قوة بلا إستراتيجية...
الكاتب: رامي مهداوي
في كل مرة يشتد فيها العدوان على قضيتنا الفلسطينية أو تتصاعد التحولات الإقليمية والدولية، يعود السؤال التقليدي إلى الواجهة: ماذا فعلت الدبلوماسية الفلسطينية؟ وهو سؤال مشروع، لكنه قد يكون مضللاً إذا حصرنا الدبلوماسية في السفارات والبعثات الرسمية والبيانات السياسية. فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد يُدار بهذه الأدوات وحدها، بل أصبح النفوذ فيه يُصنع عبر الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الكبرى ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمؤسسات الثقافية وشبكات المعرفة العابرة للحدود.
لهذا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية: من يدير النفوذ الفلسطيني في العالم؟
لقد تغير مفهوم القوة خلال العقود الأخيرة بصورة جذرية. ففي الماضي كانت الدول تُقاس بمساحة أراضيها وجيوشها وتحالفاتها السياسية. أما اليوم فأصبحت المعرفة والبيانات والابتكار والثقافة عناصر أساسية في تحديد المكانة الدولية. ولم يعد النفوذ حكراً على وزارات الخارجية، بل بات موزعاً بين الأكاديميين ورجال الأعمال والفنانين والباحثين والمؤثرين ومراكز التفكير.
وحين ننظر إلى تجربتنا الفلسطينية نجد مفارقة تستحق التأمل. فمن جهة، تمتلك فلسطين واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الوعي العالمي، وتمتلك رصيداً هائلاً من التعاطف الدولي والشرعية القانونية والأخلاقية. ومن جهة أخرى، لا يزال هذا الحضور يفتقر إلى إطار استراتيجي متكامل يحوله إلى نفوذ مستدام وقادر على التأثير في صناعة القرار العالمي.
نحن ليس مجرد شعب يخوض معركة سياسية. إنهم أيضاً شبكة عالمية واسعة من الكفاءات والخبرات والعلاقات. هناك آلاف الأكاديميين الفلسطينيين في جامعات مرموقة حول العالم، وعشرات الآلاف من رجال الأعمال والمستثمرين في الخليج وأوروبا والأميركيتين، ومئات الباحثين والعلماء والأطباء والمهندسين الذين يشغلون مواقع مؤثرة في مؤسسات دولية كبرى. وهناك حضور فلسطيني لافت في الأدب والفن والإعلام والثقافة والرياضة.
لكن السؤال المؤلم هو: هل تتحرك هذه الطاقات ضمن رؤية وطنية واحدة؟ أم أنها نجاحات فردية متفرقة لا يجمعها مشروع نفوذ فلسطيني متكامل؟
ولعل المثال الإسرائيلي يقدم درساً مهماً، بغض النظر عن الموقف السياسي منه. فإسرائيل لم تبنِ نفوذها العالمي عبر العمل الدبلوماسي التقليدي فقط، بل عبر منظومة متكاملة تضم الجامعات ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا وشبكات رجال الأعمال والمؤسسات الثقافية والإعلامية. وقد أدركت مبكراً أن التأثير في مراكز إنتاج المعرفة لا يقل أهمية عن التأثير في مراكز صناعة القرار.
في المقابل، ما زالنا ننظر إلى الدبلوماسية باعتبارها مهمة رسمية تحتكرها المؤسسات الحكومية، بينما تتعامل دول كثيرة مع النفوذ بوصفه مشروعاً وطنياً تشارك فيه الدولة والمجتمع معاً.
خذ مثالاً قريباً من التجربة الفلسطينية نفسها. فعلى الرغم من كل الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية، استطاعت الجامعات الفلسطينية أن تواصل عملها لعقود طويلة، وأن تنتج آلاف الخريجين والباحثين، وأن تطور خبرات فريدة في التعليم تحت الأزمات. هذه التجربة الاستثنائية كان يمكن أن تتحول إلى مدرسة عالمية في دراسات الصمود والتعليم في حالة الإحتلال والصراعات والحروب، وأن تصبح موضوعاً دائماً في كبرى الجامعات ومراكز الأبحاث الدولية. لكن كثيراً من هذه الخبرات بقي محصوراً داخل التقارير المحلية أو المشاريع المؤقتة.
والأمر ذاته ينطبق على تجارب المجتمع الفلسطيني في إدارة الأزمات، وعلى شبكات التضامن الاجتماعي، وعلى المبادرات الاقتصادية المحلية، وعلى نماذج تمكين المرأة والشباب، وعلى تجارب البلديات والمؤسسات الأهلية في العمل تحت القيود الاستثنائية. كلها تجارب تملك قيمة معرفية عالمية، لكنها لم تتحول بعد إلى أدوات نفوذ حقيقية.
إن ما ينقصنا اليوم ليس فقط الموارد أو الإمكانات، بل وجود استراتيجية وطنية حديثة لإدارة القوة الناعمة. استراتيجية تربط بين الجامعات والسفارات، وبين مراكز الأبحاث وصناع القرار، وبين رجال الأعمال والبعثات الدبلوماسية، وبين الجاليات الفلسطينية ومؤسسات الوطن.
نحن بحاجة إلى رؤية تجعل من كل باحث فلسطيني سفيراً للمعرفة، ومن كل رجل أعمال جسراً اقتصادياً، ومن كل مؤسسة أكاديمية منصة للتأثير الدولي، ومن كل نجاح محلي قصة عالمية قابلة للتداول والتدريس والاستلهام.
ففي عالم اليوم لا تنتصر الروايات فقط لأنها عادلة، بل لأنها منظمة ومؤسسية وقادرة على الوصول إلى دوائر التأثير. ولا يكفي أن يمتلك شعب ما قضية عادلة، بل يجب أن يمتلك أيضاً القدرة على تحويل هذه العدالة إلى معرفة وسياسات وشراكات وتحالفات طويلة الأمد.
لقد أثبت الفلسطينيون خلال أكثر من قرن أنهم قادرون على الصمود. وربما حان الوقت لإثبات قدرتهم على إدارة نفوذهم العالمي بالقدر نفسه من الكفاءة. فالمعركة في القرن الحادي والعشرين لا تدور فقط على الأرض، ولا في أروقة السياسة وحدها، بل تدور أيضاً في الجامعات ومراكز الأبحاث ومنصات التكنولوجيا وغرف صناعة الأفكار.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل النخب الفلسطينية وصناع القرار أكثر من أي وقت مضى: هل نملك استراتيجية وطنية لإدارة النفوذ الفلسطيني في العالم، أم أننا ما زلنا نكتفي بإدارة الأزمات بينما يواصل الآخرون إدارة المستقبل؟

