الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:02 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:40 PM
العشاء 9:09 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من مشروع التحرر إلى بنية الإدارة .. قراءة نقدية في تحولات الحركة الوطنية الفلسطينية بعد أوسلو

الكاتب: يونس العموري

هذا النقاش لا ينطلق من رغبة في السجال أو تسجيل المواقف، بقدر ما يأتي كمحاولة لإعادة ترتيب الفكر والفهم السياسيين، ووضع النقاط على الحروف في لحظة فلسطينية تبدو فيها الحاجة ملحّة إلى مراجعة شاملة للتجربة الوطنية بأكملها. فالمسألة اليوم لم تعد مجرد خلاف بين سلطة ومعارضة، ولا مجرد تباين في التقديرات السياسية، بل أزمة عميقة تتعلق بكيفية فهم المشروع الوطني نفسه، وحدود المسارات التي أوصلت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى واقعها الراهن.

ومن هنا، فإن هذا النص يأتي بوصفه امتدادًا لحالة حوارية مفتوحة، قد تتمكن، إذا ما أُخذت بجدية، من الإسهام في إعادة تشكيل الاصطفافات السياسية على قاعدة منطق التحرر وقوانينه، لا على قاعدة التمترس خلف المتاريس الفصائلية والفهم الكلاسيكي للانقسام الفلسطيني. فالحركة الوطنية الفلسطينية، بكل مكوناتها، تبدو اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تقييم تجربتها السياسية والتنظيمية استنادًا إلى الواقع القائم، وإلى النتائج التي أفضت إليها أوسلو وما تبعها من تحولات طالت البنية الوطنية بأكملها.

فالحديث هنا لا يتعلق بإدانة طرف وتبرئة آخر، بل بمحاولة فهم كيف انتقلت الحركة الوطنية تدريجيًا من مشروع تحرر وطني إلى بنية سياسية تدور في فلك الإدارة والانقسام والتكيف مع شروط الواقع الذي فرضه الاستعمار. ولذلك، فإن أي محاولة جدية للخروج من المأزق الفلسطيني الراهن لا يمكن أن تقتصر على نقد السلطة أو معارضة سياساتها، بل يجب أن تتجه نحو إعادة بناء الحركة الوطنية نفسها، سياسيًا وتنظيميًا وفكريًا، على أسس تعيد الاعتبار لمنطق التحرر بوصفه الإطار الناظم للعلاقة مع الاحتلال، لا لمنطق السلطة وإدارة السكان تحت السيطرة الاستعمارية...

وفي هذا السياق، فإن ثنائية (سلطة ومعارضة) ليست مجرد اختزال سياسي ساذج، بل هي إعادة إنتاج مباشرة، حتى وإن جاءت بلغة نقدية، للمنطق الذي أسسته أوسلو ذاتها. فالاتفاق لم يُعد تعريف الفلسطينيين بوصفهم شعبًا يخوض صراعًا تحرريًا مفتوحًا مع بنية استعمارية استعصائية، بل أعاد تشكيلهم كجماعات سياسية تتنازع داخل إطار (حكم ذاتي) محدود السيادة، محكوم أصلًا بشروط الاحتلال وإدارته الأمنية والاقتصادية... وضمن هذا المنطق، يتحول السؤال من: كيف يُواجَه الاستعمار؟ إلى: من يدير السكان؟ ومن يملك شرعية التمثيل داخل البنية القائمة؟ وهكذا تُختزل السياسة الفلسطينية إلى تنافس بين سلطة ومعارضة، بينما يبقى جوهر العلاقة الاستعمارية خارج دائرة المساءلة الفعلية... فالسلطة هنا ليست دولة ناقصة فقط، بل وظيفة إدارية داخل نظام السيطرة، والمعارضة غالبًا ما تُعرّف نفسها قياسًا إلى هذه الوظيفة لا خارجها.... والأخطر أن هذه الثنائية تُنتج وعيًا سياسيًا يرى الفلسطينيين كفاعلين داخل نظام حكم، لا كجماعة تحرر وطني ما زالت تواجه اقتلاعًا واستيطانًا وهيمنة استعمارية مستمرة. لذلك فإن استدعاء مفاهيم مأخوذة من الدول المستقرة، كالموالاة والمعارضة والتداول والشرعية الحكومية، دون تفكيك السياق الاستعماري، لا يؤدي إلا إلى حجب البنية الأصلية للصراع.. علاقة القوة بين المستعمِر والمستعمَر... وبهذا المعنى، فإن تجاوز منطق أوسلو لا يبدأ فقط من نقد السلطة، بل من نقد اللغة السياسية نفسها التي فرضتها أوسلو على الفلسطينيين، حيث صار الانقسام الداخلي هو مركز المشهد، بينما جرى تهميش سؤال التحرر ذاته إلى الهامش. لكن هذا النقد يبقى ناقصًا إذا جرى حصر المسؤولية في القوى التي وقّعت أوسلو أو أدارت مؤسساته فقط، فالقوى الفلسطينية التي عارضت الاتفاق ومخرجاته تتحمل بدورها مسؤولية تاريخية وسياسية عمّا آلت إليه الأوضاع، ليس لأنها شاركت في تأسيس المسار نفسه، بل لأنها أخفقت في إنتاج بديل تحرري قادر على تجاوز شروطه وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس جديدة.

