الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:07 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:36 PM
العشاء 9:03 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ما بعد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”

الكاتب: د. محمد عودة

رغم كل الملاحظات على طريقة التحضير للمؤتمر، فإن مجرد انعقاده يُعد إنجازًا بحد ذاته. ومع ذلك، تدخل الحركة مرحلة تبدو أكثر حساسية وتعقيدًا من جلساته نفسها. فالمؤتمر، الذي انعقد بالتزامن بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، لم يكن مجرد استحقاق تنظيمي مؤجل، بل جاء في لحظة فلسطينية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد، ما جعل الأنظار تتجه ليس فقط إلى الأسماء التي ستفرزها صناديق الاقتراع في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وإنما إلى طبيعة المرحلة التي تنتظر الحركة بعد اكتمال النتائج، وإلى قدرة القيادة التي ستنبثق عن هذا المسار على التعامل مع حجم التحديات التي تواجه الحركة والقضية الفلسطينية معًا.

لقد حمل انعقاد المؤتمر في أربع ساحات متزامنة دلالات سياسية ووطنية واضحة؛ فهو عكس حجم التحديات التي فرضتها الجغرافيا الفلسطينية المنقسمة، لكنه أظهر في الوقت نفسه محاولة للحفاظ على وحدة الحركة رغم الحصار والحرب والشتات والانقسام. غير أن رمزية المشهد لا تلغي حقيقة أن الحركة تدخل اليوم مرحلة أكثر صعوبة، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في عقد المؤتمر بحد ذاته، وإنما فيما سيأتي بعده، وفي قدرة المؤسسات القيادية المنتخبة على تحويل مخرجات المؤتمر إلى سياسات وخطوات عملية تستجيب لحجم المتغيرات التي يعيشها الفلسطينيون

فرام الله حضرت بوصفها مركز القرار السياسي والمؤسساتي، حيث تتقاطع أسئلة السلطة والشرعية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، فيما جاءت غزة مثقلة بآثار الحرب والدمار والحصار، حاملة معها سؤال الصمود الوطني وإمكانية بقاء المشروع الفلسطيني حيًا تحت النار. أما القاهرة فحضرت بوصفها امتدادًا للدور العربي التاريخي المحيط بالقضية الفلسطينية، بينما أعادت بيروت استحضار مرحلة كاملة من تاريخ فتح، حين كانت إحدى أبرز ساحات الحضور الفلسطيني السياسي والكفاحي والتنظيمي.

وقد ارتبطت مدة انعقاد المؤتمر بالوقت المتاح في الدولتين المضيفتين، ما فرض إيقاعًا زمنيًا مضغوطًا انعكس على حجم النقاشات والمداخلات، وحدّ نسبيًا من اتساعها، الأمر الذي جعل جانبًا من القضايا يُرحَّل إلى المراحل اللاحقة داخل الأطر القيادية المختصة.

إن اجتماع هذه الساحات الأربع في توقيت واحد حمل دلالة تتجاوز الجانب التنظيمي، فهو اعتراف ضمني بأن حركة فتح لم تعد تتحرك داخل جغرافيا فلسطينية واحدة كما في السابق، بل داخل خرائط متعددة ومتداخلة: خريطة السلطة، وخريطة الحرب، وخريطة الشتات، وخريطة الإقليم بكل تعقيداته. ومن هنا، فإن نجاح المؤتمر لا يمكن اختزاله فقط بنتائج الانتخابات الداخلية أو بالتوازنات التي ستفرزها صناديق الاقتراع، بل بمدى قدرة الحركة على إعادة صياغة علاقتها بهذه الساحات المختلفة ضمن رؤية سياسية وتنظيمية موحدة.

فعلى المستوى المحلي، ينعقد هذا المؤتمر فيما يعيش الفلسطينيون واحدة من أكثر المراحل قسوة منذ سنوات طويلة. غزة ما تزال تحت وطأة آثار الحرب والدمار، والضفة الغربية تواجه تصعيدًا متواصلًا واستهدافًا سياسيًا وأمنيًا متصاعدًا، فيما تتعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتتراجع ثقة قطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني بالواقع السياسي القائم. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد كافيًا الاكتفاء بإعادة ترتيب البيت التنظيمي الداخلي، لأن الشارع الفلسطيني ينتظر رؤية سياسية قادرة على التعامل مع الأسئلة اليومية الكبرى المتعلقة بالمستقبل، والوحدة الوطنية، وشكل المشروع الفلسطيني في المرحلة القادمة.

