، ومنذ عام 2023، مُنع معظمهم من زيارات الصليب الأحمر والمحامين.

أفاد تقرير اللجنة الأوروبية المتوسطية للبحوث الاقتصادية والاجتماعية (أوروميد) بأن "القوات الإسرائيلية تستخدم الاغتصاب والتعذيب الجنسي بشكل ممنهج لإذلال المعتقلات الفلسطينيات". ونقل التقرير عن امرأة تبلغ من العمر 42 عامًا قولها إنها قُيدت عارية إلى طاولة معدنية بينما قام جنود إسرائيليون باغتصابها على مدى يومين، في حين قام جنود آخرون بتصوير الاعتداءات. وأضافت أنها عُرضت عليها بعد ذلك صورٌ تُظهر اغتصابها، وقيل لها إنها ستُنشر إذا لم تتعاون مع المخابرات الإسرائيلية.

من المستحيل معرفة مدى شيوع الاعتداءات الجنسية على الفلسطينيين، ويستند هذا المقال إلى محادثات مع 14 رجلاً وامرأة أفادوا بتعرضهم لاعتداءات جنسية من قبل مستوطنين إسرائيليين أو أفراد من قوات الاحتلال، كما تحدثتُ إلى أفراد من عائلات الضحايا، ومحققين، ومسؤولين، وغيرهم.

عثرتُ على هؤلاء الضحايا من خلال الاستفسار من محامين، ومنظمات حقوقية، وعاملين في مجال الإغاثة، وفلسطينيين عاديين. وفي كثير من الحالات، كان من الممكن التحقق من روايات الضحايا جزئيًا من خلال التحدث إلى شهود عيان، أو في أغلب الأحيان، إلى من وثق بهم الضحايا، مثل أفراد عائلاتهم، ومحامين، وأخصائيين اجتماعيين. في حالات أخرى، لم يكن ذلك ممكناً، ربما لأن الخجل جعل الناس يترددون في الاعتراف بالاعتداء حتى لأحبائهم.

أجرت منظمة "أنقذوا الأطفال" استطلاعاً العام الماضي شمل أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً كانوا رهن الاحتجاز الإسرائيلي؛ وأفاد أكثر من نصفهم بمشاهدة أو التعرض للعنف الجنسي. وقالت المنظمة إن الرقم الحقيقي ربما يكون أعلى لأن الوصمة الاجتماعية جعلت البعض غير راغبين في الاعتراف بما حدث لهم.

أجرت لجنة حماية الصحفيين، وهي منظمة أمريكية مرموقة، استطلاعاً شمل 59 صحفياً فلسطينياً أفرجت عنهم السلطات الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول. وقال 3% منهم إنهم تعرضوا للاغتصاب، وقال 29% إنهم تعرضوا لأشكال أخرى من العنف الجنسي.

وامتنعت وزارة الأمن القومي الإسرائيلية عن التعليق على هذا المقال، فيما أكد متحدث باسم مصلحة السجون، رفض الكشف عن اسمه، أن المصلحة "ترفض بشكل قاطع مزاعم" الاعتداء الجنسي، مضيفًا أن الشكاوى "تُدرس من قبل السلطات المختصة". وامتنع المتحدث عن الإفصاح عما إذا كان قد تم فصل أي من موظفي السجون أو محاكمته بتهمة الاعتداء الجنسي.

وأحد أسباب عدم تسليط الضوء الكافي على هذه الانتهاكات هو التهديدات التي تمارسها السلطات الإسرائيلية، والتي تُحذر السجناء بشكل دوري عند إطلاق سراحهم بضرورة التزام الصمت، بحسب فلسطينيين أُفرج عنهم.   

قالت ساري باشي، محامية حقوق الإنسان الإسرائيلية الأمريكية والمديرة التنفيذية للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل: "إن الاعتداء الجنسي المتفشي على الأسرى الفلسطينيين أمر واقع، بل أصبح أمراً عادياً. لا أرى دليلاً على صدور أوامر بذلك، لكن هناك أدلة متواصلة على أن السلطات على علم بحدوثه ولا تتخذ أي إجراءات لوقفه". وأكدت تقديم منظمتها مئات الشكاوى بالخصوص.

