إسرائيل تؤلّف ذرائع لتصعيد حربها على الضفة
الكاتب: رأي مسار
الضفة والقدس في قلبها بالطبع، وبعد أن كُفّت يد إسرائيل عن الملف الإيراني، وقيّدت حركتها ولو بصورةٍ محدودةٍ في لبنان، وبدء الحديث عن تحريك الملف الغزّي، بعد جمودٍ طويلٍ مكّن إسرائيل من تعميق سيطرتها على أكثر من نصف غزة، وتعطيل المبادرة الأمريكية ومنعها من الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تعتبرها إسرائيل بمثابة إنهاء احتلالها للقطاع، بعد ذلك كله صعّدت إسرائيل لغتها العسكرية بشأن الضفة، بتصويرها على أنها جبهة قتالٍ على وشك الانطلاق وهذه المرة يجري تأليف روايةٍ أساسها سباق نفوذٍ بين تركيا وإيران، وأن البلدين الكبيرين يعدّان العدة لجعل الضفة جبهة نفوذٍ وتنافسٍ تمتلئ بالسلاح والأنفاق، ما يستدعي سحب جزءٍ من القوات المقيدة في لبنان، ونشرها في الضفة، لتعزيز الفرق العسكرية التي تحتلها حالياً. ذلك مع احتساب قوات الأمن الأخرى والمستوطنين المسلحين الذين يعملون كأداةٍ مباشرةٍ للجيش وللمستوى السياسي وليس فقط تحت حمايتهما.
تعتبر حكومة نتنياهو أنها وإن قُيّدت يداها في أماكن عديدة، إلا أنها طليقة اليد في الضفة عسكرياً واستيطانياً، وكأنها منطقةٌ تعمل فيها إسرائيل ما تشاء.
الضفة والقدس في قلبها، هما المكان الوحيد على وجه الأرض الذي يخلو تماماً من نفوذٍ إيرانيٍ وتركي، ويخلو كذلك من بنيةٍ تحتيةٍ عسكرية، كتلك التي حاربتها إسرائيل على خريطة الشرق الأوسط، ذلك بسبب وعي الفلسطينيين لحقيقة أن أشد ما يؤذي الاحتلال بشقيه العسكري والاستيطاني الراهن والمستقبلي، هو البقاء الفلسطيني على أرض الوطن، وملء جغرافيته بديموغرافيا مهولة، لا قبل لإسرائيل بتخفيضها أو تفريغها أو الحدّ من نموها واتساعها.
التحدي الجدي الذي لم تجد إسرائيل حلاً له في الضفة بما فيها القدس، هو الديموغرافيا الكثيفة والمتنامية والفعّالة على كل جزءٍ من الوطن، وهي من القوة والتأثير، بحيث لا تحتاج إلى تواجدٍ تركيٍ أو إيرانيٍ من أي نوع، فهي نتاجٌ فلسطينيٌ خالصٌ قوامه الناس، وبناء حياتهم على أرض الوطن، واليقين الذي يملأ نفس كلّ فلسطيني، بأن لا معنى للحياة في أي منفىً قديمٍ أو جديد، وهذا التحدي لم ينفع معه في السابق ملء الضفة بالجيش والمستوطنين، كما لم ينفع معه الآن وإسرائيل تعاني ما تعانيه على كل الجبهات التي ظنّت في لحظة طيشٍ وغرور، أنها ستحسمها جميعاً لتسقط فلسطين بجغرافياتها وديموغرافيتها، وكل شيءٍ فيها كثمرةٍ ناضجةٍ في قبضتها، وهذا لم ولن يحدث، وفي إسرائيل والعالم من هو متأكدٌ من ذلك.

