الحلقة التاسعة: كيف صعدت الجزيرة إلى الذروة، وكيف هبطت ثم عادت إلى الصعود؟
الكاتب: نبيل عمرو
اعتمدت الجزيرة من أجل جذب الجمهور على الإثارة وانتقاء الأخبار والأحداث التي لا يجرؤ غيرها على معالجتها، ومن ضمنها "الاتجاه المعاكس" وكذلك إخفاء هويتها القَطَرية إذ كانت مقلة في نشر الأخبار القَطَرية الرسمية. كانت جيدة التمويه، وبارعة في جذب المتابعين، بمواظبتها على متابعة قضايا تهمهم وهذا ما كانت تفتقر إليه جميع محطات التلفزة العربية المسيطر عليها حكومياً وحتى المموهة ببعض مظاهر الحياد والاستقلالية.
صعدت الجزيرة إلى الذروة من خلال براعتها في التمويه على انتمائها الأصلي، إلا أنها بدأت بالهبوط حين اضطرت للإفصاح عن دعمها لقوى وأحزاب الإسلام السياسي.
ظلت تهبط من القمة إلى المستوى الذي توازت فيه مع غيرها من المحطات العادية، هذا قبل أن تستعيد الجزيرة جمهورها الواسع جراء معالجتها للحرب على غزة والتوسع في معالجة الحرب على إيران وباقي الجبهات المشتعلة.
كمائن المذيعين
ساعدني في الإفلات من كمائن المذيعين خصوصاً في الحوارات المطولة، أنني كنت لفترة طويلة في حياتي مذيعاً مثلهم، وكنت في زمن الميكروفون من المحاورين المعتمدين، بحيث أجريت مئات الحوارات مع شخصيات مهمة وكذلك مع أشخاص عاديين من مختلف المستويات والمراتب والاختصاصات، وفي زمن الكاميرا ساقتني أقداري لأن أكون ضيفاً على برامج حوارية، أو متحدثا باسم الجهة التي احتل فيها موقعاً رسمياً، وهنا يتراوح الظهور على الكاميرا بين الدقيقة الواحدة والساعة وأحياناً أكثر. غير أن الأصعب في هذا المجال هو اضطراري للظهور لمدة أقل من دقيقة للإجابة عن سؤال حول أمر إشكالي يحتاج فترة طويلة كي يصل الجواب للمشاهد، وهذا النوع من الظهور غالباً ما يكون عبر رسائل سيوجهها المندوبون إلى محطاتهم ويتحدث أكثر من شخص في الرسالة الواحدة التي لا تزيد مدتها عن خمس دقائق، أعتبر هذا النوع من الظهور هو الأصعب، فأنت لا تعرف من تحدث قبلك وماذا قال؟
ومن سيتحدث بعدك وماذا سيقول؟ وكيف ستتعامل المحطة التلفزيونية مع تصريحك، هل ستبقيه كما هو أم تحذف منه، لم أكن في بدايات ظهوري كناطق رسمي أعتذر عن هذا النوع من الظهور في البرامج أو نشرات الأخبار، إلى أن تكرر العبث بتصريحاتي المسجلة فصرت أعتذر إلا إذا حصلت على وعد قطعي من المحاور بأن ينقل التصريح كما هو، ولقد طورت موقفي بأن قللت الظهور في الرسائل المسجلة، لأن الأسلم والأكثر ضمانة، هو الظهور على الهواء مباشرة بحيث تكون متحكماً بكل كلمة تقولها، ولن يكون أمام إدارة المحطة أي فرصة للتدخل.
المتحدث خصوصاً في مجال الإعلام السياسي، عرضة لأن يواجه مذيعين يتعمدون إيقاع الضيف في خطأ، أو إحراجه بحيث يبدو واضحاً ارتباكه أو تردده أو تلعثمه، وهذا نوع من الكمائن المهنية التي تسجل في مصلحة المذيع على حساب السياسي وصورته وقدراته.
هذا النوع من المذيعين، صار أشبه بموديل تفضله القنوات، فهو الأقدر على لفت الانتباه، وإثارة ردود أفعال لدى المشاهدين تجعل المذيع وضيفه مادة للنقاش والخاسر حتماً هو الضيف خصوصاً إذا ما كان سياسياً قليل الخبرة في مجال التلفزيون، وغير توجيه أسئلة تحتمل مواضيعها إحراجاً للضيف، فهنالك من يربكون السياسيين بالمقاطعة المفاجئة التي من شأنها قطع السياق المنتظم للحديث، وتشتيت إجابات الضيف وأحياناً إذا كان عصبياً تخرجه عن طوره.
الظهور على الشاشة، خصوصاً في مجال السياسة، أشبه بعملية صراع بين المذيع الذي يتلقى عبر جهاز اللابتوب تعليمات رئيس التحرير، وبين الضيف الذي يساق دون علمٍ منه إلى كمين بغية إرباكه وإحراجه أمام الجمهور، نجاة الضيف من كمين المذيع ورئيس التحرير، يتوقف على خبرته في كيفية التعامل مع الكمائن وقوة شخصيته، ودرجة حضور بديهته، التي كلما كانت عالية، تنقل الإحراج إلى المذيع فبدل أن يُربك يرتبِك.
بعض الساسة الذين يحتلون مواقع هامة في بلدانهم أو الجهات التي يعملون لصالحها، كانوا يقعون في كمائن المذيعين، مما يفقدهم الكثير من قوة حضورهم، ويحولهم الى مادة تندر بين المشاهدين، الذين غالباً ما تنطبع الصور السلبية في ذاكرتهم أكثر بكثير من الإيجابية.
بعض المذيعين الذين كونوا لأنفسهم رصيداً جماهيرياً من خلال "إتقان الاستفزاز" وإيقاع شخصيات هامة في كمائنهم، لا يهمهم حتى لو شُتِموا من قِبل الضيوف المستهدفين فما يتعرض له المذيع يُنسى، وما يتعرض له الضيف الكبير من إهانة يظل مستقراً في الذاكرة.
إن أخطر ما يفعله التلفزيون بالسياسيين، هو كشف مستوى مؤهلاتهم الذهنية والشخصية والمعرفية، التي غالبا ما تكون نقاط الضعف فيها مختبئة وراء هالة الصورة الرسمية، وفي مجال الإعلام السياسي، فإن الذي يتمتع بهالة النجم لكثرة تداول اسمه في وسائل الإعلام من خلال دوره وموقعه، يواجه من خلال كثرة ظهوره في البرامج الحوارية امتحاناً غالبا ما تسجل نتائجه في غير مصلحة صورته المفترضة والمشتقة من هالة الموقع، وهذه ظاهرة ينفرد بها كثير من السياسيين الفلسطينيين وهي الإجابة عن أسئلة حول مواضيع لا يعرفون ما يكفي للإفتاء فيها كذلك فإنهم ومن أجل إظهار أهميتهم يقدمون مواقفهم الشخصية كما لو أنها المواقف الرسمية، ويتضاعف الأثر السلبي لذلك حين يصدر تكذيب رسمي لما قالوا، وغالبا ما يُشفع التكذيب بعبارة أنه يتحدث عن موقفه الشخصي ولا صلة للمؤسسة الرسمية بما قال.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة.

