"سيريبراس".. كيف تخلت الإمارات عن مكاسب مليارية مقابل مقعد على طاولة مستقبل الذكاء الاصطناعي؟
الكاتب: أحمد عطية
الخميس الماضي، كان جرس بورصة ناسداك يدق احتفالاً ببدء تداول أسهم شركة "سيريبراس سيستمز" (Cerebras) المتخصصة في تصميم الرقائق. قفز سهم الشركة في يومها الأول حاولي 68% ليرفع من قيمتها السوقية إلى نحو 95 مليار دولار، في أكبر اكتتاب لشركة تكنولوجيا منذ أوبر عام 2019.
بعدها بيومين، كان الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد يهدي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي رقاقة من تصنيع ذات الشركة احتفالاً بتدشين مشروع عملاق للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي.
لا يمكن فهم علاقة بين الحدثين دون النظر في التاريخ المتقلب لشركة "سيريبراس"، التي أنقذتها الاستثمارات الإماراتية، قبل أن تضطر للتخارج منها، ثم تعود لتحصد الثمار الحقيقية لاستثماراتها اليوم.
رهان الإمارات على منافس إنفيديا
تأسست "سيريبراس" عام 2015 بقيادة الرئيس التنفيذي أندرو فيلدمان، بعد مسيرة ناجحة في تأسيس شركات تكنولوجيا ناشئة والتخارج منها. عملت "سيريبراس" على إعادة تخيل تصميم الرقائق. فبدلاً من تقسيم رقاقة السليكون إلى مئات الشرائح الصغيرة، قررت الشركة الحفاظ على الرقاقة الدائرية الكبيرة وتحويلها إلى شريحة واحدة كبيرة الحجم. لهذا التصميم عيوب ومزايا، فهو ينتج حرارة أكبر ويحتاج لأنظمة تبريد أكثر تعقيداً، إلا أنه نظرياً أسرع في توليد الإجابات واستيعاب أنظمة نماذج اللغة المعقدة لأنظمة الذكاء الاصطناعي. وجذبت الشركة نحو نصف نصف مليار دولار من استثمارات رأس المال المغامر عبر 5 جولات تمويلية، أنفقتها على البحث والتطوير.
عام 2021، وقبل فورة الطلب على الرقائق بعد انفجار شعبية "تشات جي بي تي" (ChatGPT)، استقبلت الشركة أول استثمارات إماراتية حيث ساهمت "جي 42" (G42) في الجولة التمويلية السادسة التي بلغ حجمها 250 مليون دولار، وقيّمت الشركة بأكثر من 4 مليارات دولار. ولم تعلن "جي 42" وقتها عن حجم الصفقة بالضبط، أو نسبة ملكيتها في "سيريبراس".
وتقود "جي 42" القابضة طموح الإمارات في إنشاء بنيتها للذكاء الاصطناعي، إذ تملك بحسب موقعها 9 شركات في مجالات إدارة مراكز البيانات، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، وتحليل المعلومات، كما تربطها علاقات استراتيجية مع عمالقة الذكاء الاصطناعي في العالم، مثل "إنفيديا" و"أمازون".
عام 2023، برزت الإمارات زبوناً أساسياً لـ"سيريبراس"، إذ أعلنت الشركة أنها وقعت صفقة بقيمة 100 مليون دولار لإنشاء حاسوب عملاق من أصل 9 حواسيب محتملة لصالح "جي 42". وبحسب تصريحات طلال القيسي، الرئيس التنفيذي لشركة "جي 42 كلاود" لوكالة "رويترز"، فقد كانت الخطة هي الاستعانة بكمبيوترات "سيريبراس" لخدمة شركات المجموعة القابضة، وعرض السعة الفائضة للبيع. وفي العام نفسه، أطلقت "جي 42" وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع "سيريبراس" نموذج "جيس" (Jais)، الذي كان وقتها أحد أكثر النماذج اللغوية الكبيرة تطوراً باللغة العربية.
موعد جني الثمار
بعد نحو عقد على تأسيسها، استعدت "سيريبراس" للطرح الأولي لأسهمها في البورصة عام 2024. وكشفت مستندات الإصدار الأولي عن الدور المحوري لـ"جي 42" في مستقبل صانعة الرقائق. أظهرت المستندات أن الشركة الإماراتية تملك نحو 1% من أسهمها، اشترتها مقابل 40 مليون دولار خلال الجولة التمويلية السادسة، إلا أن مصدر أهميتها الحقيقي هو كونها الزبون الأهم للشركة. فقد وصلت إيرادات "سيريبراس" من بيع الرقائق، وتقديم خدمات الحوسبة السحابية والدعم التقني إلى حوالي 215 مليون دولار، منذ أول 2023 وحتى آخر يونيو 2024، وجاء 87% من هذه الإيرادات من شركة "جي 42" والشركات التابعة لها.
