الْاِنْتِخَابَاتُ الرِّئَاسِيَّةُ تَضَعُ كُولُومْبِيَا عَلَى مُفْتَرَقٍ مَفْصَلِيٍّ
الكاتب: د. محمد عودة
كولومبيا امام خيارين فاما استمرار نهج بيترو او استنساخ تجربة الارجنتين (خافيير خيراردو ميلي)حيث تتجه كولومبيا إلى انتخابات رئاسية حاسمة في 31 مايو 2026، في لحظة سياسية لا تبدو عادية ولا مستقرة، بل أقرب إلى إعادة تشكيل ميزان القوى داخل الدولة ومؤسساتها واتجاهها العام، بين ثلاثة مسارات كبرى تتنازع تعريف “الدولة” ذاتها: اليسار الذي يرفع شعار الاستمرار والإصلاح الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة، واليمين الذي يتقدم بخطاب الأمن والحسم وإعادة فرض هيبة الدولة، والوسط الذي يحاول تقديم نفسه كخيار عقلاني فوق الاصطفاف، لكنه لا يزال محدود القدرة على تحويل حضوره إلى أغلبية انتخابية حاسمة. وما تكشفه استطلاعات الرأي حتى اللحظة لا يبدو أنه حسم مبكر، بل إنذار سياسي بأن البلاد تتجه نحو جولة ثانية شبه مؤكدة، في مشهد أقرب إلى إعادة فرز سياسي شامل منه إلى انتخابات تقليدية.
وفي ظل هذا التوازن غير المستقر، تكشف استطلاعات الرأي عن سباق مفتوح لا يحسمه مرشح واحد في الجولة الأولى، بل يمهّد لجولة ثانية تعكس عمق الانقسام داخل المجتمع الكولومبي، ليس فقط بين اليمين واليسار، بل داخل كل تيار على حدة أيضًا. وبينما يتقدم بعض المرشحين في النسب، فإن الفوارق بينهم تبقى ضمن هامش يجعل أي محاولة للحسم المبكر أقرب إلى التقدير السياسي منه إلى الحقيقة الانتخابية. ويزداد المشهد تعقيدًا مع تداخل ملفات الأمن والاقتصاد والهجرة والفساد وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية، ما يجعل الانتخابات المقبلة أقرب إلى استفتاء على اتجاه الدولة، لا مجرد تنافس على موقع الرئاسة.
في قلب هذا المشهد يظهر إيفان سيبيدا بوصفه مرشح اليسار الأقرب إلى المنظومة الحاكمة الحالية، ورجلًا بنى حضوره السياسي عبر سنوات داخل مجلس الشيوخ، مستندًا إلى خطاب يقوم على العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ومسارات السلام الداخلي في بلد مثقل بإرث النزاع المسلح الطويل. وُلد في بوغوتا داخل بيئة سياسية وثقافية جعلت من العمل العام امتدادًا طبيعيًا لمسيرته، وتحوّل تدريجيًا إلى أحد أبرز الأصوات المدافعة عن خيار التسويات السياسية مع الجماعات المسلحة بدل المواجهة العسكرية الشاملة. برنامجه الانتخابي يقوم على استمرار سياسات الحكومة الحالية، توسيع مفهوم السلام عبر التفاوض، وإعادة توزيع أوسع للفرص الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع يعاني فجوات طبقية عميقة. كما يعتمد على شبكة دعم سياسية ونقابية وتنظيمية داخل اليسار، إضافة إلى قاعدة شبابية ترى في مشروعه امتدادًا لفكرة العدالة الاجتماعية. وتضعه استطلاعات الرأي في الصدارة بنسب تتراوح بين 33 و40 بالمئة، غير أن هذه الصدارة لا تبدو كافية لحسم المعركة من الجولة الأولى، بل أقرب إلى تموضع متقدم في طريق الإعادة، خاصة مع قابلية أصوات اليمين للتجمع خلف منافس واحد في الجولة الثانية.
في المقابل، يبرز أبيلاردو ديلاإسبرييّا كظاهرة سياسية صاعدة تحمل سمات غير تقليدية في المشهد الكولومبي. فهو محامٍ ورجل أعمال من بوغوتا، صعد من خارج البنية الحزبية التقليدية دون خبرة حكومية سابقة، لكنه فرض نفسه عبر خطاب إعلامي صدامي عالي السقف يقوم على فكرة مركزية حادة: الأمن بوصفه أولوية مطلقة. لا يقدم مشروعه بوصفه برنامج إدارة تقليديًا، بل بوصفه “تصحيحًا جذريًا” لمسار الدولة، مع رفض صريح لأي مقاربات تفاوضية مع الجماعات المسلحة، ودعوة إلى تشديد القبضة الأمنية وإعادة بناء هيبة الدولة، إلى جانب خطاب اقتصادي يميل إلى تحرير السوق وتقليص تدخل الدولة.
