الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:01 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:41 PM
العشاء 9:11 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

بين التحول الأخلاقي والواقع السياسي ، هل يتغير العالم فعلاً تجاه إسرائيل؟

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

لم يعد ممكناً إنكار أن عدوان الإبادة الجماعية الإسرائيلي على غزة منذ السابع من أكتوبر وحتى ما قبل ذلك ، إلى جانب التصعيد المتواصل في الضفة الغربية عبر التوسع الاستيطاني والضم وتهجير المخيمات وأعمال القتل اليومية ، قد أحدث تحولاً عميقاً في صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي . فالمشاهد اليومية للدمار واستهداف المدنيين ، وما رافقها من خطاب إسرائيلي فاشي وغير مسبوق ، دفعت قطاعات واسعة من شعوب العالم إلى إعادة النظر في كثير من الروايات والمسلمات التي سادت لعقود في الغرب حول طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .

فما كان يُعتبر قبل سنوات قليلة خطاباً هامشياً أو “متطرفاً” في توصيف إسرائيل ، أصبح اليوم جزءاً من النقاش السياسي والإعلامي والحقوقي المفتوح ، من الحديث عن الفصل العنصري، إلى الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية، وصولاً إلى تصاعد الدعوات لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية، وكذلك دعوات المقاطعة .
ولعل الأهم من ذلك أن التحول لم يعد مقتصراً على الشارع العربي أو الإسلامي، بل امتد إلى الجامعات الغربية، والنقابات، والمؤسسات الحقوقية، وقطاعات واسعة من الشباب الأوروبي والأمريكي، وحتى داخل بعض الأوساط اليهودية نفسها، التي بدأت تُبدي اعتراضاً متزايداً على السياسات الإسرائيلية الحالية ، بما في ذلك ببعض اوساط الحزبين الرئيسين بالولايات المتحدة .

في هذا السياق ، تأتي سلسلة المواقف والاحتجاجات والتصريحات التي شهدناها مؤخراً في دول مختلفة ، بوصفها مؤشرات على اتساع حالة الغضب العالمي تجاه الحرب وسياسات الحكومة الإسرائيلية . وهي مؤشرات لا يمكن التقليل من أهميتها، خصوصاً أنها تكسر تدريجياً حالة الخوف السياسي والإعلامي التي لطالما أحاطت بأي انتقاد حاد لإسرائيل في الغرب .

لكن ، وفي المقابل فإن القراءة السياسية تقتضي أيضاً التمييز بين التحول الأخلاقي والشعبي من جهة ، وبين التحولات الاستراتيجية العميقة في سياسات الدول من جهة أخرى .
فصحيح أن إسرائيل تواجه اليوم عزلة أخلاقية وسياسية متزايدة ، إلا أنها ما تزال تمتلك شبكة واسعة من التحالفات الدولية ، وفي مقدمتها الدعم الأمريكي والغربي الجزئي  المؤثر عسكرياً واقتصادياً وسياسياً . كما أن النظام الدولي لا يتحرك فقط وفق الاعتبارات الأخلاقية ، بل تحكمه أيضاً المصالح والتوازنات الجيوسياسية المعقدة .
ولهذا ، ربما يكون من المبالغة الاعتقاد بأن ما يجري اليوم يعني قرب “سقوط إسرائيل” أو انهيار المشروع الصهيوني خلال سنوات قليلة ، كما يذهب البعض في قراءاتهم المتفائلة أكثر من اللازم . فالتاريخ لا يتحرك بهذه البساطة ، ولا وفق مواعيد جاهزة أو حتميات مسبقة .

ومع ذلك ، فإن ما يحدث اليوم ليس حدثاً عابراً أيضاً . فحين تتغير صورة إسرائيل بهذا الشكل أمام ملايين البشر ، وحين يتحول التعاطف العالمي مع الشعب الفلسطيني إلى حالة واسعة ومستمرة وكظاهرة دولية تحملها برامج احزاب سياسية حول العالم  ، فإن ذلك يترك أثراً تراكمياً عميقاً على المدى البعيد ، سواء على مستوى الرأي العام العالمي، أو في الجامعات والشوارع والبرلمانات ، أو داخل المؤسسات السياسية والقانونية الدولية .
لقد نجحت إسرائيل لعقود في تقديم نفسها باعتبارها “الضحية الدائمة” أو "الديمقراطية المحاصرة" في الوعي الغربي ، لكن الحرب العدوانية الأخيرة وما يجري اليوم ، كشفت أمام العالم وجهاً مختلفاً أكثر عنفاً وتطرفاً ، وأعادت طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالأحتلال والأستيطان وحقوق شعبنا الفلسطيني .
غير أن الرهان على التحولات الخارجية وحدها يبقى غير كافي ، بل وقد يكون مضللاً أحياناً إذا لم يُقترن بقدرة فلسطينية أولا ًوعربية بل ومن اصدقاء شعبنا حول العالم من احزاب واقوى تقدمية ومعادية للعنصرية والحروب على أستثمار هذا التحول سياسياً ودبلوماسياً .

ولعل ما جرى مؤخراً من سحب ترشيح المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت وطأة ضغوط أمريكية فجة ، يعكس حجم التناقض القائم في النظام الدولي نفسه من جهة ، وعدم القدرة أو الرغبة الفلسطينية الرسمية في مواجهة الضغوط الأمريكية من جهة أخرى . فمن جانب يتسع التعاطف العالمي مع الحقوق الفلسطينية وتتزايد الانتقادات لإسرائيل ، ومن جانب أخر ما تزال واشنطن تستخدم نفوذها لمنع أي حضور فلسطيني متقدم داخل المؤسسات الدولية ، في محاولة للحفاظ على موازين القوة السياسية التقليدية وانحيازها الواضح لإسرائيل ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية ، رغم التحولات الجارية في الرأي العام العالمي .

ومن هنا ، فإن التحدي الفلسطيني اليوم لا يقتصر على الاستفادة من التحول العالمي الجاري ، بل يتطلب أيضاً إعادة بناء حالة وطنية قادرة على تحويل هذا التعاطف الدولي المتزايد إلى إنجازات سياسية حقيقية ، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة المشهد أو التعويل على متغيرات الخارج وحدها .
فالعالم قد يكون بدأ بالفعل في إعادة النظر بكثير من المسلمات القديمة ، لكن السؤال الأهم يبقى أمامنا هو ، هل نحن مستعدون أيضاً لإعادة النظر بأدواتنا ورؤيتنا وقدرتنا على مواكبة هذا التحول التاريخي ، والمساهمة مع قوى دولية صديقة أو صاعدة في بلورة معادلات جديدة في إطار المتغيرات الدولية الجارية ؟

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...