الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:54 AM
الظهر 12:41 PM
العصر 4:21 PM
المغرب 7:54 PM
العشاء 9:26 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من إدارة غزة إلى إعادة تموضع فلسطين في عالم متغير .

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

في أكثر من مقال سابق ، دعوت إلى ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة الفلسطينية إلى مرحلة إعادة بناء المشروع الوطني التحرري ، انطلاقاً من حقيقة أن حجم التحديات التي تواجه شعبنا لم يعد يسمح بالاكتفاء بردود الفعل أو انتظار ما تقرره الأطراف الخارجية . واليوم ، ومع ما يتردد من تقارير  وتسريبات صحفية حول مباحثات أميركية مع السلطة الفلسطينية تتعلق بقطاع غزة ومستقبل إدارته ان صح ذلك ، تزداد الحاجة إلى النظر إلى هذه التطورات في إطارها الأوسع ، بعيداً عن التعامل معها كإجراءات إدارية أو مالية منفصلة عن السياق السياسي العام .

فالتسريبات المتداولة حول الحوار مع الإدارة الأمريكية إن صحت بشأن بحث آليات للإفراج عن جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل وتحويلها للجنة أدارة غزة التي تعمل تحت إشراف مجلس السلام برئاسة ترامب ، وربط ذلك بإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية وترتيبات خاصة بإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب العدوانية ، لا تبدو مجرد خطوات تقنية أو مالية ، بل تأتي في سياق عملية سياسية وإقليمية أوسع تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى محاولة إعادة صياغة المشهد الفلسطيني بما ينسجم مع متطلبات مرحلة جديدة تريد تشكيلها في المنطقة بعد الحرب وفق رؤيتها الإستراتيجية .

هذه التطورات تتقاطع مع ما نشهده من محاولة الولايات المتحدة رسم تحولات إقليمية ودولية متسارعة في محاولة الإبقاء على هيمنتها ، حيث تبدو اليوم أكثر اهتماماً بإدارة الصراعات ومنع انفجارها إقليمياً من اهتمامها بمعالجة جذورها السياسية الحقيقية حفاظا على مصالحها . 
 
إلا أن العالم نفسه لم يعد كما كان بعد نهاية الحرب الباردة وبعد ما سمي "بالحرب الأستباقية" على إيران التي عمقت التحولات في بنية النظام الدولي ، حيث أخذت موازين القوى الدولية تشهد تغيرات متراكمة مع صعود قوى دولية وإقليمية جديدة وتنامي دور دول الجنوب العالمي ، بما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو نظام دولي واقليمي أكثر تعددية وأقل خضوعاً للهيمنة الأحادية ، وبالتالي فان تنفيذ الولايات المتحده لرؤيتها اصبح امراً مشكوك به خاصة بعد نتائج عدوانها المشترك مع إسرائيل ضد إيران ولبنان وما تمخض عن ذلك من مذكرة تفاهم وفشلهم في تحقيق مصالحهم كما والنتائج السياسية التي كانوا يخططون لها من جهة ، وحقق لإيران جزء كبيرا مما ارادته من جهة اخرى .

في هذا السياق ، ما زالت تجري محاولات التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أحد الملفات التي ينبغي احتواؤها ضمن ترتيبات إقليمية جديدة ، لا باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يرزح تحت الأحتلال الإستعماري ويطالب بحقوقه المشروعة التي كفلها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية . ومن هنا يكتسب الحديث عن "إصلاح" السلطة الفلسطينية أبعاداً تتجاوز الشأن الإداري الداخلي ، في وقت لم تعد تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل فائض قوة الردع العسكري والسياسي ، بل انعزال سياساتهم حتى أوروبياً . 

فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك حاجة إلى إصلاح المؤسسات الفلسطينية ، إذ إن ذلك مطلب وطني قبل أن يكون مطلباً خارجياً طال الحديث عنه ، بل في طبيعة الإصلاح المطلوب والهدف السياسي الكامن وراءه . هل المطلوب بناء مؤسسات وطنية أكثر قدرة على تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وقيادة مشروعه التحرري؟ أم أن المقصود هو إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية بعد محاصرتها ، بما يجعلها أكثر انسجاماً مع ترتيبات إقليمية جديدة تركز على الأمن والأستقرار الإقتصادي وإدارة السكان تحت الأحتلال ؟

ففي الوقت الذي يتركز فيه الحديث على الحوكمة والإدارة والإعمار والأمن في قطاع غزة ، يغيب الحديث الجدي عن القضايا الجوهرية المرتبطة بإنهاء الأحتلال ووقف الأستيطان وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأرض . ولا شك أن إنهاء الأحتلال واجراءاته القسرية وحكم الأمر الواقع وإعادة إعمار غزة وتحسين أوضاع شعبنا خاصة بعد كارثة الإبادة الجماعية تمثل قضايا ملحة وضرورية ، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والإستقلال الوطني .

