المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين إعادة ترتيب البيت الداخلي وأسئلة الشرعية والإصلاح والمستقبل الفلسطيني
الكاتب: منير قليبو
جاء المؤتمر الثامن لحركة فتح في واحدة من أكثر اللحظات الفلسطينية تعقيداً منذ عقود. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة وجدت نفسها أمام مشهد استثنائي تتداخل فيه الحرب المدمرة على غزة، وتراجع الثقة الشعبية، والحديث المتزايد عن مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، والانقسام الداخلي، وتراجع أداء المؤسسات، والتحولات الإقليمية والدولية التي تمس مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
ولهذا، لم يكن الفلسطينيون وحدهم ينتظرون نتائج المؤتمر، بل تابعته إسرائيل والعواصم العربية والإعلام الدولي باهتمام واضح، لأن المؤتمر لم يُنظر إليه كمحطة تنظيمية داخلية فقط، بل كمؤشر على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وما قد يحمله من ترتيبات للمرحلة القادمة.
من الناحية التنظيمية، نجحت فتح في عقد المؤتمر والحفاظ على تماسكها الداخلي ومنع اهتزازات تنظيمية في لحظة شديدة الحساسية. كما أعاد المؤتمر ترتيب مراكز النفوذ داخل الحركة وأنتج قيادة أكثر انسجاماً مع مركز القرار القائم، مع خروج عدد من الشخصيات التاريخية التي شكلت لسنوات طويلة جزءاً من المشهد الفتحاوي، وصعود أسماء أخرى.
لكن النقطة التي استوقفت المتابعين أكثر من غيرها كانت دخول ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس، إلى مركز القرار الحركي. داخلياً، أثارت الخطوة نقاشاً حول التجديد وضخ دماء جديدة، بينما رأت أصوات أخرى فيها مؤشراً على إعادة تشكيل مراكز النفوذ وترتيبات محتملة لمرحلة ما بعد الرئيس.
وإذا كان غياب بعض الرموز الأخرى - مثل مروان البرغوثي، رمز الانتفاضة وشخصية التوافق الشعبي، أو محمد دحلان، الذي مثّل تيار الإصلاح والانتفاضة على الفساد - لم يكن مفاجئاً لأحد، إلا أنه ظل سؤالاً مفتوحاً حول قدرة فتح على احتواء كل أبنائها خارج الأطر التقليدية، وحول ما إذا كان المؤتمر مؤتمر "جميع الفتحاويين" أم مؤتمر "تيار السلطة" فقط.
أما الإعلام الدولي، فركّز بصورة لافتة على مسألة الخلافة. واللافت أن هذا الاهتمام الغربي المتعطش لمعرفة "من سيأتي بعد أبو مازن" لم يكن بدافع الحرص على الديمقراطية الفلسطينية أو تجديد الشرعية، بل بدافع البحث عن ضمانة لاستمرار التنسيق الأمني وعدم اهتزاز الاستقرار النسبي في الضفة الغربية. فقد اعتبرت بعض التحليلات أن المؤتمر حمل قدراً من التغيير في الأشخاص لكنه أبقى على البنية التقليدية للحركة دون تحول فكري أو سياسي جذري.
وهذا الإبقاء على البنية التقليدية لم يأتِ من فراغ، بل ربما يعكس إدراك القيادة الحالية أن أي تحول فكري جذري - خاصة فيما يتعلق بعلاقة المقاومة بالسلطة، أو مراجعة بنود أوسلو، أو إعادة تعريف طبيعة الصراع - قد يؤدي إلى اهتزازات لا يبدو أن المشهد الفلسطيني المنقسم يحتملها اليوم. فإدارة الانهيار باتت أولوية مؤقتة قبل بناء النهوض.
أما على الجانب الإسرائيلي، فالمؤتمر حمل معاني مختلفة تماماً. فإسرائيل لم تنظر إليه كاجتماع حزبي داخلي، بل كمؤشر يتعلق مباشرة بمستقبل السلطة الفلسطينية، والخلافة السياسية، وإدارة غزة، والعلاقة المستقبلية مع القيادة الفلسطينية. الاهتمام الإسرائيلي انصبّ بصورة خاصة على سؤال: من سيقود المرحلة القادمة؟ وما انعكاس ذلك على التنسيق الأمني، وإدارة الضفة، ومستقبل غزة بعد الحرب؟ كما راقب الإسرائيليون المؤتمر من زاوية ثانية: إمكانية عودة فتح إلى لعب دور أكبر في غزة مستقبلاً، خاصة مع النقاشات الدولية حول ترتيبات اليوم التالي للحرب وإعادة الإعمار.
