معركة الوجود الفلسطيني: حين يصبح الشعب والأرض والوعي أهدافاً لمخطط التفكيك
الكاتب: د. عمر السلخي
التفكيك ليس حدثاً عابراً بل استراتيجية متكاملة
لم تعد المواجهة التي يخوضها الشعب الفلسطيني تقتصر على صراعٍ على الأرض أو نزاعٍ على الحدود، بل أصبحت معركة وجودية تستهدف مكونات القضية الفلسطينية كافة ، فالمشروع الإسرائيلي لم يعد يكتفي بمصادرة الأرض وبناء المستوطنات، بل انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على تفكيك البنية الوطنية الفلسطينية من الداخل، وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى جزرٍ منفصلة سياسياً وجغرافياً واجتماعياً.
إن ما نشهده اليوم ليس مجموعة إجراءات متفرقة، بل مشروع متكامل الأركان يسعى إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود والمقاومة، عبر استهداف الشعب والأرض والكيان السياسي والوعي الوطني في آنٍ واحد.
تفكيك الشعب: الانقسام بوابة الاختراق الكبرى
أدركت القوى الساعية إلى تصفية القضية الفلسطينية أن وحدة الشعب الفلسطيني هي مصدر قوته الحقيقي، ولذلك جرى الاستثمار طويلاً في تعميق الانقسامات السياسية والجغرافية والاجتماعية.
فالانقسام لا يضعف المؤسسات الوطنية فحسب، بل يضعف ثقة المواطن بمشروعه الوطني، ويحول الطاقات الفلسطينية من مواجهة الاحتلال إلى صراعات داخلية تستنزف الجهد والوقت والإمكانات.
ومن هنا تصبح الوحدة الوطنية ليست شعاراً سياسياً، بل ضرورة وجودية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني من التآكل.
تفكيك الأرض: الجغرافيا الفلسطينية تحت المقص
في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن السلام، تتعرض الجغرافيا الفلسطينية لعملية تقطيع ممنهجة عبر الاستيطان والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية والبوابات الحديدية والجدار العنصري.
في محافظات مثل سلفيت، أصبحت المستوطنات والبؤر الاستيطانية تفرض واقعاً جديداً يهدف إلى فصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، وتحويل التواصل الجغرافي إلى مهمة يومية شاقة.
إن السيطرة على الأرض لم تعد مجرد احتلال للمساحة، بل أصبحت هندسة سياسية تهدف إلى منع قيام فضاء فلسطيني متصل وقابل للحياة.
تفكيك الكيان السياسي: استهداف الشرعية الوطنية
الكيان السياسي الفلسطيني يمثل الإنجاز الوطني الأبرز الذي حققه الشعب الفلسطيني خلال عقود طويلة من النضال.
ولهذا تتعرض المؤسسات الوطنية لمحاولات مستمرة لإضعافها وتشويه صورتها وتقويض شرعيتها، لأن ضرب المؤسسة الوطنية يعني إضعاف قدرة الشعب الفلسطيني على تمثيل نفسه والدفاع عن حقوقه في المحافل الدولية.
إن حماية الشرعية الوطنية وتطوير مؤسساتها وتجديد أدواتها الديمقراطية يشكل جزءاً أساسياً من معركة البقاء الفلسطيني.
تفكيك الوعي: أخطر الحروب وأطولها عمراً
إذا كانت الأرض يمكن استعادتها بالنضال، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها، فإن استهداف الوعي يشكل التحدي الأخطر.
فالاحتلال يدرك أن طمس الرواية الفلسطينية، وتشويه الذاكرة الجماعية، وإضعاف الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة، قد يحقق ما تعجز عنه القوة العسكرية.
لذلك تتعرض الهوية الفلسطينية لحرب يومية تستهدف التاريخ والثقافة والرموز الوطنية وحتى اللغة والمكان، إن معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن معركة الأرض، بل قد تكون خط الدفاع الأول عنها.
الشباب الفلسطيني: ساحة الصراع الجديدة
تتركز محاولات الاختراق الحديثة على فئة الشباب باعتبارها الحاضنة المستقبلية للمشروع الوطني الفلسطيني، ومع التحولات الرقمية الهائلة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مواجهة مفتوحة بين الرواية الفلسطينية والرواية المضادة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توظيف التكنولوجيا والإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الحديثة في خدمة القضية الوطنية، وتحويلها من أدوات استهلاك إلى أدوات وعي وتأثير وتعبئة وطنية.
الكيانية الفلسطينية الجامعة: من الدفاع إلى المبادرة
إن مواجهة مخططات التفكيك لا تكون بالخطابات والشعارات وحدها، وإنما ببناء كيانية فلسطينية جامعة تستوعب جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
كيانية تستند إلى وحدة الشعب، ووحدة الأرض، ووحدة الرواية، ووحدة الهدف الوطني، فكلما تعززت هذه الركائز، تحولت محاولات التفكيك إلى عوامل تدفع الفلسطينيين نحو مزيد من التماسك والقدرة على الصمود.
معركة الحفاظ على فلسطين تبدأ بالحفاظ على الفلسطيني
في لحظة تاريخية تتعرض فيها القضية الفلسطينية لأعقد التحديات، يصبح الواجب الوطني الأول هو حماية عناصر القوة الفلسطينية: الإنسان والأرض والمؤسسة والوعي.
ففلسطين لا تُحفظ بالجغرافيا وحدها، بل تُحفظ بشعب يؤمن بقضيته، ومؤسسات تحمي مشروعه الوطني، ووعي جماعي يرفض النسيان والتفكيك.
وإذا كان المشروع المعادي يعمل على تفكيك الفلسطيني، فإن المهمة الوطنية الكبرى اليوم هي إعادة بناء عناصر الوحدة والقوة، حتى تبقى فلسطين فكرةً وهويةً ووطناً وقضيةً لا يمكن اقتلاعها من التاريخ أو من الذاكرة.

