إله حسب الطلب
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
أكتب هذا المقال تعليقاً على ما قاله السفير الأمريكي هاكبي حين أعلن أنه ينتظر من الله أن يفي بوعوده. مثل هذا الكلام لا يبدو مجرد تعبير ديني عابر، بل ينطوي على افتئات واضح على الله، وعلى فهم ملتبس ومغلوط لفكرة الله نفسها. كأن الإنسان ينصب نفسه وصياً على الإرادة الإلهية، أو كأن الله أصبح طرفاً في مشروع سياسي، أو حليفاً لجماعة بعينها، أو موظفاً لدى أمة دون أخرى.
هذا القول يذكرني بما يروى عن ضابط إنجليزي كان يقاتل في الهند، فلما انتصر قال متباهياً: «إلهنا أفضل من إلههم». وهي عبارة تكشف بوضوح ذلك الميل البشري القديم إلى تحويل الله إلى رب قبيلة، أو شيخ عشيرة، أو نصير دائم لجماعة بعينها، يحبها أكثر من غيرها، ويمنحها امتيازاً أبدياً لا يستحقه سواها. وهو تصور قاصر ومشوه لفكرة الله سبحانه وتعالى.
إن صورة الله في الوعي الجمعي لأي أمة ليست مسألة لاهوتية مجردة، بل هي التي تحدد إلى حد بعيد الرسالة الحضارية والسلوك البشري لهذه الأمة. فالعلاقة مع الله تحدد صورتنا عن أنفسنا، وتحدد نظرتنا إلى الآخر، وإلى التاريخ، وإلى البيئة، وإلى معنى وجودنا في هذا العالم. ومن هنا فإن السؤال عن الله ليس سؤالاً نظرياً، بل سؤال يتعلق بكيفية العيش، وكيفية الحكم على الأشياء، وكيفية بناء العالم.
لقد تصورت جماعات كثيرة في التاريخ الله على صورتها، كما تشتهي مصالحها وأهواؤها. فمن إله منفرد بالخلق والتدبير إلى آلهة متعددة، ومن إله كلي القدرة إلى تصورات جعلته محدوداً أو عاجزاً أو محتاجاً. وحتى داخل التاريخ الإسلامي ظهرت جماعات هامشية ومنشقة قدمت تصورات شديدة الغرابة عن الذات الإلهية، إلى درجة أن بعضهم وصف الله بأنه ستة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم مصمت غير مجوف. ومثل هذه التصورات ليست مجرد أخطاء فكرية، بل تجر وراءها أنماطاً كاملة من الاعتقاد والسلوك، وقد تنتج أشكالاً من التعصب والانغلاق والاستعلاء.
إن العلاقة مع الله علاقة دقيقة وخطرة في الوقت نفسه، لأنها قادرة على بناء الإنسان، كما أنها قادرة على تدميره إذا قامت على الوهم وسوء الفهم. ولهذا لا يمكن فصل التصورات المشوهة عن الوسوسات الشيطانية بالمعنى الديني، ولا عن الأوهام والطبع والهوى والمصلحة. فالإنسان كثيراً ما يصنع إلهاً على مقاس رغباته، إلهاً يبارك مشاريعه، ويصادق على نزواته، ويمنحه شعوراً بالتفوق الأخلاقي والسياسي، حتى لو كان يمارس الظلم والقتل والكذب.
لكن الله سبحانه وتعالى فوق الجميع، لا يختطفه أحد، ولا يحتكره أحد، ولا يوظفه أحد لخدمة جنونه أو ثرثرته أو أطماعه. الله ليس ملكاً لشعب دون شعب، ولا لأمة دون أمة، ولا لحزب دون حزب. له إرادة وتدبير لا يملك البشر الإحاطة بهما، ولا يملكون الادعاء بأنهم يتحدثون باسمه أو يحددون له ما ينبغي أن يفعله.
وفي الإسلام معيار أبدي خالد، يقوم على العدل والرحمة والإحسان. فأفضل الناس عند الله هو الأتقى، والإنسان الفاضل هو الذي يرفض الظلم، ويرفض القتل، ويرفض السرقة والكذب، ويؤمن بعمارة الأرض، وبالتشارك مع أخيه الإنسان في بناء عالم أكثر إنسانية وأقل قسوة.
ولهذا فإن هاكبي لا يستطيع أن يشترط على الله تنفيذ وعوده، كما لا تستطيع أي جماعة أن تجعل من الله أداة لتحقيق أوهامها وأحلامها القومية أو الدينية. فالله ليس التاريخ، وليس الكون، وليس قوة غامضة لم تعلن عن نفسها، كما أنه لا يستدعى بكلمة، ولا يلخص بخطة، ولا يختصر في مشروع سياسي مهما بلغت سطوته. نحن عباده ولسنا شركاءه، ولسنا مستشاريه، ولسنا أوصياء على حكمته. وكل محاولة لصناعة «إله حسب الطلب» ليست إلا تعبيراً عن رغبة الإنسان القديمة في أن يعبد صورته هو، لا أن يتوجه إلى الله كما هو: رب العالمين جميعاً.

