الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:07 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:26 PM
المغرب 7:52 PM
العشاء 9:22 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ما بين البوابات الحديدية وتوسع الاستيطان، يتقدم مشروع المعازل

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

لم يكن الكشف عن موافقة حكومة الاحتلال على تخصيص 1.3 مليار شيكل لتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، ولا الأنباء حول استعداد المستوطنين لنصب بوابة حديدية بين حي الطيرة داخل مدينة رام الله وعين قينيا غربها، مجرد حدثين منفصلين. فكلاهما يعكس انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة جديدة، لا تقتصر على توسيع المستوطنات وزيادة البوابات، وإنما تستهدف إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها تدريجياً إلى معازل منفصلة، بما يسبق أي استحقاق سياسي، ويفرض على الفلسطينيين والمجتمع الدولي واقعاً جديداً تسعى إسرائيل إلى تكريسه باعتباره أمراً لا رجعة عنه.

ولذلك، فإن قراءة هذه التطورات بمعزل عن التصريحات الأخيرة لوزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، الذي دعا صراحة إلى توسيع الحرب في الضفة الغربية وربطها بتوسيع الاستيطان، واعتبر فيها الفلسطينيين داخل إسرائيل تهديداً استراتيجياً، ستكون قراءة ناقصة. فالمسألة لم تعد تتعلق بإجراءات "أمنية" متفرقة، بل بمشروع سياسي متكامل تستخدم فيه الحرب الواسعة، والاستيطان والضم الزاحف، والبوابات الحديدية، والطرق الالتفافية، والاستيطان الرعوي أدواتٍ مختلفة لتحقيق هدف واحد، هو تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني وتحويل الضفة الغربية إلى معازل يسهل التحكم بها وفرض السيادة الإسرائيلية عليها بصورة تدريجية متسارعة.

ويتسارع هذا المشروع في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بترتيبات "اليوم التالي" في قطاع غزة، وبالمبادرات الهادفة إلى إنشاء هياكل أو لجان انتقالية لإدارة القطاع خارج إطار الحل السياسي الشامل. ففي الوقت الذي يُطرح فيه مستقبل غزة باعتباره قضية إدارية أو إنسانية، تتواصل على الأرض محاولات إعادة تشكيل القطاع عبر الخطوط الملونة وترتيبات ما يسمى "الخطة (ب)"، بالتوازي مع إعادة تشكيل الضفة الغربية، بحيث تصبح الوقائع التي يفرضها الاحتلال هي المرجعية الفعلية لأي مسار سياسي لاحق، بدلاً من أن يكون إنهاء الاحتلال هو نقطة الانطلاق.

ومن هنا، لم يكن اعتراضي في مقالات سابقة على مشاريع "اليوم التالي"، أو على اللجان والهيئات التي يُراد فرضها لإدارة قطاع غزة خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية، نابعاً من خلاف حول آليات الإدارة بحد ذاتها، بل من إدراك أن ما يُخطط له لن يقف عند حدود غزة. فحين تُستكمل عملية عزل القدس وتهويدها، وتُفصل غزة سياسياً وإدارياً، وتُجزأ الضفة الغربية بالحواجز والبوابات والمستوطنات والطرق الالتفافية، ورفع الأعلام الإسرائيلية، والوجود الدائم للحواجز وقوات الاحتلال وشرطتها على الشوارع بين مدننا، يصبح الحديث عن دولة فلسطينية متواصلة الأطراف مجرد عنوان سياسي، بينما يجري على الأرض تكريس واقع مختلف تماماً.

والأخطر أن إسرائيل لا تكتفي بفرض هذه الوقائع، بل تعمل على تحويلها إلى أمر اعتيادي ودائم. فكما انتقل النقاش الدولي تدريجياً من إزالة المستوطنات إلى التعايش مع وجودها، يُراد اليوم أن ينتقل من إنهاء الاحتلال إلى إدارة المعازل وتحسين ظروف الحياة داخلها. وهكذا يجري تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إدارة تجمعات سكانية معزولة، بينما يستمر المشروع الاستيطاني في التوسع والتغلغل، بما يفرض تحويل اتفاق الحكم الذاتي المؤقت وفق اتفاق أوسلو إلى شكل دائم.

