أستنهاض “فتح” يبدأ من لغة الحوار وإنعاش الأطر
الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
قد لا تكون الأزمة الحقيقية في كثرة الآراء داخل حركة حركة "فتح" ، فالحركات الوطنية الحية بطبيعتها تعرف الاختلاف والنقاش والتباين ، بل إن غياب النقاش قد يكون أحياناً مؤشراً أخطر من حضوره.
لكن ما يثير القلق اليوم هو الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف ، والأنتقال المتزايد من الحوار الداخلي إلى التراشق العلني عبر منصات التواصل الأجتماعي ، بما يحول الأختلاف السياسي والتنظيمي إلى مشهد فوضوي مفتوح أمام الجميع.
خلال الأيام الماضية ، امتلأت صفحات “الفيسبوك” بسجالات متبادلة وهجوم وهجوم مضاد تأخذ في بعض منها أبعاد شخصية ، واتهامات وتلميحات ، وكأن المؤسسات التنظيمية لم تعد قادرة على استيعاب النقاش أو ضبط إيقاعه . ولم يعد المواطن العادي يرى أمامه حركة تحرر تقود مشروعاً وطنياً لإنهاء الأحتلال الإستعماري ، بل حالة استقطاب وانقسام وانفعال متبادل تُدار على الملأ ، بصورة تسيء إلى "فتح" أكثر مما تخدم أي طرف فيها .
المشكلة هنا ليست في النقد ، فالنقد حق مشروع وضرورة لأي حركة تحرر وطني تريد أن تراجع تجربتها وتتطور . كما أن الاختلاف في تقييم المؤتمر أو نتائجه أو السياسات القائمة أمر طبيعي ومفهوم . لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول الذي يسعى إلى الإصلاح والأستنهاض ، والذي لم يكن متاحاً عبر جلسات المؤتمر بكل أسف ، وبين الانفلاش الإعلامي الذي يحوّل المنصات الرقمية إلى بديل عن الديمقراطية والأطر التنظيمية والمؤسسات الحركية .
فحين يصبح “الفيسبوك” هو المكان الأول لإدارة الخلافات الداخلية بدل ان تكون جلسات المؤتمر ، فإن ذلك يكشف أزمة أعمق تتعلق بانتهاك النظام الداخلي وبتراجع الثقة بالأطر ، وضعف الحوار الداخلي ، وغياب المساحات القادرة على استيعاب التباينات بصورة سياسية وتنظيمية ناضجة . فالحركات الوطنية والثورية لا تُدار بردود الفعل ، ولا تُبنى عبر المنشورات الغاضبة ، بل عبر المؤسسات والأطر والبرامج وآليات الحوار والمسؤولية الجماعية ، ولذلك تنعقد مؤتمرات الأحزاب والحركات الوطنية ، لتكون ساحة مراجعات وتقيم سياسات ونقد ذاتي وإقرار برامج وحسم خلافات بالأغلبية وفق انظمتها الداخلية ، التي كان مفترضاً الالتزام بنصوصها وخاصة في شأن الأعداد للمؤتمر العام أو إدارته على مدار الثلاث ايام الذي انعقد خلالها وبما كان مفترض أن يكون سيد نفسه .
والأخطر من غياب تلك الأسس ، أن هذا المشهد لا يبقى شأناً داخلياً ، لأن الجمهور الفلسطيني ، بل والإقليمي والدولي يراقب ويقرأ ويُكوّن انطباعاته في زمن أصبح العالم قرية صغيرة .
وفي لحظة وطنية شديدة الخطورة يعيشها شعبنا ، يصبح الحفاظ على صورة الحركة ووحدتها المعنوية جزءاً من المسؤولية الوطنية ، لا مجرد قضية تنظيمية داخلية .
ليس المطلوب العودة إلى الصمت أو إلغاء حق التعبير ، كما أن المطلوب ليس قمع الأصوات المختلفة أو منع النقد . بل المطلوب إعادة الإعتبار لفكرة المؤسسة ، واحترام أخلاقيات الحوار السياسي والتنظيمي الذي يتوجب ان يكون متاحاً ، والتمييز بين النقد المسؤول وبين الإساءة أو التشهير أو تصفية الحسابات الشخصية على الملأ .
إن استنهاض “فتح” ، الذي جرى الحديث عنه كثيراً خلال المرحلة الماضية ، لا يبدأ فقط من البرامج السياسية أو التعديلات التنظيمية رغم اهمية ذلك ، بل يبدأ أيضاً من الثقافة الداخلية للحركة ، ومن قدرتها على إدارة الاختلاف بصورة ديمقراطية حضارية ومسؤولة . فالحركات الوطنية والأحزاب السياسية لا تُقاس فقط بما تقوله بياناتها ، بل أيضاً بالطريقة التي يتحدث بها أبناؤها إلى بعضهم البعض ، وإلى العالم من خلال صورة ذلك .

