لا تيأَسوا من طرق كل الجدران؛ فجنرال اليأْس أخطر من جنرالات الاحتلال
الكاتب: د. محمد عودة
لماذا لم تطرقوا جدار الخزان؟ لم تكن هذه الصرخة التي ختم بها غسان كنفاني روايته «رجال في الشمس» مجرد سؤال عن ثلاثة رجال وجدوا أنفسهم داخل خزان مغلق في صحراء قاسية، بل كانت سؤالًا إنسانيًا وسياسيًا يتجاوز حدود الرواية والزمن والمكان، لقد أراد كنفاني أن يترك لنا سؤالًا مفتوحًا لا ينتهي بانتهاء صفحات الرواية: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الصمت أقوى من صوته؟ ومتى يتحول الانتظار إلى قيد، والخوف إلى جدار، والعجز إلى مصير؟
أن المأساة لا تكمن فقط في وجود الخزان، بل في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان القدرة على التعبير عن وجوده، فالإنسان قد يُحاصر بقوة أكبر منه، وقد يجد نفسه في ظروف لم يخترها، لكن الخطر الأكبر يبدأ عندما يتحول الحصار الخارجي إلى صمت داخلي، وعندما يقتنع الإنسان بأن لا فائدة من الطرق، وأن الأبواب المغلقة لا يمكن أن تُفتح.
إن الوقوف على طبيعة الجدار في السياق الفلسطيني يبدأ من فهم ان الجدار لم يصنعه الفلسطيني لنفسه، ولم يكن نتيجة اختيار حر، بل كان نتيجة واقع تاريخي وسياسي فُرض عليه، فالخزان في التجربة الفلسطينية هو خزان الاقتلاع والاحتلال والحصار ومحاولات السيطرة على الأرض والإنسان والذاكرة والرواية، إنه واقع جعل الإنسان الفلسطيني يبحث عن مساحة للحياة داخل ظروف لم يكن هو من صنعها.
سؤال كنفاني لماذا لم تطرقواالجدار لا يعني تحميل الضحية مسؤولية الجدار الذي حاصرها، بل يعني البحث عن كيفية حفاظ الإنسان داخل هذا الواقع القاسي على صوته وكرامته وقدرته على الفعل، فالمشكلة ليست فقط في وجود الجدار، بل في أن يصبح الجدار قادرًا على إقناع الإنسان بأن لا جدوى من الطرق، أو أن يتحول الانتظار الطويل إلى بديل عن محاولة تغيير الواقع،إن جنرال اليأس اخطر من جنرال الاحتلال.
قد يدرك الإنسان وجوده أمام قوة أكبر منه، لكن عليه ان يدرك أيضًا أن الصمت الطويل قد يمنح هذه القوة قدرة إضافية، فطرق الجدار ليس إنكارًا لحجم المأساة، وليس تجاهلًا لطبيعة القوة التي صنعتها، بل هو إعلان بأن الإنسان يرفض أن يتحول إلى مجرد رقم داخل حكاية يكتبها الآخرون، إنه لحظة استعادة للذات، وللقناعة بأن الإنسان، مهما كانت ظروفه، يملك حق المشاركة في صياغة مصيره.
لقد أصبح طرق جدار الخزان رمزًا لحاجة مستمرة إلى استعادة المبادرة، فالشعب الفلسطيني استطاع عبر عقود طويلة أن يحافظ على ذاكرته، وأن يحمي اسمه، وأن يمنع اختفاء حكايته رغم كل محاولات الإلغاء، لقد بقيت القرى في الذاكرة، وبقيت الأسماء رغم محاولات عبرنتها، وبقيت العلاقة بالأماكن رغم محاولات أسرلتها، لكن الحكايات لا يحميها التذكر فقط، بل تحتاج أيضًا إلى القدرة على الفعل وبناء المستقبل.
فالحفاظ على الرواية والثوابت الفلسطينية، ومن ثم على الوطن، كان شكلًا من أشكال طرق الجدار، لأن الخوف كان أحد الجدران التي حاولت مشاريع الاحتلال بناءها، لكن الشعوب لا تنتصر فقط لأنها تتذكر، بل لأنها تحول ذاكرتها إلى طاقة عمل ، وتحول ألمها إلى رؤية، وتحول صمودها إلى مشروع قادر على حماية الإنسان والوطن.
غير أن الخزان ليس جدارًا واحدًا فقط، فالجدار الأكبر الذي صنعته ظروف استعمارية إحلالية واحتلالية مفروضة من الخارج لا يعني أن داخله لا توجد جدران أخرى تحتاج إلى طرق، فداخل هذا الواقع القاسي نشأت تحديات أخرى تؤثر في قدرة الإنسان على الصمود؛ جدران الفقر والبطالة، وجدران الحاجة إلى اقتصاد أكثر قدرة على حماية المجتمع، وجدران التحديات الصحية والتعليمية، وجدران ضعف بعض المؤسسات والحاجة إلى قضاء أكثر عدالة وفاعلية، وغيرها من الجدران التي قد تجعل حياة الإنسان أكثر صعوبة حتى وهو يواجه الجدار الأكبر.
