قراءة في كتاب "أبونرجس يدخل الانتخابات!" للكاتب المبدع والقاص بكر أبوبكر
الكاتب: د. خالد الناصر
المجموعة القصصية "أبونرجس يدخل الانتخابات" للمبدع بكر أبوبكر الصادرة في حيفا عام 2023 عن "مكتبة كل شيء" هو كتاب يصعب تصنيفه في خانة واحدة؛ فهو أربع مجموعات قصصية قصيرة تحت غلاف واحد، لكنها في الحقيقة أربعة أصوات سردية لكاتب واحد، يتنقل فيها بين السخرية اللاذعة والتأمل الصوفي والشهادة السياسية، دون أن يفقد خيطًا يربط بينها جميعًا: عين الكاتب الساخرة الحانية في آنٍ معًا على المجتمع الذي يكتب عنه.
المجموعة الأولى: عنق مدلاة
تفتتح المجموعة بمشهد كوميدي-سياسي حاد: رئيس وزراء طويل القامة، متعجرف، يتأخر عن موعده ليُظهر مهابة موهومة، فيما الجماهير تسخر منه سرًا بلقب "الوزير الزرافة". هنا تتجلى موهبة أبوبكر في السخرية من سلطة زائفة تتغذى على الشكل دون الجوهر، وتتقن فن الظهور بينما الشارع يغلي غضبًا. اللغة هنا حادة، والمفارقة بنيوية لا لفظية فقط: الباب يُرفع لكي يمر "دولته" دون أن ينحني، بينما عامة المؤمنين ينحنون طوعًا في كنيسة المهد. هي سخرية من نرجسية السلطة أينما وُجدت، لا من شخص بعينه.
المجموعة الثانية: كراس صغير مبلول
تتحول اللهجة هنا كليًا نحو الحميمية والتأمل الإنساني. حكاية النجار فتحي وصناديق المشاعر في العقل - "صندوق للأفكار القديمة، وآخر للأفكار الناعمة"، وصندوق السعادة الذي لم يجد فيه فتحي عبر سبعين عامًا سوى خمس لحظات فقط - هي من أجمل ما في الكتاب. إنها حكمة شعبية بسيطة المصدر (نجار لا فيلسوف) لكنها عميقة الأثر، تذكّر بتراث الحكاية الشفوية العربية حيث تأتي المعرفة الحقيقية من هوامش الحياة لا من مركزها الأكاديمي.
المجموعة الثالثة: كتاب الثورة الخفي
وهنا يبلغ الكتاب أعمق طبقاته. تمتزج لغة الحضرة الصوفية - "في حضرة الحضور تكون أنت بالكاد ظاهرًا"، "كما المريدين في حضرة الولي" - بشهادة شبه-سيرذاتية عن الانخراط المبكر في العمل الثوري الفلسطيني: قوات السبعة عشر، أبو ياسر، اتحاد الطلبة، معسكرات سوريا ولبنان، الاعتقال. هذا المزج بين مفردات التصوف ومفردات الفدائية ليس زخرفًا لغويًا، بل اختيار دلالي عميق: الكاتب يصف علاقته بقادة الثورة الأوائل بمفردات المريد وشيخه، أي بوصفها تجربة روحية لا تنظيمية فحسب. هذا الفصل تحديدًا يستحق قراءة متأنية منفصلة، فهو يوثّق - بصوت أدبي لا تقريري - لحظة تشكّل جيل كامل من المناضلين.
المجموعة الرابعة: أبونرجس والانتخابات
تعود السخرية بكامل حدّتها، لكنها هذه المرة سخرية من الداخل الفلسطيني: عبدالرحمن الرمّال، مقاول الخرسانة المهووس بمهنته حصرًا، يُستقطب لقائمة انتخابية اسمها الساخر "متحدون من أجل اللوز الأخضر"، دون أن يفهم برنامجها أو حتى يقرأه (فقد استُخدمت أوراقه "لأكل" الطعام عليها في موقع البناء!). هذه المفارقة - رجل يمثّل الناس دون أن يعرف لماذا أو لأجل ماذا - هي نقد اجتماعي-سياسي بمذاق كوميدي صرف، يذكّر بروح علي الوردي في تعريته للتناقض بين الشعارات والممارسة في المجتمعات العربية، لكن بأسلوب حواري خفيف الظل يجعل القارئ يضحك قبل أن يتألم.
خيط جامع
ما يميز الكتاب (المجموعات القصصية الأربع) في مجمله هو قدرة المفكر والمبدع والقاص بكرأبوبكر على التنقل بين سجلّين متناقضين ظاهريًا - السخرية القاسية من الزيف السياسي، والتأمل الرقيق في المشاعر الإنسانية والروحانية - دون أن يبدو التنقل مفتعلاً. وكأن الكاتب يقول: الشعب نفسه الذي يُخدع بالقوائم الانتخابية العبثية هو ذاته القادر على حكمة الحضرة الصوفية وصناديق المشاعر السبعين عامًا. أربع مجموعات، لكنها أربعة أوجه لسؤال واحد: كيف يعيش الإنسان الفلسطيني بين زيف السلطة وصدق الذات؟

