الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:29 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:25 PM
المغرب 7:36 PM
العشاء 8:59 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

مئة يوم على انتخاب البلديات

الكاتب: صلاح هنية

سألني صديقٌ باحث: ما أهمية التركيز على مرور مئة يوم على انتخاب الهيئات المحلية؟
لم يكن سؤاله استنكارياً أو استخفافاً بالفكرة، بل كان نابعاً من اهتمام حقيقي بمعرفة دلالة هذه المحطة الزمنية. أجبته بأن المئة يوم الأولى ليست مجرد رقم في عمر المجلس البلدي، بل هي فترة كافية ليتعرف خلالها المجلس على تفاصيل العمل البلدي، ويعيد ترتيب أولوياته، ويترجم برنامجه الانتخابي إلى خطة عمل قابلة للتنفيذ، فهي تمثل أول اختبار حقيقي لمدى قدرة المجلس على تحويل الوعود إلى أفعال، والشعارات إلى سياسات، والبرنامج الانتخابي إلى واقع يلمسه المواطن.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية إضافية لأنها تشكل مقياساً لمدى انسجام قطاع الحكم المحلي مع متطلبات الانفتاح على المجتمع، والالتزام بمعايير النزاهة والشفافية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وطرح مشاريع واقعية تستجيب لاحتياجات الناس، وهذا ليس تحدياً بسيطاً، فالمواطن ينتظر نتائج سريعة، ويتوقع أن تترك البلدية بصمتها الخاصة منذ أيامها الأولى.
ويظل ملف النظافة وإدارة النفايات الاختبار الأكثر حضوراً أمام أي مجلس بلدي جديد، فالمواطن يقيس أداء البلدية يومياً من خلال نظافة الشارع وسرعة تفريغ الحاويات، حتى باتت ساعات التأخير القليلة سبباً للتذمر، وفي المقابل تواجه البلديات تحديات معقدة تبدأ من صعوبة الوصول إلى مكب زهرة الفنجان بسبب الحواجز والإغلاقات، وتمر بقدرة المتعهدين على الاستمرار في عمليات النقل، ولا تنتهي عند أزمة محطات الترحيل ورفض بعض الهيئات المحلية استقبال نفايات الهيئات المجاورة، إضافة إلى استحالة إنشاء مكب جديد في محافظة رام الله والبيرة بسبب قيود الاحتلال.
هذه الظروف تجعل ملف النفايات هاجساً يومياً يستهلك وقت المجالس البلدية وجهدها، فيصبح رئيس البلدية متطوعاً في متابعة أعمال النظافة، وآخر يتفقد العمال ليلاً، وثالث يناشد المواطنين الامتناع عن إلقاء النفايات من نوافذ السيارات أو على الأرصفة، وبين هذه المشاهد يبقى السؤال قائماً: كيف ننتقل من إدارة الأزمة إلى بناء نموذج فلسطيني متطور ومستدام لإدارة النفايات؟
وفي خضم الانشغال بهذه الملفات، تمتلأ صفحات البلديات على وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار الزيارات والاستقبالات والاجتماعات، بينما يبحث المواطن عن معلومة تمسه مباشرة، لذلك يصبح من الضروري أن تمتلك البلديات سياسة إعلامية واضحة، تجعل المواطن محور الرسالة، لا مجرد متلقٍّ لها. إعلام يشرح التحديات بصدق، ويحول الإنجازات الصغيرة إلى قصص نجاح، ويشرح كيف تتحول العقبات إلى فرص، ويستمع للرأي الآخر بدلاً من الاكتفاء بالقول: إن «المواطن لا يعرف التفاصيل»، وإذا كان لا يعرفها، فمن واجب البلدية أن تشرحها له.
وخلال المئة يوم الأولى ستنشط أيضاً مؤسسات المجتمع المدني، والخبراء، ووسائل الإعلام، والمؤثرون، لتقييم الأداء وفق معايير واضحة، ليس بهدف المحاكمة أو توجيه الاتهامات، وإنما من أجل التقويم وتعزيز الأداء، وسيشمل هذا التقييم ملفات المشاركة المجتمعية، والعلاقة مع المنطقة الحضرية الكبرى، وإنارة الشوارع، والتخضير، والتحول الرقمي وفق مبدأ «ورق أقل… كاش أقل»، وسرعة الاستجابة للشكاوى والمقترحات، إضافة إلى قضايا المدارس، والصحة، وكبار السن، والمواقف العامة، والنقل العام، والأبنية الخضراء، والطاقة الشمسية.
لكن نجاح المئة يوم لا يقاس فقط بما تنجزه البلدية، بل أيضاً بما تمتلكه من أدوات وصلاحيات تمكنها من الإنجاز، فالعلاقة بين المركزية واللامركزية ستبقى حاضرة في أي تقييم جاد، كما سيطرح السؤال حول مدى اهتمام الحكومة بتعزيز قطاع الحكم المحلي، سواء من خلال تحويل مستحقات ضريبة الأملاك، أو رسوم النقل على الطرق، أو تمكين البلديات من جباية ضريبة الأملاك مباشرة، بما يعزز استقلالها المالي وقدرتها على التخطيط والاستثمار.
ولا يقل أهمية عن ذلك التفكير في توسيع المساحات الخضراء، وتحسين إنارة الشوارع، وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص، وابتكار مشاريع استثمارية تحقق مورداً مالياً مستداماً، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية.
المئة يوم الأولى ليست نهاية المطاف، لكنها البداية التي ترسم ملامح السنوات الأربع المقبلة. فإذا نجحت البلدية في بناء الثقة، والاستماع إلى الناس، وإشراكهم في صناعة القرار، ووضعت أسساً متينة للإدارة الرشيدة، فإنها تكون قد اجتازت أهم اختبار في ولايتها.
إن الحديث عن «البلديات والمئة يوم» ليس ترفاً سياسياً ولا مناسبة للمحاسبة المبكرة، بل دعوة صادقة لترسيخ ثقافة التخطيط، والشفافية، والمساءلة، والشراكة مع المواطن، حتى تصبح البلديات مؤسسات تنموية تقود التغيير، لا جهات خدمية تركض خلف الأزمات.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...