خطوة على الطريق
الكاتب: عمر حلمي الغول
رغم أن 160 دولة في العالم تعترف بالدولة الفلسطينية، بما فيها 4 دول أعضاء دائمة العضوية في مجلس الامن، أي أكثر من ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومع أن دولة فلسطين دولة مراقب بلس في الهيئة الدولية، الا أن الولايات المتحدة الأميركية مازالت تتعامل معها دون ذلك، وتسعى لابتزاز القيادة الفلسطينية لتجريد الدولة من هويتها الوطنية، ونزع التزاماتها تجاه أبناء شعبها، وخاصة مسؤولياتها التاريخية في حماية أسر الشهداء وأسرى الحرية، وفرض إملاءات سياسية تتناقض مع المصالح الوطنية والقومية، في الوقت الذي لم تطالب الدولة الإسرائيلية القائمة بالاحتلال منذ نحو 60 عاما بالالتزام بأي قرار من قرارات الشرعية الدولية التي تزيد عن الألف قرار، مع ان لحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تفرض وقائع وخطوات أحادية الجانب يوميا، لتقويض مكانة الكيانية الفلسطينية، عبر استهداف مباشر للمصالح والحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، صاحب الأرض والتاريخ والموروث الحضاري، وترتكب أبشع جرائم الحرب والابادة الجماعية والتهجير القسري والتطهير العرقي على الكل الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة من أرض وطنهم الأم فلسطين. مما يضع علامة سؤال كبرى على جدية الإدارة الأميركية في دفع عربة السلام وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967 للأمام.
هذا التناقض الكبير بين الولايات المتحدة ودول العالم وهيئة الأمم المتحدة تجاه المسألة الفلسطينية، يعكس الرؤية والتوجه الأميركي غير الإيجابي لا بل المعادي للمصالح الوطنية، ويثير الشك وعدم اليقين في مرامي سياسة واشطن في تعزيز عملية السلام، والتواطؤ شبه الكامل مع الدولة الإسرائيلية. ورغم وضوح الرؤية لدى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في خلفيات ونهج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الا انها تعاملت بمرونة عالية مع القيادة الأميركية، إدراكا منها بطبيعة المعادلة السياسية المعقدة، والمختلة فيها موازين القوى لصالح القطب الأميركي، الذي مازال حتى الآن يمسك بقرون السياسة الدولية، رغم التراجع النسبي في مكانة الولايات المتحدة عالميا.
وخطت قيادة المنظمة والدولة الفلسطينية خطوات جادة في عملية الإصلاح الهيكلي والإداري والمالي والتربوي، في استجابة منها للمطالبات العربية الرسمية والدولية بما فيها الأميركية والبريطانية والفرنسية، تأكيدا منها على حرصها على إحداث اختراق في جدار الاستعصاء الأميركي، والوصول الى تفاهمات مقبولة مع البيت الأبيض. الا أن إدارة ترمب تواصل الضغط لانتزاع المزيد من التنازلات، منها أولا الحصول على مليار دولار أميركي من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة في وزارة المالية الإسرائيلية ل"مجلس السلام" واللجنة التنفيذية التابعة له ولجنة تكنوقراط غزة الإدارية، ورغم موافقة الحكومة الفلسطينية على ذلك، الا أنها اشترطت صرف المليار دولار وفق خطتها الوطنية، وبما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني عموما وفي قطاع غزة خصوصا، لكن الإدارة الأميركية تحاول فرض رؤيتها في عملية الانفاق؛ ثانيا السعي الأميركي الإسرائيلي للحؤول دون صرف أية مساعدات اجتماعية أو مالية لأسر الشهداء والأسرى، مع أن الحكومة والدولة الفلسطينية تجاوبت الى حد بعيد مع الإصلاحات المطلوبة على هذا الصعيد، وانتجت نظاما ماليا مغايرا لما كان عليه سابقا، الا أن التشكيك بمصداقية التوجهات الفلسطينية مازال قائما، ويتلازم مع ضغوط كبيرة مازالت تفرض على القيادة الفلسطينية لتخليها الكلي عن العائلات الفلسطينية التي انتكبت نتاج جرائم إسرائيل المتواصلة في استهداف أبنائهم بالقتل والاغتيال والأسر، وهذا أمر لا يتوافق مع الحد الأدنى من مواقف القيادة الفلسطينية؛
ثالثا النظام التعليمي أخضعته وزارة التربية والتعليم لعملية اصلاح كبيرة بما يتوافق مع المؤسسات الدولية ذات الصلة مثل اليونيسكو، ومع ذلك تطالب واشنطن بالمزيد من افراغ النظام التعليمي من أي بعد وطني، في الوقت الذي أغمضت العين عن النظام التعليمي والتربوي والثقافي الإسرائيلي العنصري والمشبع بالتحريض والدعوة للقتل والابادة والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني؛ رابعا الاصرار الأميركي على فرض ما يسمى "السلام الابراهيمي" على قيادة الشعب الفلسطيني، الذي يتناقض مع ركائز عملية السلام وخيار حل الدولتين، الذي تبنته قرارات الشرعية الدولية ومؤتمر نيويورك الدولي 2025، في محاولة لإفراغ النظام السياسي الفلسطيني من هويته الوطنية، وتحويله الى نظام مشوه واداة وظيفية رخيصة لإسرائيل، وهو ما لا يستقيم مع الحد الأدنى من الرؤية الوطنية.
مؤكد قيادة الدولة الفلسطينية ترغب بفتح صفحة إيجابية مع إدارة ترمب، باعتبار ذلك خطوة على الطريق لصناعة السلام. لكن بما يحفظ المصالح والحقوق الوطنية، وإلزام إسرائيل المحتلة للأرض الفلسطينية بالانسحاب الكامل من أراضي الدولة الفلسطينية كلها: من قطاع غزة والضفة الغربية الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية، وقف التهجير القسري والتطهير العرقي، وإدخال المساعدات الإنسانية بكل مشتقاتها لأبناء القطاع، وإعادة الاعمار، ووقف والاستيطان الاستعماري بكل مسمياته وإعادة أموال المقاصة الفلسطينية للشعب وموازنة الدولة، بما تمهد الطريق أمام خيار حل الدولتين على حدود 1967، وبناء ركائز السلام الممكن والمقبول للفلسطينيين والإسرائيليين ودول الإقليم والعالم. وبالتالي على الإدارة الأميركية تفهم المصالح السياسية والقانونية الفلسطينية، وإعادة فتح الممثلية الفلسطينية في واشنطن، وإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس لخدمة المصالح الأميركية والفلسطينية المشتركة.
oalghoul@gmail.com