وأخبرني محامٍ إسرائيلي آخر، بن مارماريلي، استناداً إلى تجارب المعتقلين الفلسطينيين الذين مثّلهم، أن اغتصاب الأسرى الفلسطينيين باستخدام أدوات "يحدث على نطاق واسع".  

وأُفيد بأن أسيرًا فلسطينيًا من غزة نُقل إلى المستشفى في يوليو/تموز 2024 مصابًا بتمزق في المستقيم، وكسور في الأضلاع، وثقب في الرئة. وحصل المحققون على مقطع فيديو من داخل السجن يُظهر هذه الانتهاكات.

واعتقلت السلطات الإسرائيلية تسعة جنود احتياطيين، لكن اليمين الإسرائيلي ثار غضبًا، واقتحم حشد من المتظاهرين الغاضبين، بمن فيهم سياسيون، لإظهار دعمهم للحراس، وأُسقطت آخر التهم الموجهة ضد الجنود في مارس/آذار، وفي الشهر الماضي وافق الجيش على عودتهم إلى الخدمة، وأشاد نتنياهو بإسقاط التهم ووصفهم بالمقاتلين الأبطال.  

وصف باشي النتيجة قائلاً: "أرى أن إسقاط التهم بمثابة إعطاء الضوء الأخضر للاغتصاب".

وقال أحد معارف السجين إنه أمضى شهوراً في المستشفى يتعافى من إصاباته الداخلية. 

يمكن للملاحقات القضائية والاهتمام العام أن يحدّا من هذا العنف، ففي عام ١٩٩٧، اغتصب ضباط شرطة في مدينة نيويورك مهاجراً هايتياً يُدعى أبنر لويما بعصا بوحشية بالغة استدعت نقله إلى المستشفى وإجراء عمليات جراحية. وقد أثار هذا الحادث غضب سكان نيويورك، وزار العمدة رودي جولياني لويما في المستشفى، وتمت محاكمة ضباط الشرطة في قضية تاريخية. وقد وجّهت هذه القضية رسالة قوية إلى جميع أجهزة الشرطة: من يعتدي على المحتجزين قد يُعاقب. وهذه هي الرسالة التي يجب توجيهها إلى جميع أجهزة الأمن الإسرائيلية.

لو أصرّت إدارة ترامب على استئناف زيارات الصليب الأحمر للسجناء، ولو زار السفير الأمريكي ضحايا الاغتصاب مصطحبًا كاميراته، ولو ربطنا نقل الأسلحة بوقف الاعتداء الجنسي، لأمكننا إيصال رسالة أخلاقية وعملية مفادها أن العنف الجنسي مرفوض، بغض النظر عن هوية الضحية. بدايةً، كان بإمكان السفير ضمان عدم تعرض الفلسطينيين الذين تجرأوا على الحديث في هذا المقال لمزيد من الوحشية بسبب شجاعتهم.

كيف يحدث هذا النوع من العنف؟ 

الحقيقة المُرّة هي أنه عندما لا تكون هناك عواقب، فإننا كبشر قادرون على ارتكاب فظائع جسيمة تجاه أولئك الذين نُعلَّم احتقارهم باعتبارهم دون البشر.

 الحقيقة المُرّة هي أنه عندما لا تكون هناك عواقب، فإننا كبشر قادرون على ارتكاب فظائع هائلة تجاه أولئك الذين نُعلَّم احتقارهم باعتبارهم دون البشر. وصف إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، المعتقلين بـ"الحثالة" و"النازيين"، وتفاخر بتشديد ظروف السجون للفلسطينيين. وعندما تسود مثل هذه المواقف، يصبح الاعتداء الجنسي أداةً أخرى لإلحاق الألم والإذلال بالفلسطينيين.

وامتنع بن غفير، عبر متحدثة باسمه، عن التعليق على الاعتداءات الجنسية التي ترتكبها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

وثّقت منظمة بتسيلم، وهي منظمة حقوقية إسرائيلية، "نمطًا خطيرًا من العنف الجنسي" ضد الفلسطينيين. واستشهدت بشهادة سجين من غزة، الذي قال إنه تعرض للاغتصاب بعصا. وقالت بتسيلم إن التعذيب "أصبح أمرًا مقبولًا".

