غزة… وقف إطلاق نار بلا تهدئة وحرب من دون إعلان
الكاتب: ياسر مناع
هل ستعود الحرب إلى غزة؟ يبدو السؤال مألوفًا في نشرات الأخبار والتحليلات السياسية، لكنه يضلل القارئ منذ لحظته الأولى. فهو يفترض أن اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 برعاية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أخرج القطاع من حرب، وأن ما يجري الآن ينتمي إلى مرحلة انتقالية بين هدوء هش واحتمال انفجار جديد. غير أن الوقائع التي تتراكم منذ بدء الاتفاق تشير إلى قراءة أخرى؛ بأن الحرب لم تنته في غزة، وأن إسرائيل أعادت ترتيب الحرب في صورة أخفض صوتًا وأكثر عنفًا وملاءمة للسقف الأميركي، وأقدر على السيطرة على الأرض من دون إعلان عسكري - سياسي واسع.
في ظل هذا، لا يعود السؤال المركزي هل ستعود الحرب، وإنما كيف تستمر وهي لا تحمل اسمها الأول "حرب الإبادة". فقد واصلت إسرائيل، منذ لحظة وقف إطلاق النار، توسيع السيطرة الميدانية عبر الخط الأصفر والعمل على تدمير شبكات الأنفاق، ودعم جماعات متعاونة معها داخل القطاع، وتكثيف النشاط الاستخباراتي البشري والتكنولوجي، وصولًا إلى اغتيالات متلاحقة في الهرم العسكري والسياسي لحماس. وفي الخلفية، تتفاقم الكارثة الإنسانية ويتسع الجوع وتضعف الخدمات الصحية وتنتشر الأمراض في مجتمع فقد قدرته على استعادة الحد الأدنى من الحياة.
أول ما ينبغي الانتباه إليه أن "الخط الأصفر" لم يعد تفصيلًا ميدانيًا في خريطة وقف إطلاق النار، فقد تحوّل تدريجيًا إلى الحدود الجديدة لإعادة تعريف قطاع غزة ومساحته وحركة سكانه. ووفق المعطيات المتداولة، يدور الحديث عن سيطرة إسرائيلية تقترب من 70% من مساحة القطاع، بما يعني أن كل مساحة تدخل ضمن نطاق السيطرة الإسرائيلية تقلّص إمكان عودة السكان، وتحدّ من حركة النازحين، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
ولا يقتصر أثر هذا الخط على إعادة توزيع السيطرة الجغرافية، إذ يحوّل مناطق التماس إلى فضاءات قاتلة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو ثلث من استشهدوا في غزة منذ سريان الهدنة قُتلوا قرب "الخط الأصفر"، أي قرابة 152 فلسطينيًا، توزّعوا بين 102 من الرجال و15 امرأة و24 صبيًا و11 فتاة. وتعرض إسرائيل هذا الواقع بوصفه وسيلة للضغط على حماس وحشرها في حيز ضيق، غير أن نتيجته العملية تتجاوز الضغط العسكري إلى إعادة إنتاج الحصار، وتحويل الخط إلى أداة دائمة للتحكم بالمكان والسكان.
ولا ينفصل هذا التحول على سطح الأرض عن الحرب التي تواصل إسرائيل إدارتها في العمق. فإلى جانب تثبيت السيطرة في نطاق "الخط الأصفر"، تواصل إسرائيل استهداف شبكات الأنفاق التي شكّلت طوال سنوات إحدى الركائز الأساسية لقوة الفصائل الفلسطينية، ولا سيما حماس. ولم تتوقف التفجيرات داخل منطقة الخط الأصفر ومحيطها في مؤشر إلى أن وقف إطلاق النار لم ينهِ التدمير فوق الأرض وتحتها.
تنظر إسرائيل إلى الأنفاق بوصفها بنية اتصال وقيادة وحركة وحماية، وتراها أداة مكّنت الفصائل من تعويض جانب من التفوق الإسرائيلي في الجو والاستخبارات والمراقبة. لذلك، يحمل تدمير هذه الشبكات بعد وقف إطلاق النار دلالة تتجاوز العمل الهندسي - العسكري، إذ يستهدف تقليص قدرة حماس على ترميم بنيتها التنظيمية وحماية قياداتها ونقل عناصرها وإدارة القتال، أو الاستعداد لجولات لاحقة في ظروف أكثر انكشافًا.