المستندات كشفت أيضاً عن تقدم "سيريبراس" طوعاً بطلب للجنة الاستثمار الأجنبي التابعة لوزارة الخزانة الأميركية للموافقة على نية "جي 42" رفع نسبة ملكيتها في الشركة إلى نحو 5%، في صفقة تقدّر بحوالي 335 مليون دولار. ويعكس هذا الطلب الطوعي القلق من اعتراض الحكومة الأميركية، إذ انتهج الرئيس الأميركي السابق جو بايدن نهجاً متشدداً تجاه الاستثمارات الأجنبية في قطاع الذكاء الاصطناعي، خوفاً من تسرب أسرار التقنية الحساسة إلى الصين.
وبحسب مستندات الطرح الأولي، فقد توصلت "سيريبراس" إلى اتفاق يمكن بموجبه "جي 42" من رفع حصة ملكيتها، دون رفع حقوقها في التصويت، أملاً في أن يسهم ذلك في تيسير الصفقة دون تدخل حكومي. رغم ذلك، اضطرت "سيريبراس" في أكتوبر 2025 إلى سحب أوراقها وتأجيل الطرح، دون الإعلان عن سبب رسمي.
خسائر البزنيس ومكاسب السياسة
استمرت "سيريبراس" في جذب استثمارات مليونية كشركة خاصة من صناديق استثمارية متعددة، فضلاً عن سام ألتمان وغريغ بروكمان مؤسسي "أوبن إي أي". وفي أكتوبر 2025، أعلن رئيسها فيلدمان من دبي خلال مؤتمر "جيتكس غلوبال" أن "سيريبراس" ستنشر بنيتها التحتية في الإمارات لدعم مشروع "ستارغيت الإمارات"، أول مركز عالمي لشبكة "ستارغيت" التابعة لـ"أوبن إيه آي".
واستطاعت "سيريبراس" طرح أسهمها أخيراً في مايو 2026، ولكن ليس قبل أن تتخارج منها "جي 42" كلّياً. وفقاً لنشرة الإصدار، لا تعد "جي 42" ضمن ملاك الشركة على الإطلاق، لكنها مازالت تحافظ على مركزها كمصدر أول للإيرادات. وبحسب أحدث بيانات، وصلت إيرادات "سيريبراس" في 2025 إلى 510 مليون دولار، أتى 86% منها من جهتين إماراتيتين: "جي 42"، وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.
وتفيد نشرة الاكتتاب، فإن"جي 42" وجامعة بن زايد هم "عملاء، وموردين، وشركاء، ومتعاونين بحثيين معنا في مبادرات متعددة بمجالات تدريب النماذج، والاستدللال والبنية التحتية للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي"، مُنوّهةً بأن الإمارات قوة صاعدة بمجال الذكاء الاصطناعي السيادي.
أعاد طرح "سيريبراس" مليارات الدولارات للمستثمرين الأوائل. ووفقاً لحسابات "ذا إنفورميشن"، فقد وصلت حصة "فاونديشن كابيتال" وقت طرح الشركة إلى 2.8 مليار دولار، مقابل استثمار قدره 37 مليوناً فقط. في حين وصلت حصة "بنشمارك" إلى 3.3 مليار دولار، مقابل استثمار قدره 268 مليون دولار، والقائمة تطول.
وفي حين غابت "جي 42" عن احتفالية جني أرباح الطرح، فقد حققت الإمارات انتصاراً ذا دلالة. فخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي أبوظبي، تسلّم من الشيخ محمد بن زايد قطعة من رقاقة "سيريبراس" يداً بيد. الإهداء لم يكن إكسسواراً دبلوماسياً، بل التنفيذ الرسمي لاتفاقية "كوندور غالاكسي الهند"، وهو حاسوب فائق بسعة 8 إكسافلوب ستديره "جي 42" بالشراكة مع المركز الهندي للحوسبة المتقدمة، مع بقاء كافة البيانات تحت ولاية الهند.
اضطرت الإمارات للتخلي عن مليارات من أرباح الطرح الذي انتظرته لسنوات، لكنها في المقابل ضمنت الوصول إلى رقاقات أميركية متقدمة، وحجزت لها مكاناً على طاولة التكنولوجيا الأكثر خطورةً في العالم.