لكن بالنسبة للمقدسيين، ربما كانت الأسئلة مختلفة تماماً. فالمواطن المقدسي لا ينظر عادة إلى المؤتمرات من زاوية المواقع التنظيمية أو عضوية اللجنة المركزية، بقدر ما يسأل: ماذا يعني ذلك لحياته اليومية؟ هل ستظهر سياسات جديدة تتعلق بالإقامة والهوية ولمّ الشمل والسكن والهدم والتأمين الوطني والتعليم والاقتصاد وفرص العمل؟ هل ستعود القدس لتكون محوراً اقتصادياً ومؤسساتياً داخل البرنامج الوطني؟ هذه الأسئلة بقيت إلى حد كبير مفتوحة، رغم أن القدس اليوم تواجه واقعاً اقتصادياً واجتماعياً مختلفاً ومعقداً يتطلب مقاربة خاصة ومستقلة.
أما غزة، فالمشهد أكثر حساسية. فبعد الحرب والدمار والخسائر الإنسانية الهائلة، لم تعد أولويات الناس مرتبطة فقط بالهياكل التنظيمية، بل بقضايا إعادة الإعمار، السكن، التشغيل، الجرحى، التعليم، الإدارة والخدمات. ولذلك برز سؤال مهم: هل قدم المؤتمر تصوراً واضحاً لموقع غزة في المرحلة القادمة؟ وهل ستكون شريكاً في القرار أم موضوعاً للإدارة فقط؟
وحتى اللحظة، لم يخرج المؤتمر بآلية عملية واحدة تُشعر الغزيين أن "البيت الداخلي" يشملهم فعلاً - مثل الإعلان عن صندوق إعمار تُشرف عليه كوادر غزية، أو عودة مؤسسات مالية وخدماتية فتحاوية للعمل في القطاع. هذا الصمت الإجرائي هو أكثر ما يؤلم الغزي، أكثر من أي نقاش حول مقاعد القيادة أو عضوية المجلس الثوري.
في الجانب الآخر من الصورة، ظهرت أصوات ناقدة ومقاطعة، من بينها شخصيات بارزة مثل ناصر القدوة، التي اعتبرت أن التحدي الحقيقي لم يعد إعادة توزيع المواقع داخل الحركة، بل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، وإحياء مؤسسات منظمة التحرير، وتجديد الشرعية، وإعادة تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة والمجتمع.
ورغم النجاح التنظيمي للمؤتمر في الحفاظ على الاستمرارية وإدارة الانتقال الداخلي، بقيت أسئلة كبيرة دون إجابات واضحة: مستقبل السلطة الفلسطينية، مصير أوسلو، مستقبل غزة، الإصلاح المؤسسي، إشراك الشباب، إعادة بناء الثقة الشعبية، وتجديد الشرعية.
وإذا نظرنا إلى المؤتمر من زاوية الحوكمة والإدارة العامة، يمكن القول إنه نجح في منع الانقسام وإعادة ترتيب البيت الداخلي - أو إدارة الفوضى التنظيمية بأقل الخسائر - لكنه لم يصل بعد إلى مستوى التحول المؤسسي أو إنتاج مشروع سياسي جديد قادر على استعادة الثقة الشعبية.
لقد أعاد المؤتمر ترتيب المشهد، لكنه لم يحسم بعد اتجاه الطريق.
ربما يبقى السؤال الأهم مفتوحاً أمام فتح اليوم: هل تستطيع الحركة الانتقال من شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز والإصلاح؟ وهل تستطيع إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني بما يواكب تحولات غزة والقدس والضفة والشتات؟
فالتاريخ لا يتذكر كثيراً المؤتمرات التي أعادت توزيع المواقع، بقدر ما يتذكر تلك التي أعادت صياغة المستقبل.
وسؤال أخير لا بد منه، وإن كان مؤلماً: إذا لم تصلح فتح نفسها، وتجدد خطابها وشرعيتها وبرامجها، فمن يملأ الفراغ؟ الجبهات الأخرى ضعيفة ومجزأة، وحماس منشغلة بتداعيات الحرب ومسؤولية الإدارة في غزة. المأساة الحقيقية ليست في فشل فتح وحدها، بل في غياب بديل وطني شامل قادر على حمل الراية. وهذا الغياب هو ما يجعل نقد فتح أكثر إيلاماً، لأنه ليس نقد حركة من بين حركات، بل نقد بيت الملجأ الأخير للمشروع الوطني قبل أن ينهار تماماً.
مراجع ومصادر مقترحة للشفافية والإسناد:
1. Reuters – تغطيات المؤتمر الثامن، الخلافة، ودخول ياسر عباس.
2. Financial Times – تحليلات مستقبل القيادة الفلسطينية وترتيبات ما بعد عباس.
3. The Washington Institute for Near East Policy – قراءات حول انعكاسات المؤتمر على غزة والسلطة.
4. Al Jazeera English – تحليلات حول تحولات فتح والتحديات الداخلية.
5. The Times of Israel – القراءة الإسرائيلية للمؤتمر ومرحلة ما بعد عباس.
6. PCBS – Palestinian Central Bureau of Statistics – بيانات القدس والواقع الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني.
7. ILO Office for the Occupied Palestinian Territory – تقارير سوق العمل وتأثير الحرب.
8. World Bank – West Bank and Gaza Reports – تقارير الاقتصاد الفلسطيني وإعادة الإعمار.

