شهادتي على ساعات سقوط مدينة القدس
الكاتب: منير قليبو
٥ حزيران (يونيو) ١٩٦٧
أنا منير، الطفل الذي لم يتجاوز السابعة من عمره.
لم أكن أفهم يومها معنى الهزيمة أو الاحتلال ولم أكن أعرف أن الخرائط والحدود يمكن أن تتغير بين ليلة وضحاها فقد كنت طفلاً، لكني وبمشيئة الأقدار أصبحت شاهداً على ولادة عالم جديد في حرب لم تدم حتى ستة أيام.
الذاكرة الأولى: أزيز الطائرات الحربية – لأول مرة في حياتي يصم الآذان ثم يغيب، يعود ويغيب، كأنه نبض خائف انظر إلى السماء باستغراب واستهجان ! إلى ذلك الجبل الغامض في مقابل بيتنا من الجهة الشمالية الشرقية ( الجامعة العبرية ) وقد اصبح مركزا لجيش الحرب الاسرائلي، رأيت الجنود الإسرائيليين على دباباتهم يقتربون من فندق الزهراء حيث احتمينا خلال ساعات ذروة المواجهات ، في قلب مدينة القدس. مشيت وعائلتي وسط تداول الرصاص كما ورأيت الخوف ليس في عيوننا نحن الصغار فقط، بل في عيون الكبار أيضاً، وهو ما أخافني أكثر وبدأت أسمع لغة غريبة و أسماء غريبة: أشخاص، مدن، قادة... لم أعرف لهم معنى، لكني حفظت إيقاعها المذعور.
في أقل من يومين، سقطت القدس الشرقية. اختفت الإدارة الأردنية التي كنا نعرفها، كأنها لم تكن وغاب وجه الأردن ورموزه عن مدينتنا خلال ساعات قليلة ، واختفى الجيش الأردني الذي كان منتشراً حولنا في مركز شرطة "كرم العلمي"، حيث نشأت وترعرعت وعشت ساعات الحرب . ثم رُفعت أعلام جديدة فوق المدينة ألوانها جديدة، الأزرق والأبيض ووجدنا أنفسنا فجأة نعيش واقعاً مختلفاً، لم نختره، ولم نتخيله، ولم نستوعبه ولم نفهمه .
تسعة وخمسون عاماً مضت ولكن بعض المشاهد ما زالت كأنها بالأمس:
· صوت المآذن، تلك الليلة، وهي تصرخ تدعو الشباب للدفاع عن المدينة.
· توزيع البنادق على أطفال لا يتجاوزون الرابعة عشرة لمواجهة الاحتلال .
· جنودنا المختبئون في البساتين، يخفون زيهم العسكري ويتخلصون من ذخيرتهم الحبة ووجوههم مرسوم عليها الخوف والتعب والترقب.
· الطريق المحفوف بالموت بين فندق الزهراء ومنزلنا في كرم العلمي، ونحن نركض تحت وابل من الرصاص خلف مجنزرة اسرائيلية .
· الجندي الأمريكي، دانيال، الذي رافقنا من الفندق إلى البيت صورته لا تزال عالقة في ذاكرتي ومنظره وه يحمل بنادق الصيد خاصة ابي .
· وأمي... أمي تركض نحو الردهة الشرقية الشمالية ، ترفع راية بيضاء خشية أن يقصف المنزل ، فيستهدفها القناص من الجامعة العبرية على جبل المشارف وكتب لها انذاك عمر جديد حيث لامست الرصاصة الفتاكة أذنها ونفخت في شعرها ريحا حملته معها حتى آخر أيامها .
· وأبي يعود من مواجهة الموت بمعجزة لا تُنسى، كأن الموت نفسه اندهش من عودته حيث اعتقل لساعات ورجال الحي للتحقيق و كان القدر كتب له عمرا جديدا اذ تحرك من موضعه قليلا قبل هبوط قذيفة من جيوش المقاومة على مجمع الرجال فمنهم من استشهد ومنهم من نجا .
· وأولئك الشهداء الملقون على الأرض قرب المعسكر، وقد انتفخت أجسادهم تحت الشمس ومنهم من كان حيا يصارع الموت بأنفاس مثقلة
رحل الكثيرون عنا : والدي، والدتي، أخي، كبار عائلتي ، جيراني، ومعظم من عاش تلك الأيام معي تقريباً وبقيت الذكريات وحدها، تقاوم النسيان بعنف.
أكتب هذه السطور اليوم لا لأستحضر الألم فقط – فهو لا يحتاج من يستحضره – بل لأحفظ الذاكرة. المدن لا تحفظها الحجارة وحدها، بل تحفظها الحكايات وأخشى ما أخشاه أن يرحل الشهود، وتبقى القدس بلا رواة. أن يتناسى الجيل الجديد أصل الحكاية، لاهثين وراء سخافات العصر الحديث ومُلهيات "تيك توك" المضللة.
لذلك أكتب. لعل طفلاً مقدسياً آخر، بعد خمسين عاماً من الآن، يقرأ كلماتي فيعرف كيف عاشت القدس تلك الساعات. كيف تغير تاريخها في لحظة. وكيف بقي أهلها، رغم كل شيء، متمسكين بها: بالحجر، بالتراب، بالجرح، بالاسم.
القدس لم تكن يوماً مجرد مدينة سقطت في حرب بل كانت، وما زالت، وطناً يسكن الذاكرة ويسكنني بامتياز وسيسكن من بعدي.

