خاص| الهيموفيليا والقدس والغربة.. جاد كنعان الطويل يكتب سيرته من الألم إلى الأمل
عندما يتحول الألم إلى حكاية، وتصبح الذاكرة رواية، تدخل القدس بما تحمله من تاريخ وحنين ووجع إلى قلب قصة إنسان عاش سنوات طويلة مع الهيموفيليا، قبل أن يحوّل تجربته إلى مساحة للأمل والتحدي.
الكاتب جاد كنعان الطويل، الذي ارتبط اسمه بالعمل من أجل مرضى اضطرابات نزف الدم، اختار هذه المرة أن يروي تجربته من بوابة الأدب والكتابة، من خلال رواية تستند إلى سيرته الذاتية وتجربته مع المرض والقدس والغربة والعمل المجتمعي.
ويقول الطويل في حديث خاص لـ"رايـــة" إن فكرة الرواية جاءت بعد سنوات من الكتابة، وتشجيع من الأهل والأصدقاء على نشر ما يكتبه، إلى جانب ما شاهده خلال السنوات الماضية من قصص الألم والصمود التي عاشها الفلسطينيون في قطاع غزة.
وأوضح أن هدفه من الرواية هو إيصال رسالة عن الألم والأمل والصمود والتحدي والارتباط بالأرض، وتشجيع مرضى الهيموفيليا وعائلاتهم على التعبير عن تجاربهم وكتابة رواياتهم.
ويؤكد الطويل أنه حاول أن يجعل الألم في روايته «قصة ألم وأمل وتحدٍ»، لا عاملًا للإحباط، بحيث يتحول الألم إلى دافع للإنسان كي يعمل ويتقدم ويقدم شيئًا لمجتمعه.
وتحتل القدس مساحة خاصة في الرواية، باعتبارها نقطة البداية في حياة الطويل، الذي ولد في أزقة المدينة ويحمل تجاهها ارتباطًا وجدانيًا كبيرًا، رغم إقامته في الولايات المتحدة لنحو 20 عامًا.
ويستعيد الطويل في الرواية تفاصيل من طفولته في القدس، من بينها ولادته في مستشفى «الهوسبيس»، ومشيه في أزقة المدينة، وذهابه إليها في سن الثانية عشرة لتلقي دروس في اللغة الإنجليزية والتوعية من مخاطر التدخين، إلى جانب ذكرياته عن الصلاة في المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
ولا تقتصر الرواية على التجربة الشخصية، إذ يسعى الطويل من خلالها إلى تعريف القارئ بطبيعة الهيموفيليا، وتأثيرها على المريض وعائلته والمحيطين به، والتحديات التي يواجهها المرضى في فلسطين، خصوصًا في ظل الاحتلال وصعوبات التنقل والوصول إلى العلاج.
كما تتناول الرواية تجربة الطويل في مراحل مختلفة من حياته، بدءًا من الولادة والطفولة، مرورًا بأيام الصبا في مدينة البيرة، ثم الغربة والدراسة والعمل في الولايات المتحدة، وصولًا إلى قرار العودة إلى فلسطين رغم خسارته بعض الامتيازات، ومنها جوانب مرتبطة بالتغطية الصحية والإمكانات المتاحة.
ويضم الكتاب أربعة محاور رئيسية، بينها السيرة الذاتية للطويل، وتجربة مجتمع الهيموفيليا والواقع الفلسطيني، إلى جانب قراءات وتقديمات من شخصيات متخصصة في الأدب والعلوم والهيموفيليا.
ومن أكثر المشاهد تأثيرًا في الرواية، بحسب الطويل، مشهد استحضاره ذكرى شقيقه الذي توفي بسبب الهيموفيليا، وكذلك رشا أبو قطيش، المصابة بالثلاسيميا، خلال مشاهدته عرضًا لفرقة الفنون الشعبية بعنوان «قول يا طير» في قصر رام الله الثقافي.
ويقول إن المشهد دفعه إلى الكتابة في قاعة العرض، وكانت تلك الكلمات لاحقًا خاتمة الكتاب.
ويأمل الطويل أن تغير الرواية نظرة القارئ إلى الهيموفيليا، وأن تمنحه فهمًا أعمق لمعاناة المرضى، وما تحمله حياتهم من صمود وتحدٍ وألم وأمل.
ويوجه رسالة إلى مرضى الهيموفيليا وعائلاتهم، داعيًا إياهم إلى عدم الاستسلام للخوف أو الإحباط أو الخجل، والمطالبة بحقوقهم والتعبير عن تجاربهم، مؤكدًا أن الكتابة لا تحتاج إلى شهادة أكاديمية في الأدب، بل إلى الرغبة في التعبير عما في الداخل.
ويقول إن التعبير عن التجربة الشخصية يمكن أن يكون وسيلة للراحة والتحفيز، وأن كتابة القصص قد تساعد في إيصال صوت المرضى إلى صناع القرار والمجتمع الفلسطيني والعالم.
وتحمل تجربة الطويل الشخصية فصلًا آخر من التحدي، إذ خضع قبل 19 عامًا لعملية زراعة كبد، وكان حينها في الرابعة والأربعين من عمره، بعد أن وصل وزنه إلى نحو 35 كيلوغرامًا.
ويستذكر أن الطبيب الياباني الذي أجرى له العملية أخبره قبلها بأن حياته ستتغير خلال ساعات، وهو ما حدث بالفعل، إذ أدى الكبد المزروع إلى إنتاج عوامل التخثر التي كان يفتقدها بسبب الهيموفيليا، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياته.
ويرى الطويل أن هذه التجربة رسخت لديه إيمانًا بأن لحظة واحدة يمكن أن تغير حياة الإنسان إلى الأفضل، وأن الثقة بالله والإرادة يمكن أن تمنح الإنسان القدرة على تجاوز أصعب الظروف.
ويختصر رسالته بالقول إن الحياة قد تتغير في لحظة، وإن الإنسان يستطيع أن يغيّر ما دام يمتلك الأمل والثقة بالله.



