"خبز بارد".. ياسمين شبلاوي تكتب عن الحرب والفقد وأسئلة الإنسان
تتناول الكاتبة والإعلامية الفلسطينية ياسمين شبلاوي في مجموعتها القصصية الجديدة «خبز بارد» الحرب والفقد والانتظار، وتغوص في الأسئلة الوجودية التي يطرحها الإنسان على نفسه في مواجهة الألم والغياب والخوف، مقدمة 31 قصة قصيرة كتبتها على فترات متباعدة، وتداخلت فيها التجربة الفلسطينية مع أسئلة إنسانية تتجاوز حدود المكان والجغرافيا.
وخلال استضافتها عبر شبكة رايـــة الإعلامية، تحدثت شبلاوي عن دلالة عنوان المجموعة، موضحة أن «خبز بارد» هو عنوان إحدى القصص القصيرة في الكتاب، وتدور حول امرأة تعيش في زمن الحرب وتقول لأبنائها إنها ستعود قبل أن يصبح الخبز بارداً.
ورأت أن هذا الوعد، رغم بساطته، يحمل في داخله استحالة كبيرة في زمن الحرب، لأن الإنسان في مثل هذه الظروف لا يستطيع أن يضمن ما سيحدث بعد ساعة أو ساعتين.
الخبز.. ذاكرة البيت والأمان
وتوقفت شبلاوي عند العلاقة الرمزية بين الخبز والذاكرة الفلسطينية، معتبرة أن الخبز بالنسبة للفلسطيني ليس مجرد طعام، بل يرتبط بالحياة والبيت والأم والأمان وانتظار عودة الأحبة.
وأوضحت أن رائحة الخبز يمكن أن تكون بالنسبة للإنسان علامة على أن أهله موجودون وأن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية، ولذلك فإن تحول الخبز إلى «خبز بارد» يحمل دلالات تتجاوز المعنى الحرفي.
وقالت إن برودة الخبز في القصة ترمز إلى فقدان الأمان، وطول الانتظار، وفقدان الاعتذار والعدالة والفرصة التي كان الإنسان يحلم بها، وصولاً إلى فقدان الوعد الذي قطعته الأم لأبنائها.
الحرب ولّدت أسئلة أكثر من الإجابات
وعن الظروف التي ولدت منها قصص المجموعة، قالت شبلاوي إن الكاتب يقتنص أفكاره من الحياة ومن الشخصيات والأحداث التي يعيشها أو يراها من حوله، مشيرة إلى أن عدداً من قصص الكتاب جاء من «وجع الحرب» والأسئلة الوجودية التي فرضتها التجربة الفلسطينية.
وأضافت أن الحرب تضع الإنسان أمام أسئلة صعبة: لماذا يحدث كل هذا؟ ولماذا يستمر الوجع؟ ولماذا فقد العالم إنسانيته؟ وكيف يمكن للإنسان أن يقتل إنساناً آخر بهذه الوحشية؟
وترى شبلاوي أن الكتابة ليست بالضرورة محاولة لفهم كل ما يحدث، لأن هناك أشياء تتجاوز قدرة الإنسان على الفهم والإدراك، وإنما هي محاولة للاستمرار في طرح الأسئلة.
وأكدت أن الأسئلة قد تمنح معاني أعمق من الإجابات، مشددة على ضرورة عدم التوقف عن السؤال، لأن التوقف عنه يعني الاستسلام.
واستحضرت في هذا السياق مقولة الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني عن ضرورة الاستمرار في «دق جدران الخزان»، معتبرة أن الإنسان إذا توقف عن طرح الأسئلة يكون قد استسلم للحياة وسمح لها بأن «تدهسه».
فلسطين حاضرة في الكتاب من دون أن تُذكر بالاسم
وحول حضور فلسطين في المجموعة، أشارت شبلاوي إلى أن أحد النقاد سألها خلال إحدى الجلسات عن كون الكتاب يتحدث عن فلسطين بشكل واضح، رغم أن اسم «فلسطين» لم يرد فيه بصورة مباشرة.
وقالت إن هذا الأمر كان مقصوداً إلى حد كبير، موضحة أنها تشعر بأن الفلسطينيين «زهقوا» من الخطاب الذي يكرر على العالم أن فلسطين تناديه وأن الفلسطينيين مظلومون.
وترى أن الأدب يستطيع أن يذهب أبعد من تقديم فلسطين بوصفها قضية سياسية، من خلال تقديم الإنسان الفلسطيني بما يحمله من أسئلة ومشاعر وتجارب وحروب داخلية.
وأضافت أن الفلسطيني لا ينبغي أن يبقى مضطراً للدفاع عن إنسانيته باعتباره فلسطينياً، بل يجب النظر إليه باعتباره إنساناً لديه أسئلة وجودية تشبه أسئلة البشر في مختلف أنحاء العالم.