ويستند في حضوره السياسي إلى قوة إعلامية واضحة وقدرة عالية على استثمار منصات التواصل، حيث يقدم نفسه كصوت خارج النظام التقليدي في مواجهة ما يسميه “النخب السياسية القديمة”. وقد وجد هذا الخطاب صدى لدى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية، ولدى ناخبين يشعرون بتراجع الأمن وتزايد الجريمة، إضافة إلى قطاعات غاضبة من الطبقة السياسية التقليدية. وتشير استطلاعات الرأي إلى صعود متسارع له ليقترب من نطاق 25 إلى 35 بالمئة، ما يجعله المنافس الأكثر خطورة على معادلة اليسار، بل المرشح القادر على قلب موازين الجولة الثانية إذا نجح في توحيد أصوات اليمين خلفه.
أما بالوما فالنسيا، فهي تمثل الوجه الكلاسيكي لليمين الكولومبي داخل حزب Centro Democrático، مستندة إلى إرث سياسي محافظ مرتبط بتيار أوريبي الذي شكّل أحد أهم ملامح السياسة الكولومبية في العقدين الأخيرين. تنتمي إلى عائلة سياسية معروفة، ما منحها حضورًا مبكرًا في الحياة العامة، وتتبنى خطابًا يجمع بين التشدد الأمني والدفاع عن الدولة المؤسسية، مع توجه اقتصادي محافظ يقوم على تقليص الضرائب وتعزيز القطاع الخاص ورفض السياسات اليسارية. وتمثل خيار “اليمين التقليدي المنظم”، في مواجهة صعود اليمين الشعبوي الأكثر حدّة. غير أن موقعها في السباق يبدو أقل قدرة على التوسع، إذ تتراوح نسبها بين 10 و20 بالمئة، ما يضعها في مرتبة ثالثة مستقرة لكنها غير قادرة على اختراق ثنائية الصدارة.
في المقابل، يقدم سيرجيو فاخاردو نفسه كخيار مختلف جذريًا، لا من حيث الانتماء الأيديولوجي، بل من حيث تعريف السياسة نفسها. فهو أكاديمي سابق وعمدة مدينة ميدلين وحاكم إقليم أنتيوكيا، عُرف بخطاب تقني إداري يركز على الكفاءة ومحاربة الفساد وتحسين الأداء المؤسسي بعيدًا عن الاستقطاب الحاد. يقوم برنامجه على فكرة الدولة الفعالة بدل الدولة المؤدلجة، وعلى إصلاح التعليم والإدارة العامة وتقليل الاستقطاب السياسي الذي بات يشكل عبئًا على النظام السياسي.
يحظى فاخاردو بدعم قطاعات من الطبقة الوسطى المتعلمة والناخبين غير المؤدلجين في المدن الكبرى، لكنه يعاني من صعوبة في تحويل هذا الدعم إلى كتلة انتخابية واسعة. ورغم ذلك، تبقى نسبه محدودة غالبًا دون حاجز 10 بالمئة، ما يعكس حدود المشروع الوسطي في مواجهة مشهد سياسي يتجه نحو القطبية.
وعند النظر إلى الصورة العامة، يتضح أن كولومبيا لا تتجه نحو انتخابات تُحسم في الجولة الأولى، بل نحو إعادة تموضع سياسي في جولة ثانية شبه حتمية. فسيبيدا يتقدم دون حسم، ودي لا إسبرييّا يتصاعد بسرعة ليصبح المنافس الأبرز لمعادلة اليسار، بينما تبقى فالنسيا في موقع اليمين التقليدي غير القادر على التوسع الكافي، وفاخاردو في موقع الوسيط العقلاني الذي يملك خطابًا متماسكًا أكثر مما يملك كتلة انتخابية حاسمة. وبين هذه التوازنات، لا يدور الصراع فقط حول من سيصل إلى الرئاسة، بل حول أي نموذج للدولة ستتجه إليه كولومبيا: دولة تسويات اجتماعية، أم دولة أمن صارم، أم دولة مؤسسات محافظة، أم إدارة تقنية تتجاوز السياسة.
وفي النهاية، فإن ما تعكسه استطلاعات الرأي اليوم لا يقدم إجابة نهائية بقدر ما يفتح سؤالًا أعمق: هل تتجه كولومبيا نحو استمرار مسارها الحالي، أم نحو تحول جذري يعيد صياغة أولوياتها في الأمن والاقتصاد والدولة والمجتمع بما يعيدها الى الحضن الترامبي ، في لحظة تبدو فيها البلاد على عتبة مرحلة سياسية جديدة أكثر تعقيدًا وحساسية، وربما أكثر تحديدًا لمسارها الطويل الأمد، تشكل مصلحة الشعب الكولومبي اولوية لكل اصدقاء كولومبيا وانا اولهم، فالشعب الذي ينتخب الفاسدين،المتسلطين،المجرمين،منتهكي حقوق الانسان،اللصوص،لا يمكن ان يكون ضحية بل هو شريك،فليكن الخيار بعيدا عن ادوات ترامب وهيمنة امريكا.

