تاريخية المرحلة تستوجب استثنائية المواقف
الكاتب: سامح عراقي
تعيش إسرائيل اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية وخطورة منذ عقود، ليس فقط على مستوى الصراع مع الشعب الفلسطيني، بل أيضًا على مستوى طبيعة الدولة نفسها واتجاهها السياسي والقانوني والاجتماعي. وما نشهده اليوم، سواء على المستوى الإسرائيلي العام أو على مستوى الفلسطينيين المواطنين في الدولة، يؤكد أننا أمام مرحلة تاريخية تستوجب استثنائية في المواقف، وفي أدوات العمل السياسي، وفي قراءة المشهد والتعامل معه “بمشرط” الطبيب الجراح.
نجح اليمين الإسرائيلي، عبر مشروع سياسي طويل النفس، في ترسيخ "عقدة الخوف" داخل الوعي الإسرائيلي العام. فمنذ اتفاقيات أوسلو، وبعد الانسحاب من قطاع غزة ضمن خطة فك الارتباط، شعر اليمين أن مبررات وجوده السياسي بدأت تتآكل، فعمل بصورة منهجية على إعادة إنتاج "الفزّاعة" الفلسطينية، وتعزيز صورة الفلسطيني باعتباره تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، إلى جانب ترسيخ فكرة أن إسرائيل محاطة بـ"بحر من الأعداء". وخلال العقدين الأخيرين، خاض اليمين حربًا متواصلة على الوعي الإسرائيلي، مستفيدًا من جولات التصعيد والحروب، ليعزز شعور "الضحية المهددة" داخل المجتمع الإسرائيلي، رغم أن الضحايا الحقيقيين كانوا شعوب المنطقة، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني الذي دفع أثمانًا هائلة من الدم والدمار والفقر.
هذا المشروع لم يحقق فقط انتصارات انتخابية، بل نجح في تغيير الثقافة السياسية الإسرائيلية نفسها. حتى ما يسمى "اليسار الصهيوني" أُجبر على التماهي مع كثير من سياسات اليمين، وأصبح في نظر اليمين نفسه "عدوًا داخليًا" إذا تجرأ على الاعتراض. وفي السنوات الأخيرة، انتقل اليمين من مرحلة التخويف وصناعة الوعي إلى مرحلة ترجمة انتصاراته على الأرض عبر تكريس الفاشية السياسية، سواء تجاه الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس، أو تجاه الفلسطينيين المواطنين في الدولة.
الهدف المركزي لهذا المشروع هو القضاء على أي أفق للحديث عن تسوية تاريخية تضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته، وفرض وقائع نهائية على الأرض تؤدي إلى اغتيال القضية الفلسطينية سياسيًا. وفي الوقت نفسه، يعمل اليمين على إعادة تشكيل بنية الدولة الإسرائيلية نفسها عبر تغيير القوانين وموازين القوى الداخلية، وهو ما تجلى بوضوح في مشروع "الانقلاب القضائي"، الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية لتحويل إسرائيل إلى دولة ذات ملامح فاشية متقدمة.
أما الفلسطينيون المواطنون في الدولة، فهم يعيشون في قلب هذا الاستهداف. فاليمين يستخدم كل أذرع السلطة لإنتاج واقع محبط ومدمر داخل المجتمع العربي: شرطة متهمة بالتقاعس أمام الجريمة المنظمة، سياسات هدم البيوت وقانون كامينتس، تقليص الميزانيات، وضرب فرص التطور الاقتصادي وجودة الحياة في المدن والقرى العربية. وكأن المطلوب هو دفع الفلسطيني في الداخل إلى اليأس أو الانكفاء أو حتى التفكير بالهجرة.
أمام هذا الواقع، يصبح السؤال المركزي: ما هو دورنا السياسي في هذه المرحلة الاستثنائية؟ هل نكتفي بردود الفعل، أم نتحول إلى قوة سياسية صاحبة رؤية استراتيجية طويلة المدى؟
إن استحقاق المرحلة يفرض علينا أن نستثمر وزننا النوعي داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، ليس فقط من أجل إسقاط حكومة اليمين الحالية، بل من أجل خوض معركة على الوعي الإسرائيلي نفسه، وكشف حقيقة المشروع اليميني الذي لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يدفع إسرائيل كلها نحو الفاشية والتفكك الداخلي.
لكن الرؤية الاستراتيجية المطلوبة من الفلسطينيين المواطنين في الدولة لا يمكن أن تبقى محصورة فقط في التأثير داخل الكنيست أو في إسقاط حكومة واستبدال أخرى، مهما كانت أهمية إسقاط ثلاثي نتنياهو ـ بن غفير ـ سموتريتش ونهجهم الفاشي. فالمعركة الحقيقية أعمق من تغيير أشخاص، لأنها تتعلق بتغيير موازين القوى والوعي السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
إن الحكومة التي قد تقوم بعد الانتخابات القادمة، حتى وإن حملت عنوان "حكومة تغيير"، ستعتمد في غالبيتها على جمهور إسرائيلي ما زال أقرب في وعيه ومواقفه إلى أفكار اليمين منه إلى مشروع تغيير نوعي حقيقي، وخاصة في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. ولذلك، فإن الرهان فقط على استبدال الحكومة دون العمل على بناء معسكر سياسي ـ شعبي جديد داخل إسرائيل، قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها بعد سنوات قليلة، وربما بصورة أكثر خطورة.