وأوضحت أن ما يميز هذه الأسئلة هو أنها تأتي من داخل الحرب، وهو ما يجعلها قابلة لأن تصل إلى قارئ يعيش حرباً في الصومال أو السودان، أو إلى إنسان يعيش في مكان آخر ويخوض حربه الداخلية الخاصة.
وأكدت أن هدفها هو خلق عنصر مشترك بين التجارب الإنسانية، بحيث يجد القارئ نفسه داخل القصة، بغض النظر عن موقعه الجغرافي.
«اليد الصغيرة».. قصة تركت أثراً خاصاً
وحول القصة الأقرب إليها في المجموعة، قالت شبلاوي إن جميع القصص قريبة منها، لأنها كتبت على فترات زمنية مختلفة، وكل واحدة منها تحمل شيئاً من روحها وتجربتها ومن ذلك الجزء الخفي في الإنسان الذي ما زال من الصعب الوصول إليه.
إلا أنها أشارت إلى أن قصة «اليد الصغيرة» أخذت منها شيئاً أكبر من روحها، ووصفتها بأنها كانت مؤلمة جداً بالنسبة إليها.
وأوضحت أن المجموعة بأكملها تتناول أشكالاً مختلفة من «الحروب الداخلية» التي يعيشها الإنسان، نتيجة الفقد والحالات النفسية والهواجس والهلاوس، ولكن ضمن بناء قصصي يحاول الاقتراب من هذه التجارب الإنسانية.
«هلاوس العصر الجديد».. الإنسان في مواجهة الخوارزميات
وتطرقت شبلاوي إلى مجموعة من القصص التي تتناول ما وصفته بـ«هلاوس العصر الجديد»، حيث تناقش تأثير الخوارزميات وصورة الإنسان المثالي التي يسعى العالم الحديث إلى تكريسها.
وقالت إن الإنسان في العصر الرقمي قد يشعر بأنه مفقود إذا لم يكن موجوداً ضمن الخوارزميات، فيما يتحول البحث عن «الإنسان المثالي» إلى ضغط جديد على البشر.
وترى أن الإنسان قد يصل في مرحلة ما إلى التمرد على هذه الصورة، لأن أجمل ما يميز البشر هو نقصهم وقصورهم وبشريتهم.
وأكدت أنه لا يمكن التعامل مع إنسان مثالي على مدار 24 ساعة، لأن الأخطاء والضعف والتناقضات جزء أساسي من طبيعة الإنسان.
«خبز بارد».. رفيق للقارئ في لحظاته الخاصة
وعن الرسالة التي ترغب في توجيهها إلى القارئ قبل أن يفتح الكتاب، قالت شبلاوي إن «خبز بارد» يمكن أن يكون رفيقاً له في المقهى أو على الكرسي، وأن يذكره بأشخاص مروا في حياته ثم غابوا.
وأوضحت أن الكتاب قد يعيد إلى القارئ لحظات من حياته لم تُحكَ بصوت مرتفع، لكنها كانت قادرة على تغيير الكثير من الأشياء في داخله.
وأعربت عن أملها في أن يجد كل قارئ في أبطال القصص شيئاً من روحه أو وجعه أو تجربته، وأن تطرح القصص أمامه السؤال المناسب، وأن يصبح الكتاب رفيقاً له في إحدى مراحل حياته.
وقالت إنها حاولت من خلال المجموعة أن تمنح القارئ مساحة صغيرة للتخفيف عن نفسه، في ظل حياة أصبحت أكثر تعقيداً بسبب الحرب والألم والظروف الصعبة.
دعوة إلى العودة للقراءة
وفي ختام اللقاء، أشادت مقدمة البرنامج بتجربة شبلاوي وبالمجموعة القصصية الجديدة، معتبرة إصدار «خبز بارد» إنجازاً فلسطينياً يستحق الاحتفاء، وموجهة دعوة إلى الجمهور للعودة إلى القراءة في ظل تراجع حضور الكتاب أمام هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشارت إلى أن الكتاب كان من المنتظر أن يتوفر في رام الله، معربة عن أملها في أن يجد طريقه إلى القراء وأن يشجعهم على خوض تجربة القراءة من جديد.
وتأمل شبلاوي أن يجد القراء في «خبز بارد» مساحة تشبههم، وأن تسكن القصص معهم، وأن يختار كل واحد منهم «رفيقاً» من بين شخصياتها وحكاياتها.
وتقدم المجموعة، في نهاية المطاف، الحرب لا بوصفها حدثاً خارجياً فقط، بل باعتبارها تجربة تدخل إلى أعماق الإنسان وتعيد تشكيل علاقته بالذاكرة والأمان والانتظار والفقد، وتتركه أمام أسئلة مفتوحة قد لا تجد إجابات نهائية، لكنها تظل ضرورية كي لا يستسلم الإنسان لما يحدث حوله.



