من الانتخابات إلى الإنجاز: لماذا تحتاج حركة فتح إلى خطة 100 يوم بعد المؤتمر الثامن؟
الكاتب: د. عمر السلخي / اقليم سلفيت
المؤتمر الثامن... نهاية مرحلة وبداية أخرى
بعد سنوات طويلة من الانتظار، جاء المؤتمر الثامن لحركة فتح ليشكل محطة تنظيمية ووطنية مهمة، أعادت تجديد المؤسسات القيادية للحركة عبر انتخاب لجنة مركزية ومجلس ثوري جديدين. وقد شهد المؤتمر حراكاً تنظيمياً واسعاً ونقاشات عميقة عكست حيوية الحركة وقدرتها على تجديد نفسها من داخلها.
لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن المؤتمر، مهما كانت أهميته، لا يمثل الهدف النهائي، بل هو وسيلة لإنتاج قيادة قادرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.
فالانتخابات انتهت، والفرز انتهى، وإعلان النتائج أصبح جزءاً من الماضي، أما التحدي الحقيقي فقد بدأ الآن.
اليوم لم يعد السؤال: من فاز؟ ومن خسر؟ بل أصبح السؤال: ماذا ستفعل القيادة الجديدة بهذه الثقة التي منحها إياها أبناء الحركة؟
شرعية الإنجاز أهم من شرعية الفوز
لا شك أن صناديق الاقتراع منحت القيادة الجديدة الشرعية التنظيمية، لكن التاريخ يعلمنا أن الشرعية الحقيقية لأي قيادة تتجسد في قدرتها على الإنجاز.
فالكوادر الفتحاوية لا تنتظر أسماء جديدة فقط، بل تنتظر أفكاراً جديدة، وآليات عمل أكثر فاعلية، وقرارات قادرة على معالجة التحديات التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
إن أبناء الحركة في الأقاليم والمناطق التنظيمية لا يسألون عن عدد الأصوات التي حصل عليها هذا العضو أو ذاك، بل يسألون عن مستقبل التنظيم، وعن دورهم، وعن قدرة الحركة على استعادة حضورها وتأثيرها ومكانتها الوطنية.
لذلك فإن نجاح المؤتمر لن يقاس بنتائجه الانتخابية، وإنما بما سينتج عنه من إصلاح وتطوير وتجديد.
لماذا المائة يوم الأولى مهمة؟
في العديد من التجارب السياسية والإدارية حول العالم، تشكل المائة يوم الأولى اختباراً حقيقياً للقيادة الجديدة.
فخلال هذه الفترة تتضح الرؤية، وتُرسم الأولويات، وتُبنى فرق العمل، وتُتخذ القرارات التي تحدد اتجاه المرحلة القادمة.
كما أن المائة يوم الأولى تمنح القاعدة التنظيمية والجمهور فرصة للحكم على جدية القيادة وقدرتها على الانتقال من الخطابات والشعارات إلى التنفيذ والإنجاز.
وحركة فتح اليوم بحاجة إلى هذه الروح العملية أكثر من أي وقت مضى.
المطلوب برنامج عمل لا بيانات سياسية
ما تحتاجه الحركة في هذه المرحلة ليس إصدار المزيد من البيانات السياسية، بل إطلاق برنامج عمل واضح ومحدد بزمن وأهداف قابلة للقياس.
برنامج يجيب عن أسئلة جوهرية:
كيف سيتم تطوير المفوضيات؟
كيف سيتم تفعيل المجلس الثوري؟
كيف سيتم تقييم أداء الأقاليم؟
كيف سيتم تمكين الشباب والمرأة؟
كيف سيتم تطوير الإعلام الحركي؟
كيف سيتم استقطاب الكفاءات والخبرات؟
إن وضوح الأهداف والبرامج هو المدخل الحقيقي لبناء الثقة بين القيادة والقاعدة التنظيمية.
إعادة ترتيب المفوضيات أولوية تنظيمية
أحد أهم الملفات التي تستحق المراجعة يتمثل في هيكلية المفوضيات واختصاصاتها.