وفي ظل هذا الواقع، يفرض سؤال وطني بالغ الأهمية نفسه: كيف يمكن الحديث عن استحقاقات سياسية فلسطينية، وعن تجديد الشرعيات الوطنية، بينما يعمل الاحتلال بصورة متسارعة على تفكيك الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية؟ فالقضية لم تعد تتعلق بإجراءات سياسية أو انتخابية فحسب ـ على أهمية استحقاقها ـ بل بحماية وحدة الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية، لأن أي عملية سياسية، وأي شرعية وطنية، تفقد مضمونها إذا كانت تقوم فوق أرض يُعاد تقسيمها ورسم حدودها يوماً بعد آخر.

إن مواجهة هذا المشروع لا تكون بالاكتفاء برفض كل خطوة على حدة أو بمجرد إدانتها، وإنما بإدراك طبيعة الصورة الكاملة. فالمطلوب فلسطينياً هو حماية وحدة الأرض والشعب والتمثيل الوطني في إطار منظمة تحرير فاعلة وواسعة كجبهة وطنية عريضة، ورفض كل المشاريع التي تستبدل إنهاء الاحتلال بإدارة نتائجه، أو تستبدل الدولة الفلسطينية بمجموعة من الإدارات المحلية والمعازل المنفصلة.

وتتطلب هذه المواجهة مواصلة تدويل القضية، وتعزيز المساءلة القانونية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية دون الرضوخ للضغوط الرامية إلى تعطيل مسارهما، والاستفادة من التحولات المتزايدة في الرأي العام العالمي، وخاصة في الولايات المتحدة وبما يجري فيها من تحولات على مستوى القاعدة الحزبية، لتعميق العزلة السياسية والأخلاقية لإسرائيل، إلى جانب الارتقاء بأشكال المقاومة السياسية الواضحة والشعبية المنظمة، وتمكين صمود الناس بسياسات فاعلة وجادة، وتعزيز الديمقراطية والعدالة والمساءلة ومنهج فصل السلطات وسيادة القانون، باعتبار كل ذلك جزءاً من استراتيجية وطنية شاملة تعزز الصمود وترفع كلفة الاحتلال والاستيطان بكافة أشكاله.

إن أخطر ما يواجهنا نحن الفلسطينيين اليوم ليس فقط استمرار الاحتلال، بل تحوله إلى مشروع يعيد رسم الجغرافيا والسياسة معاً. ولذلك، فإن معركتنا الوطنية لم تعد تقتصر على مواجهة مستوطنة جديدة أو بوابة حديدية هنا أو هناك، بل أصبحت معركة للدفاع عن وحدة الأرض الفلسطينية؛ لأن أي مشروع سياسي وأي شرعية وطنية تنتجها الانتخابات الحرة، وأي أفق لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والديمقراطية، لن يكون قابلاً للحياة إذا نجح الاحتلال في تحويل فلسطين إلى مجموعة من المعازل المنفصلة.

فحماية وحدة الجغرافيا الفلسطينية أصبحت اليوم جوهر المشروع الوطني التحرري الذي يحتاج إلى إعادة صياغة أمام هذا الواقع، وهي الخط الفاصل بين مشروع الدولة الفلسطينية ومشروع الكانتونات والمعازل الذي تسعى حكومة الاحتلال إلى فرضه كأمر واقع، في ظل غياب إرادة دولية جادة تُقرن الحديث عن مبدأ حل الدولتين بإجراءات ملزمة وعقابية تفرض إنهاء الاحتلال أولاً وكاملاً، باعتباره الشرط الذي لا يمكن القفز فوقه إذا أُريد لهذا الحل أن يكون قابلاً للحياة.

** عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...