إن طرق هذه الجدران الداخلية لا يعني أبدًا أن الفلسطيني مسؤول عن الخزان الذي وضع فيه، ولا يعني تحميل الضحية المسؤولية عما يقوم به الاحتلال، فالجدار الأساسي معروف ومصدره واضح، لكنه يعني إدراك حقيقة أخرى: أن مواجهة الجدار الخارجي تحتاج إلى مجتمع قوي من الداخل، لأن الشعوب لا تواجه التحديات الكبرى بالذاكرة وحدها، بل بمؤسسات تحمي الإنسان، واقتصاد يمنحه القدرة على الاستمرار، وعدالة تمنحه الثقة بأن كرامته محفوظة.
فالمجتمع الذي يمتلك القدرة على حماية أفراده، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم، وتعزيز الثقة بين الإنسان ومؤسساته، يكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، فالمقاومة ليست فقط موقفًا في مواجهة قوة مفروضة، بل هي أيضًا قدرة على بناء الإنسان الذي يحمل هذه المواجهة.
فإذا كان طرق الجدار الخارجي هو إعلان رفض للظلم المفروض، فإن طرق الجدران الداخلية هو إعلان رفض تحول هذا الظلم إلى حالة دائمة تستنزف الإنسان من الداخل، الأول معركة من أجل الحرية، والثاني معركة من أجل الحفاظ على القدرة على الوصول إليها
ومن هنا يصبح طرق جدار الخزان فعلًا مزدوجًا: طرقًا على الجدار الخارجي من أجل العدالة وإنهاء واقع غير طبيعي، وطرقًا على الجدران الداخلية من أجل بناء الإنسان القادر على مواجهة هذا الواقع، فلا يكفي أن نطالب العالم بأن يسمع صوتنا، بل يجب أيضًا أن نبني القدرة التي تجعل هذا الصوت أكثر قوة وتأثيرًا.
ولهذا فإن طرق الجدار ليس نداءً لمن هم داخل الخزان فقط، بل هو أيضًا نداء لمن يقفون خارجه، فالمجتمع الدولي الذي يرى الإنسان محاصرًا ويسمع صوته ثم يختار الصمت، لا يبقى بعيدًا عن المسؤولية الأخلاقية، فالعالم لا يُختبر فقط عندما تسقط الجدران، بل يُختبر عندما يسمع صوت من يحاولون طرقها.
إن الاستماع إلى صوت المحاصرين هو اختبار للمعنى الحقيقي للإنسانية، فالقوانين والمواثيق لا تظهر قيمتها في الأوقات السهلة، بل في اللحظات التي يكون فيها الإنسان ضعيفًا ويحتاج إلى من يثبت أن حياته وكرامته ليستا أقل قيمة من حسابات القوة والمصالح.
لقد بقي الشعب الفلسطيني يطرق جدرانًا متعددة: يطرق جدار النسيان عندما يحافظ على ذاكرته، ويطرق جدار الإنكار عندما يتمسك بروايته، ويطرق جدار العجز عندما يحاول بناء مؤسساته، ويطرق جدار الصمت الدولي عندما يطالب بالعدالة والحقوق، لقد حاول المحتلون جعل الفلسطيني غريبًا داخل حكايته، كما حاولوا تحويله من صاحب مكان إلى مجرد شاهد على ما يحدث له، لكن الحكايات لا يحميها الألم وحده، بل القدرة على الفعل، فالشعب الذي يملك ذاكرة عميقة يحتاج أيضًا إلى مؤسسات قوية، ورؤية واضحة، وقدرة على تحويل الصمود إلى مشروع يُنجز ضمن سقف زمني معقول.
ربما لا تسقط الجدران من أول طرقة، وربما لا تفتح الأبواب بسرعة، لكن التاريخ يعلمنا أن الجدران التي لا تُطرق تبقى قائمة، فالطرق هو إعلان الوجود، وهو رفض الاستسلام، وهو بداية تصحيح المسار، ولهذا يبقى سؤال غسان كنفاني حيًا: لماذا لم تطرقوا جدار الخزان؟ ليس لأنه يحمل الإنسان مسؤولية الجدار الذي حاصره، بل لأنه يذكره بأن صوته جزء من معركة الخروج، فالجدار الأكبر قد يكون خارجيًا واستعماريًا، لكن الإنسان يحتاج دائمًا إلى أن يطرق كل جدار يمنعه من الحياة، فالجدار يسقط فقط بقوة من يرفض أن يبقى صامتًا في داخله، لأن الإنسان الذي يحافظ على قدرته على الطرق، يحافظ على حقه في أن يكون حاضرًا في الحكاية، لا مجرد موضوع فيها.



