الانتخابات التشريعية: إعادة ترتيب البيت الفلسطيني أم رهان على ما بعد نتنياهو؟
الكاتب: نبهان خريشة
أثار مرسوم الرئيس محمود عباس الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس التشريعي في نهاية شهر نوفمبر المقبل تساؤلات واسعة حول دوافعه وتوقيته، خاصة أنه يأتي بعد سنوات طويلة من تعطيل الحياة الديمقراطية الفلسطينية، وبعد سلسلة من التحولات الداخلية والإقليمية والدولية التي أعادت رسم أولويات مختلف الأطراف. فمن الناحية الشكلية، يبدو المرسوم استجابة لمطالب داخلية وخارجية طالبت بتجديد الشرعيات الفلسطينية وإعادة تفعيل المؤسسات المنتخبة. لكن قراءة أعمق للمشهد تشير إلى أن القرار يتجاوز مجرد تنظيم انتخابات، ليعكس رؤية سياسية متكاملة لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني، والاستعداد لمرحلة قد تشهد تغيرات مهمة في إسرائيل والمنطقة.
لقد سبقت هذا المرسوم سلسلة من الانتخابات الداخلية التي أجراها الرئيس عباس، ولم تكن هذه الانتخابات معزولة عن بعضها البعض، بل شكلت حلقات في عملية إعادة هندسة موازين القوى داخل حركة فتح ومؤسسات السلطة الفلسطينية. فقد بدأت بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ثم انتخابات المجالس المحلية، وانتهت بالمؤتمر الثامن لحركة فتح وما نتج عنه من لجنة مركزية ومجلس ثوري أعيدا تشكيلهما بما يضمن انسجاماً أكبر مع توجهات الرئيس.
وقد يكون من المبكر القول إن هذه الانتخابات أنهت جميع الخلافات داخل الحركة، إلا أنها بلا شك أضعفت مراكز القوى التقليدية، ورسخت هيمنة القيادة الحالية على القرار التنظيمي. كما أن نتائج المؤتمر الثامن عكست انتقال فتح إلى مرحلة مختلفة، باتت فيها القيادة أكثر اطمئناناً إلى ولاء المؤسسات التنظيمية، وأكثر ثقة بقدرتها على إدارة أي استحقاق انتخابي دون تكرار الانقسامات التي رافقت انتخابات عام 2006، عندما أدى تعدد القوائم الفتحاوية إلى إضعاف الحركة ومنح حركة حماس فرصة الفوز بالأغلبية.
ولا يقتصر شعور عباس بالاطمئنان على وضع حركة فتح الداخلي، بل يمتد أيضاً إلى تقديره لاحتمالات مشاركة حركة حماس. فالرئيس يدرك أن الانقسام الفلسطيني لم تتم معالجته، وأن كل اتفاقات المصالحة السابقة بقيت حبراً على ورق، الأمر الذي يجعل إجراء انتخابات توافقية بين الضفة الغربية وقطاع غزة أمراً شديد التعقيد.
إلى جانب ذلك، جاء المرسوم ليضع شرطاً سياسياً بالغ الأهمية يتمثل في التزام القوائم والأفراد الذين سيخوضون الانتخابات التشريعية بالاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدمتها اتفاق أوسلو. وهذا الشرط لا يحمل بعداً قانونياً فحسب، بل يمثل معياراً سياسياً يحدد من يحق له المشاركة في العملية الانتخابية.
ومن الصعب تصور قبول حركة حماس بهذا الشرط في ظل تمسكها بمواقفها التقليدية من أوسلو ومن الاعتراف بإسرائيل. ولذلك، يبدو أن القيادة الفلسطينية تراهن على أن حماس ستجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما قبول الشروط السياسية وما يترتب عليها من تحول جذري في خطابها وهويتها السياسية، أو الامتناع عن المشاركة، وهو ما سيمنح فتح أفضلية كبيرة في الانتخابات المقبلة. وربما لهذا السبب تحديداً، يبدو عباس أكثر ثقة من أي وقت مضى بإمكانية الذهاب إلى صناديق الاقتراع دون أن يواجه المنافسة ذاتها التي واجهها قبل عقدين.
لكن حسابات الرئيس لا تتوقف عند حدود الساحة الفلسطينية، بل تمتد إلى إسرائيل نفسها. فمن اللافت أن موعد الانتخابات الفلسطينية يأتي بعد الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما يمنح هذا التوقيت دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها. فالقيادة الفلسطينية تدرك أن حكومة بنيامين نتنياهو الحالية تعد الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، وأن أي حديث عن مفاوضات سياسية أو حل الدولتين في ظلها يكاد يكون مستحيلاً. ولذلك، قد يكون عباس يراهن على أن الانتخابات الإسرائيلية ستسفر عن إبعاد نتنياهو وائتلافه اليميني عن السلطة، أو على الأقل عن إضعافه بصورة تفتح المجال أمام تشكيل حكومة أكثر اعتدالاً واستعداداً للتعامل مع السلطة الفلسطينية.