ففي تجارب التحرر، لا يكفي إعلان الرفض بوصفه موقفًا أخلاقيًا أو خطابيًا، إذ إن شرعية قوى التحرر تُقاس بقدرتها على بناء ميزان قوى مختلف، وتنظيم المجتمع حول استراتيجية مقاومة طويلة النفس، وتقديم تصور سياسي يتجاوز إدارة الانقسام أو الاستثمار فيه. غير أن جزءًا كبيرًا من المعارضة الفلسطينية وقع تدريجيًا داخل البنية ذاتها التي ادعى رفضها ، دخل مؤسسات السلطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وخضع لإيقاعها السياسي والاقتصادي، أو أعاد إنتاج منطقها الفصائلي القائم على تقاسم النفوذ والتمثيل... وفي قوانين حركات التحرر، فإن الفراغ لا يبقى فراغًا. فعندما تعجز قوى المقاومة عن بناء أفق وطني جامع، تتحول المقاومة نفسها إلى أداة ضمن توازنات داخلية، ويجري استيعابها تدريجيًا داخل النظام القائم، حتى وهي ترفع خطاب نقيضه. بذلك لم تعد الأزمة الفلسطينية أزمة (سلطة) فقط، بل أزمة حركة وطنية كاملة فقدت تدريجيًا قدرتها على إعادة تعريف ذاتها كحركة تحرر، وانتقلت، بسلطتها ومعارضتها، من سؤال التحرير إلى سؤال الإدارة، ومن مشروع التحرر الوطني إلى صراع على المكان داخل البنية التي أنشأها الاستعمار وأعاد تنظيمها عبر أوسلو... ومن أجل فهم أعمق لهذه التحولات، لا بد من العودة قليلًا إلى السياق التاريخي لإقرار أوسلو. فقبل تثبيته رسميًا داخل المجلس الوطني الفلسطيني عام 1996، عُقدت بالفعل عدة دورات للمجلس المركزي الفلسطيني في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، وكان المجلس المركزي عمليًا يتحول تدريجيًا إلى المرجعية السياسية الفعلية لمنظمة التحرير في ظل تعذر انعقاد المجلس الوطني بشكل دائم. .. والأهم هنا أن الدورة المفصلية التي أعقبت توقيع أوسلو مباشرة كانت دورة المجلس المركزي المنعقدة في تونس بين 10–12 تشرين الأول/أكتوبر 1993، أي بعد أسابيع من توقيع الاتفاق في واشنطن. وفي تلك الدورة جرى اتخاذ القرار السياسي بإنشاء (السلطة الوطنية الفلسطينية) وتكليف اللجنة التنفيذية بتشكيلها. .. لكن قبل ذلك أيضًا، عُقدت دورات متتالية للمجلس المركزي خلال مرحلة التحول السياسي التي سبقت أوسلو، ومنها دورات 1990 في تونس، ونيسان/أبريل 1991، وتشرين الأول/أكتوبر 1991، وأيار/مايو 1992. وهذه النقطة مهمة سياسيًا، لأن التحول نحو التسوية لم يبدأ فجأة مع أوسلو بوصفه (حادثة منفصلة)، بل كان هناك مسار سياسي كامل داخل مؤسسات المنظمة منذ أواخر الثمانينيات .. القبول بقرارات الشرعية الدولية، إعلان الاستقلال عام 1988، الانخراط في مؤتمر مدريد 1991، ثم المفاوضات السرية التي انتهت بأوسلو... لذلك فإن السؤال النقدي الأعمق ليس فقط .. هل شاركت القوى المعارضة في جلسة إقرار أوسلو؟ بل: هل كانت تلك القوى، خصوصًا الموجودة داخل مؤسسات المنظمة، قادرة فعلًا على تعطيل المسار السياسي الذي كان يتشكل تدريجيًا منذ سنوات؟ فالوقائع تشير إلى أن المعارضة داخل المنظمة كانت موجودة، لكنها لم تكن قادرة على إنتاج قطيعة تنظيمية أو استراتيجية مع المسار العام... بعض القوى قاطع، وبعضها اعترض، وبعضها بقي داخل الأطر مع التحفظ، لكن في النهاية استمرت الشرعية المؤسسية نفسها التي أنتجت أوسلو تعمل باسم (الإجماع الوطني). وهنا تكمن إحدى مفارقات التجربة الفلسطينيةمعارضة سياسية بقيت، إلى حد بعيد، تتحرك داخل البنية التي كانت تعارض نتائجها... وفي السياقات السياسية العادية، تُحسم الخلافات عبر آليات الديمقراطية التمثيليةتصويت، أغلبية، وأقلية تلتزم بالقرار الجماعي ثم تواصل عملها داخل النظام نفسه... لكن في حركات التحرر الوطني، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا، لأن موضوع الخلاف لا يتعلق فقط ببرامج حكومية أو سياسات اقتصادية، بل أحيانًا بطبيعة المشروع الوطني نفسه وحدود التنازل الممكن فيه.