ومن هنا، يصبح أحد الأعمدة المركزية في أي رؤية استراتيجية فلسطينية هو العمل على إقامة جبهة نضالية عربية ـ يهودية واسعة، تقوم على قيم السلام، وإنهاء الاحتلال، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة الحقيقية. جبهة لا تكون مجرد تحالف انتخابي عابر، بل مشروعًا سياسيًا ومجتمعيًا طويل النفس، يعمل على إعادة بناء معسكر ديمقراطي حقيقي داخل إسرائيل، قادر على خوض معركة الوعي ضد ثقافة الخوف والفاشية والتحريض التي نجح اليمين في ترسيخها خلال العقود الأخيرة.
فالفلسطينيون المواطنون في الدولة، بحكم موقعهم وتجربتهم التاريخية، قادرون على لعب دور مركزي في بناء هذا المعسكر، ليس فقط دفاعًا عن حقوقهم الجماعية، بل أيضًا دفاعًا عن مستقبل المنطقة كلها. فالمعركة ضد الاحتلال، وضد الفاشية، ومن أجل الديمقراطية والمساواة، ليست معارك منفصلة، بل معركة واحدة مترابطة، وأي تغيير حقيقي لن يتحقق دون الربط بينها ضمن مشروع سياسي وأخلاقي متكامل.
وأمام هذا المشهد المركّب، لا يكفي الاكتفاء بوصف الخطر أو التحذير منه، بل المطلوب الانتقال إلى خطوات عملية واستراتيجية تواكب تاريخية المرحلة. وأولى هذه الخطوات يجب أن تكون الإعلان الفوري عن إعادة إقامة القائمة المشتركة بصورة تؤكد على التعددية السياسية والفكرية داخلها، لا على محاولة إخفاء الخلافات أو القفز فوقها. فالمطلوب اليوم هو مصارحة جمهورنا بحقيقة النقاش القائم حول طبيعة الدور السياسي المطلوب من الفلسطينيين المواطنين في الدولة في السنوات القادمة.
فالخلاف الحقيقي ليس شخصيًا أو تقنيًا، بل هو خلاف بين نهجين: نهج يعتقد أن التأثير يتحقق أساسًا عبر الاندماج داخل المؤسسة الإسرائيلية وتقديم التنازلات مقابل تحصيل ميزانيات وإنجازات حياتية، ونهج آخر يرى أن هذا المسار، رغم أهميته الخدماتية، يفتقد إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، وقد يؤدي إلى إضعاف أوراق القوة السياسية التي يملكها الفلسطينيون في الداخل بدل تحويلها إلى أدوات ضغط من أجل تغيير نوعي في المشهد السياسي الإسرائيلي.
إن التأكيد على تعددية المشتركة يمنح جميع مركباتها حرية التعبير عن برامجها ورؤاها المختلفة، دون أن يتحول ذلك إلى حالة تفكيك أو صراع داخلي. كما أن القانون الإسرائيلي نفسه يضمن لأي مركب سياسي حرية اتخاذ قراره المستقبلي، وبالتالي لا مبرر لتحويل الخلاف السياسي إلى معركة وجودية بين مركبات العمل الوطني.
إن إعادة بناء المشتركة اليوم ليست مجرد ضرورة انتخابية، بل ضرورة وطنية هدفها أولًا المساهمة في إبعاد المشروع الفاشي عن مركز القرار، والتخفي ف من تغوّل الاستيطان واعتداءات المستوطنين، وفتح المجال أمام مجتمعنا لخوض مواجهة جدية ضد الجريمة المنظمة وسياسات التمييز والإفقار.
لكن المهمة لا يجب أن تتوقف عند حدود العمل البرلماني أو إسقاط حكومة واستبدال أخرى. فالمطلوب بالتوازي إطلاق مشروع وطني ديمقراطي واسع، تشارك فيه الأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني، والنخب الفكرية والشبابية، من أجل بلورة استراتيجية طويلة الأمد لتوظيف الوزن النوعي للفلسطينيين المواطنين في الدولة داخل عمق المشهد السياسي الإسرائيلي.
استراتيجية يكون عنوانها الوحدة الوطنية، وبناء جبهة شعبية وطنية تحمي هذا المشروع الجماعي وتصونه، وتربط بين النضال المدني اليومي وبين القضية المركزية: إنهاء الاحتلال، وضمان أوسع فضاء ديمقراطي ممكن، بما يكفل المساواة القومية والمدنية الكاملة للفلسطينيين المواطنين في الدولة.
فالمعركة في جوهرها ليست فقط ضد حكومة معينة أو ضد شخص نتنياهو، بل ضد مشروع كامل يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع والوعي على أسس الخوف والفاشية والإقصاء. ولذلك، فإن تاريخية المرحلة تفرض علينا أن نفكر بعقلية المشروع التاريخي طويل النفس، لا بعقلية الدورة الانتخابية العابرة.

