الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:56 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:17 PM
المغرب 7:46 PM
العشاء 9:17 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

سيرة الدكتور جمال نعيم نعيم

الكاتب: د. سعد عاشور 

مقدمة: رحيل "أيوب غزة" واجتماعه بالأحبة
غيب الموت في العاصمة القطرية الدوحة، يوم أمس الأحد ‎‏31‏‎ مايو ‎‏2026‏، الدكتور ‎جمال نعيم نعيم، بعد رحلة مريرة تداخلت فيها آلام الجسد بمواجهة مرض السرطان، مع ‎آلام الروح بفقدان أفراد عائلته. تحول رحيله إلى هزة وجدانية على منصات التواصل ‎الاجتماعي وفي الأوساط الأكاديمية والطبية، حيث نُعي بوصفه نموذجاً معاصراً لصبر ‎الأنبياء، وطبيباً بنى صروحاً علمية تحت الحصار، ثم قدم عائلته شهداء، ورحل دون أن ‎ينكسر كبرياؤه أو يتزعزع إيمانه.‎
أولاً: المسيرة العلمية والريادة الأكاديمية في طب الأسنان
‏1. ‏التميز المهني ومركز الجلاء الطبي
لم يكن الدكتور جمال طبيباً عادياً، بل كان قامة يُشار إليها بالبنان في قطاع غزة ‎والوطن العربي. ولد في ‎‏19‏‎ نوفمبر ‎‏1969‏، وبدأ رحلته العلمية من غزة إلى ألمانيا، ‎حيث حصل على بكالوريوس طب وجراحة الأسنان من جامعة فريدريش ألكسندر ‎‎(Erlangen) عام ‎‏1995‏، ثم نال درجة الدكتوراه في تقويم الأسنان عام ‎‏2006‏‎ من ‎جامعة هومبولت في برلين.‎
تخصص في تقويم وتجميل وزراعة الأسنان، وكان يواكب باستمرار أحدث ‎التقنيات العالمية رغم الحصار الخانق المفروض على القطاع.‎
مركز العربي التخصصي لطب الأسنان التجميلي: أسس عيادته الخاصة في "شارع الجلاء" وسط مدينة غزة، والتي ‎تحولت مع السنوات إلى مركز طبي متطور ومقصد لآلاف المرضى. هذا المركز الذي ‎قضى عمره في بنائه وتطويره، نالت منه آلة الدمار وتدمر بالكامل في وقت آخر من ‎الحرب، ليكون شاهداً على استهداف الشجر والحجر والعلم في غزة.‎
امتداد الأجيال في العيادة: لم تكن العيادة مجرد مكان عمل، بل كانت بيتاً ثانياً يجمع ‎العائلة؛ حيث درست ابنتاه سماح وشيماء طب الأسنان وتخرجتا لتلحقا بوالدهما في ‎المركز.‎