ولهذا فإن استدعاء مفاهيم (الأغلبية والأقلية) داخل تجربة كالتجربة الفلسطينية لا يمكن أن يكون ميكانيكيًا أو معزولًا عن طبيعة المرحلة التاريخية. فحين تكون الحركة الوطنية في حالة تحرر من استعمار استيطاني، فإن الشرعية لا تُقاس فقط بالإجراءات المؤسساتية، بل أيضًا بمدى انسجام القرار مع الهدف التاريخي للحركة الوطنية وقدرتها على الحفاظ على وحدة الجماعة الوطنية وحقوقها الأساسية... ومن هناتظهر المعضلة التي فجرتها أوسلو هل كان يكفي أن تمتلك القيادة أغلبية مؤسساتية داخل منظمة التحرير لكي يصبح التحول الاستراتيجي نحو التسوية ملزمًا للجميع بوصفه قرارًا ديمقراطيًا ؟ أم أن هناك قرارات في حركات التحرر تتجاوز منطق الأغلبية العددية لأنها تمس تعريف القضية نفسها ؟ وفي تجارب التحرر الكبرى، غالبًا ما كانت الشرعية الثورية والسياسية تتأسس على توازن معقد بين البعد المؤسساتي والبعد التاريخي. فالأغلبية قد تمنح شرعية إجرائية، لكنها لا تكفي وحدها لمنح شرعية تاريخية إذا كان القرار يؤدي إلى تفكيك أهداف الحركة أو إعادة إنتاج الهيمنة الاستعمارية بصيغ جديدة... وفي المقابل، لا تستطيع الأقلية المعارضة أن تكتفي بادعاء (النقاء الثوري) إذا بقيت عمليًا داخل المؤسسات ذاتها، تستفيد من شرعيتها، وتقبل قواعدها حينًا وترفض نتائجها حينًا آخر ... فمنطق التحرر الوطني لا يلغي أهمية المؤسسات، لكنه يفترض أن تكون المؤسسات نفسها أداة لخدمة مشروع التحرير، لا أن تتحول إلى غاية مستقلة عن هذا المشروع .. ولهذا فإن أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية بعد أوسلو لم تكن فقط أزمة قرار سياسي، بل أزمة معنى .. هل أصبحت المؤسسات الوطنية إطارًا لإدارة السكان تحت الاحتلال، أم بقيت إطارًا لقيادة مشروع تحرري؟ وعندما يحدث الانفصال بين (المؤسسة) و(التحرر)، تصبح الديمقراطية نفسها معرضة للتحول إلى آلية لإضفاء الشرعية على توازنات القوة القائمة، لا على مشروع التحرير... وهنا تحديدًا تظهر حدود ثنائية الأغلبية والأقلية في حركات التحرر ... فالمسألة لا تتعلق فقط بمن ربح التصويت، بل بمن حافظ على وظيفة الحركة الوطنية كحركة تحرر، ومن ساهم، بقصد أو بدونه، في نقلها إلى منطق السلطة والإدارة والتكيّف مع شروط الاستعمار.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...