الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:59 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:17 PM
المغرب 7:44 PM
العشاء 9:14 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

منظمة التحرير الفلسطينية بين إستعادة الدور وأستنهاض المشروع الوطني

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

في الذكرى الثانية والستين لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية التي تصادف اليوم  ٢٨ أيار  ، لا تبدو المناسبة مجرد إستعادة لمحطة تاريخية في مسيرة شعبنا الفلسطيني ، بل لحظة مراجعة نقدية وطنية عميقة تتعلق بمصير المشروع الوطني الفلسطيني التحرري نفسه ، في ظل أخطر مرحلة يمر بها شعبنا منذ جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم بأشكال متعددة .
ففي الوقت الذي ما زالت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة مفتوحة ، وتتصاعد فيه عمليات الضم والأستيطان والتفكيك الممنهج في الضفة الغربية بما فيها القدس وإقرار تشريعات أستعمارية مثل قانون تسوية الأراضي ، وما يتعرض اليه شعبنا بالداخل من سياسات الفوقية اليهودية والتمييز العنصري ، وتُستهدف مخيمات اللجوء والوجود الفلسطيني في الشتات بأشكال مختلفة ، يعود السؤال الجوهري أمامنا ، أين تقف منظمة التحرير اليوم ؟ وهل ما تزال قادرة على أداء وظيفتها التحررية والتمثيلية كبيت معنوي جامع للكل الفلسطيني منذ ان تأسست من أجل ذلك بمدينة القدس عام ١٩٦٤ ؟
لقد شكّلت المنظمة ، منذ انطلاقتها ، الإنجاز السياسي والمعنوي الأهم في تاريخ شعبنا الفلسطيني المعاصر ، باعتبارها الإطار الجامع المعبر عن الهوية الذي وحّد الفلسطينيين في الوطن والشتات تحت راية مشروع تحرري وطني ، وقاد معركة تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي . ولم يكن الإعتراف العربي والدولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني مجرد قرار سياسي ، بل نتيجة تراكم كفاحي وتضحيات هائلة قدمها شعبنا وحركته الوطنية منذ بدايات ثورة عام ١٩٣٦ .
غير أن التحولات السياسية التي أعقبت اتفاق أوسلو وملحقاته ، وما نتج عنها من انتقال مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة الفلسطينية ، أدّت تدريجياً إلى تهميش مؤسسات المنظمة وإضعاف دورها السياسي والوطني ، حتى باتت في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار رمزي منه إلى قيادة فعلية للمشروع الوطني التحرري .

والأخطر من حالة الجمود التي أصابت مؤسسات منظمة التحرير ، هو الانتقال تدريجياً إلى التعامل معها وكأنها مجرد إطار تابع للسلطة الفلسطينية ، لا مرجعية وطنية عليا لها . وقد تجلى ذلك في الجدل القانوني والسياسي الذي أثارته بعض القرارات المتعلقة بإخضاع مؤسسات المنظمة لولاية السلطة ، بما اعتبرته مؤسسات حقوقية وقانونية مساساً بمكانة المنظمة كشخصية قانونية دولية ، وبطبيعة العلاقة الأصلية التي يفترض أن تكون فيها السلطة إحدى أدوات المنظمة لا بديلاً عنها أو مرجعية فوقها .

اليوم ، وفي ظل مشاريع التصفية التي تعود بأشكال مختلفة للمنطقة بعد مسلسل المتغيرات والتحولات ، لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة منظمة التحرير بوصفها أزمة إدارية أو تنظيمية فقط ، بل باعتبارها أزمة تتعلق بمستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني ذاته . فالمشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي لم يعد يكتفي بمحاصرة شعبنا ميدانياً ، بل يسعى إلى تفكيك وحدة تمثيله السياسي ، عبر الإبقاء على الانقسام والفصل الجغرافي والسياسي ، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملفات إنسانية وإدارية منفصلة ، والتعامل مع غزة باعتبارها مساراً خاصاً منفصلاً عن مرجعية المنظمة واستبدال ذلك بما يسمى "بلجنة أدارة غزة" بإشراف مجلس ترامب للسلام  ، ومع الضفة باعتبارها مناطق معازل جغرافية وحكم إداري وأمني منزوع السيادة ، فيما يُراد للقدس واللاجئين أن يتحولا إلى قضايا مؤجلة ضمن ترتيبات إقليمية أوسع .
كما أن إعادة طرح مشاريع توسيع اتفاقات التطبيع الإقليمي والتي يتحدث عنها ترامب اليوم في سياق المفاوضات الايرانية الأمريكية ، تعكس استمرار الرؤية ذاتها التي قامت عليها “صفقة القرن” الاولى ، والقائمة على دمج إسرائيل في المنطقة على حساب تجاوز جوهر القضية الفلسطينية ومحاولة إعادة تعريفها كأزمة أدارة سكانية معيشية أو أمنية قابلة للإدارة ، لا كقضية تحرر وطني لشعب واقع تحت الأحتلال .
في مواجهة ذلك ، لا يكفي التمسك الرمزي بمنظمة التحرير ، بل المطلوب استعادة دورها ووظيفتها التاريخية عبر عملية تجديد واستنهاض وخطة إنقاذ وطني شاملة ، تعيد بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية ، تبدأ بعقد مجلس وطني فلسطيني جديد يضم الكل الفلسطيني في الوطن والشتات ، ويضمن مشاركة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمستقلين ، وتمثيل الشباب والمرأة والطاقات الوطنية الحية التي تقود اليوم أشكال الصمود والمواجهة المختلفة وذلك وفق النتائج التي ستفرزها الإنتخابات المقررة لهذا المجلس في شهر نوفمبر القادم .

كما يتطلب الأمر إعادة صياغة العلاقة بين المنظمة والسلطة الفلسطينية ، بحيث تعود المنظمة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية عليا فاعلة ومنتخية للمشروع الوطني التحرري ، لا أن تبقى خاضعة لوظائف السلطة والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية . فالسلطة ، مهما كانت أهميتها الإدارية في شان أدارة الخدمات المعيشية ، لا يمكن أن تكون بديلاً عن المشروع التحرري الوطني ولا عن الإطار الجامع للشعب الفلسطيني المتمثل بالمنظمة ، بل مكملاً له .
إن استعادة منظمة التحرير فعليا وعمليا لا تعني العودة إلى الماضي أو إعادة إنتاج الأشكال القديمة ذاتها ، بل اعادة بناءها كإطار وطني جبهوي عصري تتجدد به الحركة الوطنية الفلسطينية وتخرج به من أزمتها البنيوية ، يكون قادر على الجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية والتعامل مع التحولات الجارية بالنظام الإقليمي والدولي على أساس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية ، واستنهاض الطاقات الفلسطينية في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني ضمن استراتيجية وطنية موحدة تستند إلى حق شعبنا في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الأحتلال أولاً وحل قضية اللاجئين في اطار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف سنداً للقرارات الأممية .

فمنظمة التحرير لم تكن يوماً مجرد مؤسسة إدارية ، بل كانت فكرة وطنية كفاحية جامعة ، وتجسيداً لإرادة شعب قرر أن يبقى حياً ، وأن يواصل نضاله من أجل الحرية والأستقلال الوطني مهما أشتدت التحديات في مواجهة تداعيات المشروع الإستعماري الصهيوني المستمر على حساب حقوقنا التاريخية والسياسية والقانونية  .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...