لماذا لا يستطيع الفيدرالي أن يخفض سعر الفائدة
الكاتب: د. طارق عاشور
قبل ستة أشهر فقط، بدا المشهد النقدي الأمريكي واضحاً: تضخم يتراجع، وسوق عمل يبرد، ومسار متوقع لخفض الفائدة ثلاث مرات على الأقل خلال عام 2026. لكن في ايار من هذا العام، انقلبت التوقعات رأساً على عقب. ففي الأول من هذا الشهر، أظهر مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر اذار أن التضخم الأساسي قفز من 3% إلى 3.2%، ووصل التضخم الكلي إلى 3.5%، أي أعلى بكثير من مستهدف الفيدرالي البالغ 2%. وفي الخامس والعشرين من الشهر نفسه، كشفت محاضر اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن المسؤولين لم يعودوا يستبعدون رفع الفائدة. السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: لماذا يبدو الاحتياطي الفيدرالي عاجز عن خفض أسعار الفائدة رغم الضغوط الهائلة التي يمارسها الرئيس ترامب، والتي وصلت حد محاولة إقالة محافظين وفتح قضايا جنائية ضد المؤسسة ذاتها؟
والإجابة هنا تتجاوز بكثير معدلات التضخم التقليدية، وصولاً إلى تحولات هيكلية عميقة في الحوكمة الاقتصادية الأمريكية.
تحول قواعد اللعبة بدأ من أعلى محكمة في البلاد. فالقضية التاريخية ترامب ضد كوك التي ناقشتها المحكمة العليا في بداية هذا العام، تطعن مباشرة في سابقة "همفري إكسيكيوتور" لعام 1935، التي أرست مبدأ أن الرئيس لا يمكنه إقالة أعضاء الوكالات المستقلة مثل الفيدرالي إلا لسبب وجيه كالإهمال أو سوء السلوك الجسيم. لو نجح ترامب في توسيع تعريف السبب، يصبح بإمكانه فصل أي عضو في مجلس الاحتياطي يختلف معه في الرأي حول أسعار الفائدة. هذه المعركة الدستورية خلقت واقع جديد: أي محافظ يفكر جدياً بخفض الفائدة يعلم الآن أن ثمن الخطأ قد يكون وظيفته، لذا فإن التصويت لصالح التثبيت أصبح الملاذ الآمن لتجنب التداعيات السياسية، وليس بالضرورة بسبب القراءة الاقتصادية وحدها.
ولكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو أن الإجماع داخل الفيدرالي لم يعد مطلق. فقبل ايام، خرج أوستان غولزبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو والمعروف بآرائه "الحمائمية" المؤيدة تاريخياً للتيسير النقدي، ليحذر من أن مكاسب الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تكون مبرراً لخفض الفائدة، بل قد تكون في حد ذاتها ضغطاً تضخمياً يرفع الأسعار، مضيفاً أنه لم يعد يستبعد رفع الفائدة إذا استمرت الضغوط. هذا التوتر الداخلي يُظهر أن المسألة ليست إجماعاً، بل صراع مفتوح بين مدرستين فكريتين داخل البنك المركزي نفسه.
واصبح جليا التحول الكامل للمعادلة السياسية للحزب الجمهوري نفسه. في الدورات السابقة، كان الحزب يضغط دوماً من أجل سياسات نقدية تيسيرية قبل الانتخابات. لكن في 2026، أصبح الجمهوريون في الكونغرس مقتنعين بأن التضخم الجامح هو الخطر الأكبر على فرصهم الانتخابية. فأسعار الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عام قفزت إلى 6.55%، وهو مستوى يضاعف أقساط المنازل ويجعل شراء المسكن حلم بعيد لملايين الأميركيين. وفي الوقت نفسه، تجاوز إجمالي ديون بطاقات الائتمان حاجز 1.25 تريليون دولار، أي بزيادة قدرها 70 مليار دولار عن العام الماضي. المواطن العادي لم يعد يتأثر بارتفاع أسعار الفائدة من خلال التقارير الاقتصادية فحسب، بل من خلال فاتورة الرهن العقاري وديون بطاقته الائتمانية التي لا تنضب. وهذه هي الرسالة التي وصلت إلى الكونغرس: الناخبون لا يريدون فائدة أقل في الأوراق الرسمية، بل يريدون أن تنخفض فواتيرهم الحقيقية.