والأخطر من ذلك أن بعض ما يُطرح يتضمن ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، محاولات لإعادة ضبط السلوك السياسي الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الأميركية للصراع ، سواء من خلال الحد من اللجوء إلى المؤسسات الدولية أو تقليص أدوات الاشتباك السياسي والقانوني مع الأحتلال . وإذا ما صح ذلك وفق التسريبات الصحفية والتي لم يصدر تعليق رسمي بشأنها ، فإننا نكون أمام محاولة جديدة لإعادة إنتاج مسار أثبت فشله خلال العقود الماضية ، حين جرى تهميش عناصر القوة الفلسطينية مقابل وعود سياسية لم تتحقق ، بل ادت الى زيادة وتوسع الواقع الإستعماري .

لقد ارتبطت الإستراتيجية الفلسطينية الرسمية ، منذ اتفاق أوسلو بفرضية أن واشنطن قادرة على رعاية تسوية سياسية عادلة والضغط على إسرائيل لإنهاء الأحتلال . لكن التجربة الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود أثبتت أن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تمارس ما يكفي من الضغوط لتحقيق ذلك أو حتى لم تمارسها ابداً ، بل تحولت في كثير من الأحيان من وسيط مزعوم إلى شريك فعلي في إدارة الصراع وفق الرؤية الإسرائيلية وموازين القوى القائمة .
وهنا ، لا يعني ذلك الدعوة إلى القطيعة مع الولايات المتحدة أو تجاهل دورها وتأثيرها ، وإنما هنالك ضرورة للتحرر من سياسة الارتهان لخيار واحد . فالعالم اليوم يتيح فرصاً أوسع مما كان عليه في السابق ، سواء من خلال تنامي دور القوى الدولية الصاعدة ، أو عبر اتساع مساحة التعاطف الدولي مع شعبنا الفلسطيني بعد انكشاف حجم الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها ، أو من خلال الحضور المتزايد لدول الجنوب العالمي في المعادلات الدولية الجديدة كما شعوب العالم بالدول الغربية ومنها بالولايات المتحدة نفسها والمتغيرات الجارية بها اليوم تجاه دولة الأحتلال .

غير أن الاستفادة من هذه التحولات لا يمكن أن تتحقق بقبول الاشتراطات الأمريكية ، او بالدبلوماسية وحدها ، بل تتطلب قبل كل شيء إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية ووحدوية وتحررية . فالمطلووب هو إعادة الإعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع لشعبنا ، وتجديد مؤسساتها بالانتخابات المقررة للمجلس الوطني دون اقتصارها فقط على المجلس التشريعي بما فيها الرئاسية ، وإنهاء الأنقسام ، وبناء استراتيجية وطنية تجمع بين الصمود على الأرض والمقاومة الشعبية والعمل القانوني والدبلوماسي والاستفادة من التحولات الدولية الجارية كما وحراك الشعوب .

إن القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي ،  فإما أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني واستعادة المبادرة السياسية بالإرادة ، وإما أن يجري اختزالها في إطار إداري وأمني يهدف إلى إدارة السكان والأرض تحت الأحتلال بأدوات جديدة وعناوين مختلفة .

لذلك فإن النقاش المطلوب فلسطينياً لا ينبغي أن يقتصر على تفاصيل أي تفاهمات أو ترتيبات مالية محتملة خاصة وانها أموال شعبنا الفلسطيني المستحقة من المقاصة أو على مكانة منظمة التحرير ، بل يجب أن ينصب على السؤال الأهم ، ما هو المشروع السياسي الوطني الذي نريده ؟ وكيف يمكن تحويل التحولات الجارية في النظامين الدولي والإقليمي إلى فرصة لاستعادة المبادرة الوطنية والأرادة السياسية ، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع ترتيبات قد تُفرض من الخارج خاصة من الإدارة الأمريكية ؟
فالمعركة الحقيقية ليست على من يدير غزة فحسب بمفهوم "اليوم التالي" ، بل على طبيعة المرحلة الفلسطينية المقبلة بأكملها امام تسارع استكمال تنفيذ المشروع الاستيطاني وارتكاب نتنياهو لمزيداً من الجرائم خاصة مع فشله السياسي . إنها معركة تتعلق بإعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة تموضع فلسطين في عالم دولي وإقليمي متغير اليوم ، بما يضمن إستثمار التحولات الدولية من مجرد وقائع خارجية إلى فرص حقيقية تخدم نضال شعبنا من أجل الحرية والأستقلال والعدالة ، لا فرض وصايات جديدة تستهدف التحكم بنظامنا السياسي وفق شروط واملاءات خارجية .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...