‏2. ‏منارات راحلة: سيرة وبصمة بنات الشهيد
لم تكن بنات الدكتور جمال مجرد أسماء في قوائم الشهداء، بل كنّ طاقات علمية ‎وإنسانية استثنائية:‎
الدكتورة سماح جمال نعيم: طبيبة أسنان متميزة، ورثت عن والدها الدقة والمهنية العالية، ‎وكانت ركناً أساسياً في تقديم الرعاية الطبية والإنسانية، وعُرفت بين صديقاتها ومرضاها ‎بابتسامتها المهدئة وروادها المهني الأخاذ.‎
الدكتورة شيماء جمال نعيم: طبيبة أسنان شابة، كانت ترى في والدها قدوتها العليا وسندها ‎في الحياة، وتعمل معه كيده اليمنى في المركز الطبي. تميزت بشغفها الكبير بالتعلم ‎والتطوير، وكانت تمثل مع شقيقتها سماح مستقبل طب الأسنان المشرق في قطاع غزة.‎
‏3. ‏التأسيس والريادة: عمادة كلية طب الأسنان بجامعة فلسطين
الإرث الأكبر للدكتور جمال نعيم يكمن في بصمته الأكاديمية التي غيّرت خارطة تعليم ‎طب الأسنان في فلسطين:‎
تأسيس الكلية: كان للدكتور جمال الفضل الأول والأساسي في وضع الحجر الأساس ‎وتأسيس كلية طب وجراحة الفم والأسنان في جامعة فلسطين عام ‎‏2008‏‎.‎
بناء المناهج والعيادات: قاد بجهود مضنية عملية بناء المناهج التعليمية وتجهيز ‎المختبرات وعيادات التدريب، مقاتلاً لتوفير أحدث الأجهزة والمواد الطبية لطلابه ليضمن ‎لهم تعليماً يضاهي الجامعات الدولية.‎
الأب الروحي للأطباء: شغل منصب عميد الكلية لسنوات طويلة، أشرف خلالها على ‎تخرج مئات الأطباء والطبيبات الذين ينتشرون اليوم في فلسطين وخارجها، غارساً فيهم ‎أخلاقيات المهنة قبل مهاراتها.‎

ثانياً: الفاجعة الكبرى 
شهد مطلع عام ‎‏2024‏‎ المحطة الأكثر قسوة ومأساوية في حياة الدكتور جمال، وهي ‎المحطة التي نقلت اسمه من الأوساط الطبية إلى ضمير الأمة كرمز للصمود ‎والاحتساب.‎
‏1. ‏خدعة الإيواء والنزوح إلى دير البلح
مع اشتداد القصف والعدوان على مدينة غزة، ونظراً لتدمير المربعات السكنية، اضطر ‎الدكتور جمال وعائلته إلى النزوح قسراً. توجهوا إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، ‎وتحديداً إلى منزل نسيبه. لجأت العائلة إلى هناك لكونها المنطقة التي صنفها وحددها ‎جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنها "منطقة آمنة"، في تجسيد صارخ ومرير لسخرية هذه ‎التسميات وكذبها؛ حيث تحولت الملاذات الآمنة إلى مصائد للموت.‎
‏2. ‏ارتقاء أقماره السبعة بعمر الزهور
في ‎‏6‏‎ يناير ‎‏2024‏، ودون سابق إنذار، استهدف قصف عنيف ومباشر المنزل الآمن، ‎مما أدى إلى ارتقاء سبعة شهداء من عائلة الدكتور جمال في لحظة واحدة:‎
والدته الغالية: الحاجة رسمية (87‏‎ عاماً).
بناته الثلاث: الطبيبة سماح، الطبيبة شيماء، والجميلة بتول.‎
أحفاده الثلاثة الصغار (عصافير الجنة): الأطفال الأبرياء الذين اختطفت الحرب ‎طفولتهم بعمر الزهور:‎
تيسير (في بداية خطواته الطفولية وشقاوته البريئة).‎
لارا (بابتسامتها العذبة).‎
ليا (الطفلة الصغيرة التي لم ترَ من الدنيا سوى الحصار والحرب).‎