وصف ضابط إسرائيلي سابق في مستوصف أحد السجون، في شهادته أمام منظمة "كسر الصمت" الإسرائيلية، ما يعنيه هذا القبول على أرض الواقع: "يعتدى على الآخرين لمجرد التسلية، لا لأغراض الاستجواب أو أي شيء آخر. لمجرد التسلية، أو ليجدوا شيئًا يروونه لزملائهم، أو للانتقام". 

اعتداءات المستوطنين

لا يُعتبر المستوطنون الإسرائيليون ذراعًا رسميًا للدولة بنفس طريقة نظام السجون، لكن جيش الاحتلال الإسرائيلي يُوفر حماية متزايدة للمستوطنين أثناء مهاجمتهم القرويين الفلسطينيين واستخدامهم العنف الجنسي لإجبار الفلسطينيين على الهجرة.

وأفاد تقرير جديد صادر عن تحالف حماية الضفة الغربية، وهو ائتلاف يضم منظمات إغاثة دولية بقيادة المجلس النرويجي للاجئين، بأن "العنف الجنسي يُستخدم للضغط على المجتمعات" لإجبارها على ترك أراضيها. ووجد استطلاع أن أكثر من 70% من الأسر التي نزحت أفادت بأن التهديدات التي تتعرض لها النساء والأطفال، ولا سيما العنف الجنسي، كانت السبب الرئيسي لمغادرتهم.  

في قرية نائية بوادي الأردن، يسكنها مزارعون بدو، التقيتُ بمزارع يبلغ من العمر ٢٩ عامًا، يُدعى صهيب أبو الكباش، الذي روى لي كيف اقتحمت عصابةٌ مؤلفة من نحو ٢٠ مستوطنًا منازل عائلته، واعتدوا بالضرب على الكبار والصغار على حدٍ سواء، وسرقوا مجوهرات و٤٠٠ رأس من الأغنام، بل وقاموا بتمزيق ملابسه بسكين صيد، ثم ربطوا عضوه الذكري بإحكام وسحبوه.

قد يتساءل البعض عما إذا كان الفلسطينيون قد لفّقوا اتهامات الاعتداء الجنسي لتشويه سمعة إسرائيل، يبدو لي هذا الاحتمال بعيدًا عن المنطق، لأن أيًا ممن قابلتهم لم يسعَ إليّ، وكانوا مترددين في الكلام. مع ذلك، ثمة بعض الأدلة على أن الاعتداءات الجنسية في إسرائيل أصبحت متكررة لدرجة أن الأعراف تتغير، وأصبح الضحايا الفلسطينيون أكثر استعدادًا للتحدث علنًا.

قال محمد مطر، وهو مسؤول فلسطيني أخبرني أن مستوطنين جرّدوه من ملابسه، وضربوه، وطعنوه بعصا في مؤخرته وهم يتحدثون عن اغتصابه: "لم أستطع التحدث عن الأمر لمدة ستة أشهر، حتى مع عائلتي". وخلال الاعتداء، نشر المعتدون صورة له على مواقع التواصل الاجتماعي وهو معصوب العينين وعارٍ إلا من سرواله الداخلي.

مع مرور الوقت، قرر مطر التحدث علنًا، وهو الآن يحتفظ بصورة مكبّرة له التقطها المستوطنون على جدار مكتبه.

لمحاولة فهم ما وجدته، اتصلت بإيهود أولمرت، الذي شغل منصب رئيس وزراء الاحتلال من عام 2006 إلى عام 2009. أخبرني أولمرت أنه لا يعرف الكثير عن العنف الجنسي ضد الفلسطينيين، لكنه لم يتفاجأ بالروايات التي سمعتها.

سألني: "هل أعتقد أن هذا يحدث؟" فأجبته: "بالتأكيد". وأضاف: "تُرتكب جرائم حرب كل يوم في الأراضي الفلسطينية".

إذن، نعود إلى النقطة التي أشرت إليها في بداية هذا المقال: كان مؤيدو إسرائيل على حق في عام ٢٠٢٣، فمهما كانت آراؤنا حول الشرق الأوسط، يجب أن نكون قادرين على إدانة الاغتصاب.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...