وفي الوقت الذي تضغط فيه إسرائيل على المجالين فوق الأرض وتحتها، تعمل أيضًا على إنتاج ضغط داخلي عبر المليشيات المتعاونة معها. ولا تنبع أهمية هذه المليشيات من حجمها وحده، وإنما من الوظيفة التي تؤديها داخل بيئة منهكة. ففي واقع كهذا، يكتسب أي تحرك داخلي ضد حماس أثرًا مضاعفًا؛ لأنه يجبر الحركة على توزيع مواردها بين مواجهة إسرائيل من جهة ومواجهة المليشيات المتعاونة من جهة أخرى. وبهذا المعنى، تتحول هذه المليشيات إلى أداة ضمن حرب استنزاف أوسع؛ إذ أنها لا تستهدف القوة العسكرية لحماس وحدها، وإنما تسعى أيضًا إلى الحكم والسيطرة وإدارة المجال الاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، كثّفت إسرائيل نشاطها الاستخباراتي بشقيه التكنولوجي والبشري، بما يزيد قدرة الرصد والتعقب والاستهداف. ولا يمكن فصل هذا المسار عن استمرار الكارثة الإنسانية وانتشار الأمراض وتفاقم الجوع وانهيار مقومات الحياة اليومية، إذ تضع هذه العوامل حماس أمام اختبارات حقيقية بوصفها الفصيل الذي يدير غزة. في ضوء ذلك، تستغل إسرائيل هذا الواقع جيدًا في توسيع هامش الاغتيالات؛ لأن هذه الصورة تجعل البنية التنظيمية للحركة أكثر عرضة للتتبع والاستهداف.
وفي هذا السياق، تبرز الاغتيالات المتتابعة التي تستهدف القيادات العليا والقيادات الميدانية على حد سواء. فاستهداف شخصيات وازنة مثل عز الدين حداد ومحمد عودة يضاعف العبء على الحركة؛ لأن وظيفة الاغتيالات لا تقف عند تصفية الأفراد وإنما تدخل ضمن محاولة أوسع لضرب إيقاع القيادة داخل حماس خاصة في بيئة تبدو أكثر انكشافًا أمنيًا واستخباراتيًا.
ومع أن إسرائيل تدرك أن الاغتيالات وحدها لا تنهي حركة متجذرة مثل حماس، فإنها تراهن على أثرها حين تأتي ضمن هذا الطوق الأوسع من الضغط. فغياب القائد لا يخلّف فراغًا تنظيميًا فقط وإنما يفرض على الحركة عملية تعويض عاجلة في لحظة ضيق مكاني وانكشاف أمني. وإذا تكرر هذا النمط على مستويات عسكرية وسياسية متقاربة، يتحول الترميم نفسه إلى عملية مكلفة ويضطر التنظيم إلى العمل تحت ضغط الوقت والحاجة إلى حفظ التماسك الداخلي ومنع تراكم الفراغات داخل بنيته القيادية والميدانية.
وبالعودة إلى ما قبل وقف إطلاق النار، ومن خلال قراءة المشهد من هذه الزاوية، تبدو إسرائيل كأنها تنفذ بصمت منطق "خطة جدعون 2". فقد سعت تلك الخطة إلى توسيع السيطرة الميدانية للجيش الإسرائيلي وضرب بنية حماس العسكرية والتنظيمية ودفع السكان إلى مساحات مضغوطة وإعادة ترتيب شروط الحرب داخل القطاع. وقد منع اتفاق وقف إطلاق النار التنفيذ العلني للخطة التي أرادتها إسرائيل، لكنه لم ينه منطقها العملي.
لذلك، لا تكفي ثنائية الحرب والهدنة لفهم ما يجري في غزة اليوم. فالقطاع لا يعيش حربًا بالصورة التي عرفها في مراحل سابقة، ولا يعيش تهدئة تتيح له التعافي أو إعادة بناء الحد الأدنى من الحياة. إنه يعيش منطقة رمادية صاغتها إسرائيل بعناية، أي حربًا منخفضة الكثافة داخل وقف إطلاق النار وحرية عمل للجيش الإسرائيلي كما في الضفة الغربية ولبنان. وفي هذه المنطقة، تكسب إسرائيل الوقت والمساحة وتدفع حماس إلى استنزاف طويل وتترك الفلسطينيين أمام واقع يومي خانق، بلا أفق واضح للحل أو الانفراج يمنح شكلًا أقل إزعاجًا للراعي الأميركي.