‏3. ‏المعجزة والخروج من تحت الأنقاض
خلف ركام منزل النسيب المدمر، نجا الدكتور جمال بجسد مصاب ومثخن بالجراح، لكنه ‎خرج مكلوم الروح بعد أن دُفن أقماره السبعة تحت الحطام أمام عينيه.‎
وثيقة الصبر الحرفية: 
في أعظم تجلٍّ لقوة الإيمان والصلابة الإنسانية، لم يصرخ الدكتور جمال بعبارات اليأس، ‎بل صاغ بدمه وقلبه بياناً للنعي هزّ أركان العالم الرقمي، وأنشأ لهم هاشتاق خاصاً خُلّد ‎في ذاكرة فلسطين وهو: #أقماري_السبعة. وكان نصه الحرفي والمؤثر كما خطه بيده:‎
‎" أخذوا مني #أقماري_السبعة ولكنني بإذن الله ربحت جنانا سبعا في الآخرة وكرامة وعزة وفخرا في الدنيا بأن أكون ممن دفع قسطه وراض بذلك في معركة العز التي سيكتبها التاريخ بماء الذھب.
الموت ليس آخر المطاف
ولا يعرف ذلك إلا من عرف أنها دنيا فانية مقابل خلود بلا موت في الآخرة ...
هانت يا أهل غزة ...
الفرج قادم أسرع مما تتخيلون"
ثالثاً: رحلة الابتلاء المزدوج (الغربة، المرض، والمعركة الأخيرة)‎
‏1. ‏مغادرة غزة الجريحة
بعد نجاته من الموت، ومع تدهور حالته الصحية العامة والجسدية نتيجة الإصابات ‎البليغة والحزن العميق الذي يهد الجبال، تكللت الجهود بتنسيق خروجه من قطاع غزة ‎المحاصر لتلقي العلاج في الخارج.‎
‏2. ‏معركة السرطان في الدوحة
في الغربة، ولم يكد يضمد جراح فقده لأقماره السبعة وتدمير مركزه الطبي وعيادته، داهمه ‎ابتلاء جديد؛ حيث شُخص بإصابته بـ مرض السرطان الشرس.‎
استقر في العاصمة القطرية الدوحة لبدء رحلة علاج مضنية.‎
عاش الدكتور جمال في الدوحة متحملًا ألم العلاج الكيميائي، يرافقه ألم الغربة، ‎والذكريات الشاخصة لبناته وأحفاده. ورغم هذا الوجع المزدوج، كان كل من يزوره يجد فيه ‎رجلاً صابراً، حامداً، مستبشراً، لا يشكو إلا إلى الله، وظل لسانه رطباً بالدعاء لغزة ‎وأهلها.‎
رابعاً: الختام الـمُشرف والرحيل إلى الرفيق الأعلى
‏1. ‏الوفاة وإعلان النبأ
بعد صراع طويل ومرير مع المرض، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها يوم الأحد ‎‏31‏‎ ‎مايو ‎‏2026‏‎ في أحد مستشفيات الدوحة، لتطوى بذلك الصفحة الأخيرة من كتاب آلامه ‎الدنيوية.‎
‏2. ‏مأتم رقمي مهيب وشهادات المحبين
ضجت منصات التواصل الاجتماعي بآلاف منشورات التعزية والرثاء. تسابق طلابه الذين ‎تخرجوا على يديه، وزملائه الأطباء لتدوين شهاداتهم في حقه. وأجمع الكل على أنه كان:‎
عالماً متواضعاً لم يبخل بعلمه قط.‎
طبيباً إنساناً يراعي الفقراء والمحتاجين في عيادته المدمرة.‎
جبلًا أشم في الصبر أحيى في قلوب الناس عقيدة الرضا بالقضاء والقدر.‎
خاتمة: إرث لا يموت واجتماع طال انتظاره
رحل الدكتور جمال نعيم عن عالمنا، لكنه ترك خلفه إرثاً عصياً على النسيان؛ ترك كليّة ‎طب أسنان ما زالت وستظل تخرج أجيالاً تداوي آلام الناس، وترك سيرة عطرة تُدرس في ‎مناهج الثبات الإنساني.‎

ترجل الفارس وغادر الدنيا، ليرحل - كما كتب ورثاه محبوه - مسرعاً ليجتمع شمله أخيراً ‎وبشكل أبدي بـ "أقماره السبعة" (والدته، سماح، شيماء، بتول، وأحفاده الصغار) الذين ‎طالما اشتاق إليهم في غربته ومرضه، مستنداً إلى وعد الله تعالى للصابرين:‎
‎"وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ ‎عَلَيْهِمْ صَلَوَاتِّ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ"‎
رحم الله الدكتور جمال نعيم، وتقبله في عليين مع النبيين والصديقين ‎والشهداء وحسُن أولئك رفيقاً.‎

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...