كما ينعقد هذا المؤتمر في ظل تحدٍ داخلي لا يقل أهمية، يتمثل في ضرورة تجديد العلاقة بين الحركة والأجيال الفلسطينية الجديدة. فجزء واسع من الشباب الفلسطيني ينظر اليوم إلى الواقع السياسي بعين مختلفة، بعيدًا عن لغة الشعارات التقليدية أو الإرث التاريخي وحده. ولذلك فإن أي قيادة ستنبثق عن هذا المؤتمر ستجد نفسها أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على استعادة الثقة، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع، وتجديد الخطاب السياسي والتنظيمي بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الفلسطيني

أما إقليميًا، فقد جاء هذا المؤتمر في لحظة تعيش فيها المنطقة حالة إعادة تشكيل واسعة للتحالفات والأولويات. فالقضية الفلسطينية لم تعد تحظى بالموقع ذاته الذي احتلته لعقود داخل النظام العربي، فيما تتزايد محاولات بعض القوى الإقليمية توظيف الساحة الفلسطينية ضمن حسابات النفوذ والصراع. ومن هنا، فإن أحد أبرز التحديات التي ستواجه القيادة الجديدة يتمثل في كيفية الحفاظ على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وإعادة بناء شبكة العلاقات العربية بطريقة تحمي القضية الفلسطينية من الاستقطابات الإقليمية الحادة، وتمنع تحويلها إلى ورقة ضمن صراعات المحاور المتنافسة.

وعلى المستوى الدولي، تبدو التحديات أكثر تعقيدًا في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. فالنظام الدولي يعيش حالة اضطراب وصراع مصالح بين القوى الكبرى، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الدولية على فرض حلول سياسية عادلة أو حتى وقف الانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين، في ظل استمرار الانحياز الدولي لصالح إسرائيل في كثير من الملفات. وهو ما يفرض على الحركة الوطنية الفلسطينية إعادة التفكير بأدواتها السياسية والدبلوماسية والإعلامية، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة الجديدة ومتطلباتها

وفي هذا السياق، فإن نتائج انتخابات المؤتمر، مهما حملت من دلالات تنظيمية أو تغييرات داخلية، لن تكون كافية بحد ذاتها للحكم على نجاح المؤتمر أو فشله، فالمعيار الحقيقي سيبقى مرتبطًا بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة سياسية وتنظيمية حقيقية، أم أن الأمور ستتجه نحو إعادة إنتاج الصيغ التقليدية ذاتها، رغم تغير الظروف وتبدل موازين القوى وتسارع التحولات المحيطة بالقضية الفلسطينية

ومع انتهاء عمليات الفرز وإعلان النتائج، يُنتظر أن تعمل القيادة التي ستنبثق عن هذا المؤتمر على بلورة خلاصة سياسية وتنظيمية لما خرج به، سواء على مستوى الرؤية الوطنية أو على مستوى البنية الداخلية للحركة. وقد أظهرت جلسات المؤتمر أن عددًا من القضايا أُحيلت إلى الهيئات القيادية نتيجة ضيق الوقت، خصوصًا ما يتعلق بالأوضاع الداخلية، ومستقبل المشروع الوطني، والتحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الإطار، تبنى المؤتمر جملة من المقترحات والتوصيات التي أُوكلت مهمة متابعتها ووضع آليات تنفيذها إلى المجلس الثوري، باعتباره أحد الأطر القيادية الأساسية داخل الحركة خلال المرحلة القادمة. ومن بين أبرز هذه الملفات وضع خطط لمواجهة تصاعد التطرف الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين، وإعداد تصورات لمواجهة أي سيناريو قد تستهدف فيه إسرائيل إلغاء اتفاقيات أوسلو، بما يفرض خططًا بديلة تحمي المشروع الوطني من أي فراغ سياسي أو قانوني محتمل

كما برزت الحاجة إلى البحث عن آليات عملية لتجاوز الأزمات التي تواجه الحالة الفلسطينية، وفي مقدمتها الأزمة المالية الخانقة الناتجة عن استمرار إسرائيل في احتجاز أموال الشعب الفلسطيني وقرصنتها، بما انعكس بصورة مباشرة على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي الفلسطيني، وفرض أعباء إضافية على المواطن الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده.