فبعد سنوات من تراكم الملفات وتداخل الصلاحيات، أصبحت الحاجة ملحة لإعادة تقييم عمل المفوضيات بما يحقق:
- وضوح المسؤوليات.
- سرعة اتخاذ القرار.
- تقليل البيروقراطية.
- تعزيز العمل الجماعي.
وقد يكون من المفيد الانتقال من مفهوم تعدد المفوضيات إلى مفهوم المفوضيات الاستراتيجية الكبرى التي تمتلك رؤية واضحة وأهدافاً محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
مجلس ثوري أكثر حضوراً وتأثيراً
يمثل المجلس الثوري أحد أهم المؤسسات القيادية في الحركة، لكن المرحلة المقبلة تتطلب دوراً أكثر فاعلية من مجرد الاجتماعات الدورية.
فالمطلوب أن يتحول المجلس الثوري إلى شريك حقيقي في المتابعة والتقييم والرقابة، وأن يتم توزيع الملفات على أعضائه لمتابعة الأقاليم والمفوضيات والمكاتب الحركية ورفع التقارير الدورية بشأنها.
إن المجلس الثوري القريب من الميدان سيكون أكثر قدرة على تشخيص المشكلات وتقديم الحلول وصناعة المبادرات.
الأقاليم هي أساس القوة التنظيمية
مهما بلغت أهمية القيادة المركزية، فإن قوة حركة فتح كانت دائماً تنبع من أقاليمها ومناطقها التنظيمية.
لذلك فإن أي خطة إصلاح لا تبدأ من الأقاليم محكوم عليها بالفشل.
والمطلوب اليوم:
- تقييم شامل للأقاليم.
- تعزيز العمل الميداني.
- تفعيل المناطق التنظيمية.
- تطوير برامج التثقيف الحركي.
- استقطاب الكفاءات والشباب.
- ربط الأداء بالإنجاز.
فالأقاليم يجب أن تتحول من هيئات إدارية إلى مراكز فعل وقيادة وتأثير مجتمعي.
الشباب والمرأة: من التمثيل إلى الشراكة
لا يكفي الحديث عن تمكين الشباب والمرأة كشعارات عامة.
فالمرحلة المقبلة تتطلب إشراكهم الحقيقي في صناعة القرار وفي قيادة البرامج والمبادرات التنظيمية.
إن الحركة التي تريد أن تبقى حية وقادرة على المنافسة تحتاج إلى ضخ دماء جديدة وإفساح المجال أمام الطاقات القادرة على العطاء والإبداع.
الإعلام الحركي بين الواقع والطموح
في عصر الإعلام الرقمي لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أداة للتأثير وصناعة الرأي العام.
لذلك فإن تطوير الإعلام الحركي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من خطة المائة يوم، من خلال:
- تطوير المحتوى.
- الاستثمار في الإعلام الرقمي.
- بناء منصات تفاعلية.
- تعزيز التواصل مع الجمهور.
- إبراز إنجازات الحركة وقضاياها الوطنية.
فرصة تاريخية لا ينبغي إضاعتها
يمثل المؤتمر الثامن فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة وتجديد المؤسسات وتعزيز حضور الحركة في المجتمع الفلسطيني.
لكن هذه الفرصة لن تستمر طويلاً إذا لم تتحول إلى قرارات عملية وبرامج تنفيذية واضحة.
إن أبناء حركة فتح لا ينتظرون خطابات جديدة، بل ينتظرون مرحلة جديدة من العمل والإنجاز.
وإذا نجحت القيادة الجديدة خلال المائة يوم الأولى في إطلاق مسار إصلاحي حقيقي، فإن المؤتمر الثامن سيُذكر باعتباره نقطة تحول في تاريخ الحركة، أما إذا بقيت الأمور على حالها، فستبقى النتائج مجرد أرقام في سجلات الانتخابات.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج فتح إلى الانتقال من مرحلة الانتخابات إلى مرحلة الإنجاز.

