دور الشباب في التنمية: من الطاقة الكامنة إلى صناعة المستقبل
الكاتب: علي فهمي أبو بكر
لا تُقاس قوة الأمم بما تملكه من ثروات طبيعية، بل بما تمتلكه من طاقات بشرية قادرة على الإبداع والابتكار، وفي مقدمة هذه الطاقات يأتي الشباب، باعتبارهم المحرك الحقيقي للتنمية وصنّاع المستقبل.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة بفعل الثورة الرقمية والاقتصاد المعرفي، لم يعد الشباب مجرد فئة عمرية تحتاج إلى الرعاية، بل أصبحوا شركاء حقيقيين في رسم السياسات وصناعة التنمية المستدامة.
تشير البيانات السكانية إلى أن الشباب يشكلون شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني، وهي نسبة تعكس أهمية هذه الفئة في حاضر الوطن ومستقبله. وتمتلك هذه الشريحة طاقات فكرية وإبداعية هائلة، قادرة على إحداث تغيير إيجابي في مختلف المجالات إذا ما أتيحت لها الفرص المناسبة، ووُفرت لها البيئة الداعمة التي تمكنها من المشاركة الفاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وتعرّف الأمم المتحدة تنمية المجتمع بأنها عملية يتعاون فيها أفراد المجتمع مع المؤسسات الحكومية والأهلية لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يعزز رفاه الإنسان ويحقق التنمية الشاملة. ومن هذا المنطلق، فإن الشباب يمثلون المحرك الرئيس لهذه العملية، لأن التنمية في جوهرها تقوم على تنمية الإنسان قبل أي شيء آخر، ولا يمكن تحقيق ذلك دون استثمار الطاقات الشابة وتنمية مهاراتها وقدراتها.
ليست المشكلة في نقص طاقات الشباب، بل في ضعف المنظومة التي تستثمر هذه الطاقات. فكثير من المبادرات الشبابية تبدأ بشغف كبير ثم تتوقف بسبب غياب التمويل أو الاحتضان المؤسسي، مما يحول الطاقات إلى إحباط، ويجعل الهجرة خياراً يراه كثير من الشباب أكثر واقعية من انتظار الفرص.
وتتجلى مساهمة الشباب في التنمية في مجالات متعددة، أبرزها المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي، حيث يسهم الشباب في إطلاق المبادرات الإنسانية، وتنفيذ حملات التوعية، وخدمة الفئات الأقل حظاً، وتعزيز قيم التكافل والتعاون. كما يلعبون دوراً محورياً في نشر الثقافة والمعرفة، والمحافظة على الهوية الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية المجتمعية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الشباب يشكلون القوة الدافعة لريادة الأعمال والابتكار، ويسهمون في تأسيس المشاريع الريادية وتطوير الحلول الإبداعية التي تخلق فرص عمل جديدة وتدعم الاقتصاد الوطني. وقد أصبح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي مجالات واعدة يمكن للشباب أن يقودوا من خلالها مسيرة التنمية، من خلال توظيف التكنولوجيا في معالجة المشكلات المجتمعية وتحسين جودة الخدمات.
ولا يقتصر دور الشباب على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل يمتد إلى المشاركة السياسية وصنع القرار، فمشاركتهم في الانتخابات، والهيئات المحلية، والمؤسسات الأهلية، والبرامج الوطنية، تعزز الديمقراطية وتضمن حضور رؤى الأجيال الجديدة في صياغة السياسات العامة. فالشباب يمتلكون الشجاعة وروح المبادرة، ويتطلعون إلى الحرية والعدالة، ويتميزون بالقدرة على الحشد والتأثير الإيجابي متى توفرت لهم المساحة المناسبة للمشاركة.
ورغم هذه الإمكانات الكبيرة، لا تزال هناك تحديات تحد من مساهمة الشباب في التنمية، من أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، وضعف فرص التشغيل، والهجرة، وصعوبة الحصول على التمويل للمشروعات الريادية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي وتسارع التطورات التكنولوجية. وهذه التحديات تستدعي تكاتف الجهود بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، لإيجاد برامج نوعية في التعليم والتدريب والتأهيل، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتشجيع ثقافة الابتكار وريادة الأعمال.
ولعل أبرز هذه التحديات في السياق الفلسطيني نزيف الكفاءات الشبابية التي تُغادر الوطن بحثاً عن فرص في الخارج، والقيود الجغرافية التي تحدّ من وصول الشباب إلى فرص التدريب والتوظيف. غير أن ما يبعث على الأمل وجود نماذج شبابية فلسطينية ملهمة أثبتت قدرتها على إطلاق مبادرات ريادية ناجحة وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية للبناء والعطاء.
ومن واقع تجربتي في تدريب الشباب وإطلاق المبادرات الشبابية، أدركت أن الشباب الفلسطيني لا يحتاج إلى من يفكر عنهم، بل يحتاج إلى من يمنحهم الفرصة والثقة ليثبتوا قدرتهم على صناعة التغيير.
كما يشكل الشباب شريكاً أساسياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال الابتكار، وريادة الأعمال، والعمل المجتمعي، ونشر ثقافة المسؤولية البيئية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب لا يقتصر على توفير فرص العمل، بل يشمل بناء الشخصية القيادية، وتنمية المهارات الحياتية والرقمية، وتعزيز التفكير النقدي والإبداعي، وإشراكهم في التخطيط وصنع القرار، وتوفير منصات تحتضن مبادراتهم وتمنحهم الثقة في قدرتهم على صناعة التغيير.
إن المجتمعات التي تؤمن بشبابها، وتمنحهم الفرصة للإبداع والمشاركة، هي المجتمعات الأقدر على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة. فالشباب ليسوا قادة المستقبل فحسب، بل هم قادة الحاضر أيضاً، وما يمتلكونه من طاقات وأفكار وإرادة يجعلهم حجر الأساس في بناء مجتمع أكثر ازدهاراً واستقراراً.
وفي الختام، فإن المساهمة الشبابية في بناء المجتمع ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية وتنموية. فالثروة الحقيقية للأمم لا تكمن في مواردها الطبيعية، وإنما في عقول شبابها وسواعدهم، وفي قدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى إنجازات. وكلما أحسن المجتمع استثمار هذه الطاقات، كان أكثر قدرة على تحقيق التنمية الشاملة، وصناعة مستقبل يليق بأبنائه ووطنه.
إن الاستثمار في الشباب ليس خياراً تنموياً، بل هو استثمار في بقاء الأوطان وقدرتها على المنافسة. فكل فرصة تُمنح لشاب اليوم، هي خطوة نحو مجتمع أكثر قوة وازدهاراً واستدامة.

