حين يصبح " تسليم النفس" محاولة لحماية ما تبقى
الكاتب: علاء كنعان - صحافي وكاتب فلسطيني
خلال الفترة الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً ومقاطع مصورة لفلسطينيين قرروا تسليم أنفسهم لقوات الاحتلال الإسرائيلي، في مشهد يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، خاصة في مجتمع اعتاد النظر إلى المطاردة بوصفها وجهاً من وجوه الصراع اليومية.
بعيداً عن الأحكام السريعة، قد يكون من المفيد النظر إلى هذه الظاهرة من زاوية أخرى. فالفلسطيني المطلوب يعيش مع عائلته تحت وطأة المطاردة التفاصيل ذاتها؛ الاقتحامات الليلية، والخوف الدائم، وما يرافق ذلك من آثار نفسية واجتماعية على الأهل والأبناء.
خلال السنوات الماضية، لم تكن المطاردة مجرد علاقة بين شخص وقوة تلاحقه. كانت حياة كاملة معلقة على احتمال اقتحام مفاجئ، أو مداهمة جديدة، أو انتظار طويل لا يعرف أحد متى ينتهي. وفي كثير من الأحيان، كانت العائلة تدفع من استقرارها وطمأنينتها بقدر ما يدفع المطلوب نفسه. منازل تُقتحم بشكل متكرر، أطفال يعيشون في حالة خوف دائم، وأمهات وآباء يتحولون إلى جزء من دائرة الضغط الأمني اليومي.
لهذا، لا يبدو قرار تسليم النفس في بعض الحالات تعبيراً عن استسلام بقدر ما يبدو محاولة لإغلاق باب ظل مفتوحاً لوقت طويل. محاولة لتخفيف عبء يومي أصبح جزءاً من حياة الأسرة، ولإنهاء حالة استنزاف لا يعرف أصحابها متى تتوقف.
ثمة من يرى في إنهاء " الملف الأمني" عبر تسليم النفس قد يفتح، في بعض الحالات، الباب أمام مسار قانوني أو زمني أكثر وضوحاً من البقاء في حالة مطاردة دائمة لا تسمح ببناء أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية.
كما أن جزءاً من الأسرى الذين أُفرج عنهم لاحقاً ضمن صفقات تبادل أو تفاهمات سياسية كانوا أساساً داخل السجون الإسرائيلية، سواء بعد اعتقالهم أو بعد تسليم أنفسهم. ومن هنا ينشأ اعتقاد لدى بعض المطلوبين بأن الدخول في هذا المسار، رغم قسوته، قد يضعهم أمام أفق أكثر وضوحاً من البقاء في دائرة المطاردة المفتوحة.
وفي المقابل، أظهرت تجارب أخرى أن بعض الملفات المرتبطة بالاحتجاز الأمني أو ما يُعرف بالحماية وضعت أصحابها في منطقة رمادية لسنوات طويلة، دون مسار واضح أو نهاية يمكن توقعها، وهو ما زاد من تعقيد الخيارات أمام أصحابها.
ومع ذلك، لا يعني كل ما سبق أن تسليم النفس يفتح باب الحرية أو يضمن أحكاماً أخف. فالواقع يقول إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تتعامل مع الملفات الفلسطينية وفق معايير ثابتة يمكن البناء عليها أو التنبؤ بنتائجها. وما يبدو ممكناً في حالة، قد لا يكون كذلك في أخرى.
ووسط كل هذه التعقيدات، لا يقف الفلسطيني أمام خيارات متكافئة، يحاول كثيرون حماية ما تبقى من حياتهم وحياة عائلاتهم. وفي واقع لا يقدم ضمانات واضحة لأي طريق يسلكه، وقد لا يكون السؤال أي الطرق أفضل، بل أيها أقل كلفة على من يدفع الثمن كل يوم.