قد يبدو هذا الرهان متفائلاً، لكنه ينسجم مع النهج الذي اتبعته القيادة الفلسطينية طوال العقود الماضية، والقائم على انتظار تبدلات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي يمكن البناء عليها لإحياء العملية السياسية. وفي الوقت ذاته، يبدو أن عباس يسعى إلى توجيه رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مفادها أن السلطة الفلسطينية تنفذ ما تطلبه العواصم الغربية من إصلاحات سياسية وإدارية، وفي مقدمتها تجديد الشرعيات عبر الانتخابات. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، ازداد الحديث الأوروبي والأمريكي عن ضرورة إصلاح السلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة المرشحة لتولي مسؤوليات أكبر في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن خلال إجراء الانتخابات، يستطيع عباس أن يقول للمجتمع الدولي إن السلطة أوفت بالتزاماتها، وإن الكرة أصبحت في الملعب الإسرائيلي. فإذا ظهرت حكومة إسرائيلية جديدة أقل تشدداً، فإن السلطة ستكون جاهزة للعودة إلى طاولة المفاوضات وفق الرؤية التقليدية القائمة على حل الدولتين. وهذا السيناريو قد يمنح الرئيس فرصة لإحياء مطلب طالما تمسك به، وهو عودة السلطة الفلسطينية إلى إدارة قطاع غزة باعتبارها السلطة الشرعية المنتخبة والمعترف بها دولياً.
إلا أن هذا السيناريو بأكمله يبقى معلقاً على سلسلة من الافتراضات التي قد لا تتحقق. فليس هناك ما يضمن سقوط نتنياهو أو خروج أحزاب اليمين من الحكم، كما لا توجد مؤشرات قاطعة على أن أي حكومة إسرائيلية بديلة ستكون مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين، خاصة في ظل التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح الميل نحو اليمين ظاهرة بنيوية أكثر منه ظاهرة مرتبطة بشخص نتنياهو وحده.
ثم إن العقبات الفلسطينية نفسها لا تقل تعقيداً عن العقبات الإسرائيلية. فملف القدس ما زال يمثل التحدي الأكبر أمام أي انتخابات فلسطينية. وقد سبق أن أُجلت الانتخابات عام 2021 بحجة رفض إسرائيل السماح بإجرائها في القدس الشرقية، ولا شيء يضمن ألا يتكرر المشهد مرة أخرى، خصوصاً أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعتبر القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل وترفض أي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية فيها.
أما قطاع غزة، فما زال يعيش أوضاعاً استثنائية فرضتها الحرب والدمار والانقسام السياسي، وهي ظروف تثير تساؤلات جدية حول إمكانية تنظيم انتخابات حرة وشاملة. وحتى إذا توصلت الأطراف إلى تفاهمات تقنية، فإن مسألة مشاركة حركة حماس ستظل العقدة الأكثر تعقيداً. فإذا أرادت الحركة دخول الانتخابات وفق الشروط التي وضعها المرسوم، فإن ذلك قد يتطلب تحولاً استراتيجياً عميقاً يتمثل في التخلي عن العمل المسلح، والإعلان عن نفسها حزباً سياسياً مدنياً يعمل ضمن النظام السياسي الفلسطيني ويلتزم بالاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير. وهذا تحول لا يبدو قريباً في ضوء مواقف الحركة المعلنة حتى الآن، كما أنه يرتبط بتطورات الحرب في غزة وبمستقبل الحركة نفسه.
في المجمل العام، لا يبدو مرسوم الرئيس محمود عباس مجرد دعوة إجرائية لإجراء انتخابات تشريعية، بل يمثل جزءاً من رؤية سياسية تحاول إعادة إنتاج النظام السياسي الفلسطيني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فالرئيس يعتقد أنه نجح إلى حد كبير في ترتيب البيت الفتحاوي، ويقدر أن خصمه الرئيسي قد يجد نفسه خارج السباق الانتخابي بسبب الشروط السياسية والانقسام المستمر، كما يراهن على أن الانتخابات الإسرائيلية قد تفتح نافذة جديدة لاستئناف العملية السياسية وإعادة السلطة الفلسطينية إلى واجهة المشهد، وربما إلى قطاع غزة أيضاً.
لكن السياسة لا تُبنى على الحسابات وحدها، بل على الوقائع أيضاً. والوقائع تقول إن مستقبل هذه الانتخابات لن تحدده الإرادة الفلسطينية فقط، وإنما سيتوقف على أربعة ملفات متشابكة: نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ومصير حكومة نتنياهو، ومستقبل القدس، وشكل النظام السياسي في غزة، فضلاً عن القرار الذي ستتخذه حركة حماس بشأن مستقبلها، وما إذا كانت ستبقى حركة مقاومة مسلحة، أم ستتحول إلى حزب سياسي يعمل وفق قواعد النظام الفلسطيني القائم.
وعليه، فإن مرسوم الانتخابات يمثل بداية معركة سياسية جديدة، لا نهايتها. أما نجاح هذه المعركة، فسيعتمد على تطورات الأشهر المقبلة أكثر مما سيعتمد على نصوص المراسيم أو جداول المواعيد الانتخابية. ففي الشرق الأوسط، كثيراً ما تؤجل الأحداث الكبرى صناديق الاقتراع، أو تعيد تعريف نتائجها قبل أن تُفتح أبواب مراكز الاقتراع أصلاً.