ثم هناك فخ مستهدف التضخم البالغ 2%. ترامب يريد فائدة أقل، لكن أي خفض الآن من شأنه أن يرسل إشارة للأسواق بأن الفيدرالي تخلى عن التزامه بهذا المستهدف. والأسواق بدورها بدأت تستعد بالفعل لهذا الاحتمال. فبحسب أداة CME FedWatch، يرتفع احتمال تثبيت الفائدة في اجتماع حزيران إلى 96.8%، بينما يصل احتمال رفعها في اذار 2027 إلى 66.1%، مع وصول فرص خفضها في العام الجاري إلى صفر بالمئة.
المشكلة الأعمق تكمن في هيكل أسواق السندات نفسها، وتحديداً في عودة ما يعرف بـ "علاوة الأجل". هذا العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل اختفى تقريباً لمدة عقدين من الزمن، لكنه عاد وبقوة في 2026 بعد أن بات المستثمرون يدركون أن التقلبات الجيوسياسية والعجز المالي الأمريكي أصبحا جزء دائم من المشهد. ووفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وصلت علاوة الأجل على السندات لأجل 10 سنوات في اذار 2026 إلى 0.66%,في وقت كانت فيه سالبة في العام 2021. هذا التحول الهيكلي يجعل خفض الفائدة بلا معنى تقريباً، لأن العوائد الطويلة هي التي تحدد النشاط الاقتصادي الحقيقي.
علاوة على ذلك، ثمة عامل غير مسبوق يتمثل في الذكاء الاصطناعي، والذي انقلب ليصبح قوة ضغط تضخمية وليس انكماشية. غولزبي نفسه حذر من أن الرهان المفرط على مكاسب إنتاجية الذكاء الاصطناعي قد يكون مقلق، فإذا خابت هذه التوقعات، فإن الاقتصاد قد ينزلق إلى الركود التضخمي، وهو أسوأ ما يمكن أن تواجهه السياسة النقدية. الحاجة الهائلة لرؤوس الأموال لبناء مراكز البيانات، والطلب الكبير على الكهرباء لتشغيلها، والمنافسة الشرسة على المهندسين والعلماء، كلها عوامل رفعت "سعر الفائدة الطبيعي" r-star في الاقتصاد الأمريكي، وجعلت ما كان يُعتبر فائدة "مقيدة" في عام 2024، أصبح الآن فائدة "محايدة" أو حتى "توسعية".
أخيراً، ثمة فخ الجيوسياسية وعلاوة المخاطر غير الخطية. اندلاع الحرب مع إيران دفع أسعار النفط للارتفاع بنحو 18%، مما ضرب الاقتصاد من جهة العرض. لكن التأثير الأقل وضوحاً هو تحول صدمة الطاقة من حدث مؤقت إلى أزمة هيكلية. شركات الطاقة رفعت إنفاقها الرأسمالي بشكل دائم، وأعادت هيكلة عقودها، مما جعل أسعار النفط المرتفعة "الطبيعية الجديدة". ونتيجة لذلك، توقعت الأسواق المالية أن التضخم المرتفع سيستمر، وهذا ما تسبب في ارتفاع علاوة المخاطر على كل الأصول الأمريكية، وجعل أي خفض للفائدة مجرد "تخفيض اسمي" لا يشعر به المواطن العادي على أرض الواقع.
الخلاصة هي أن ترامب يريد فائدة أقل، لكن الاقتصاد الذي يرثه مختلف تماماً عن أي وقت مضى. التحولات في الحوكمة، والسياسة الحزبية، وهيكل أسواق السندات، والتأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي، والجيوسياسية، كلها عوامل خلقت نسيجاً معقداً من الموانع التي تمنع الفيدرالي من خفض الفائدة. وإذا كان ترامب قد أعاد رسم قواعد اللعبة النقدية دون أن يدرك أنه فعل، فمن يملك اليوم القدرة على تغييرها مرة أخرى؟ الإجابة ليست في يد البيت الأبيض، ولا حتى في يد وول ستريت، بل في يد ملايين الأسر الأميركية التي تقرر بأقساط رهونها العقارية وبطاقات ائتمانها أين يتجه مصير السياسة النقدية.