وفي الإطار الاجتماعي والتنظيمي، أكدت التوصيات على ضرورة استعادة العلاقة بين الحركة وجماهيرها، وتطوير البنية الداخلية بما يضمن مشاركة أوسع للمرأة والشبيبة، ومراجعة الأداء بين المؤتمرات، وتعزيز أدوات الرقابة والمحاسبة الداخلية بما يعزز حيوية الحركة وقدرتها على التجدد.

كما برزت دعوات واضحة لتعزيز البعد الوطني في مواجهة سياسات التهويد والأسرلة، خاصة في مدينة القدس، في ظل محاولات متسارعة لفرض وقائع سياسية وديموغرافية وثقافية جديدة تستهدف هوية المدينة العربية والفلسطينية، إلى جانب التأكيد على تفعيل النضال الشعبي والسياسي والدبلوماسي في مواجهة الاحتلال، وتوسيع الحضور الفلسطيني في الساحة الدولية.

ولم تغب الجوانب الاقتصادية عن هذه الرؤية، إذ طُرحت مقترحات تتعلق بإنشاء مؤسسات رديفة تسهم في دعم صمود المجتمع الفلسطيني، وتخفيف الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، إلى جانب البحث عن آليات دعم عبر الأطر العربية والإقليمية، بما يضمن تخفيف الضغط المالي عن السلطة الفلسطينية وتحسين قدرة المجتمع على الصمود.

ومن هنا، فإن الحكم الحقيقي على المؤتمر لن يرتبط فقط بنتائج الانتخابات أو بالتوازنات التي ستفرزها صناديق الاقتراع، بل بقدرة المؤسسات المنتخبة على إدارة الملفات المؤجلة، وتحويل التوصيات والقرارات إلى سياسات وخطوات عملية قابلة للتنفيذ تستجيب لحجم التحديات التي يعيشها الفلسطينيون.

لقد انتهت أعمال المؤتمر من حيث الجلسات، لكن فرز الأصوات وإعلان النتائج ما يزال مستمرًا حتى إعداد هذا المقال، ومعه تبدأ المرحلة الأصعب. فالأطر القيادية التي ستنبثق عن هذا المؤتمر، وفي مقدمتها اللجنة المركزية والمجلس الثوري، تجد نفسها أمام تحديات كبيرة ومعقدة، تبدأ من كيفية التعامل مع التصعيد الإسرائيلي والتطرف المتنامي واعتداءات المستوطنين، ولا تنتهي عند مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية الخانقة، والحفاظ على وحدة الحالة الفلسطينية، والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

كما أن نجاح هذا المؤتمر لن يُقاس فقط بما أُنجز داخله من انتخابات وتوصيات، بل بقدرة القيادة الجديدة على تحويل ما خرج به إلى سياسات عملية وخطط قابلة للتنفيذ، سواء في مواجهة محاولات التهويد والأسرلة، خاصة في القدس، أو في التعامل مع السيناريوهات السياسية المقبلة، بما فيها أي خطوات إسرائيلية تستهدف تقويض الاتفاقيات القائمة أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

وبين ما طُرح داخل المؤتمر من رؤى وتوصيات، وما ستفرضه المرحلة القادمة من استحقاقات وضغوط، ستتحدد القيمة الحقيقية للمؤتمر الثامن، وما إذا كان سيمثل بداية لمسار جديد يعيد الحيوية للحركة والمشروع الوطني الفلسطيني، أم مجرد محطة تنظيمية أخرى في مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد تتراجع فيها هوامش الفعل وتتزايد فيها التحديات على مختلف المستويات.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...