السهل الممتنع - الضفة الغربية بين الديموغرافيا والجغرافيا
الكاتب: د. ناصر اللحام
لا انسى ما كتبه شلومو جازيت رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عام 1967 في كتابه ( العصا والجزرة ) حين قال : طلب مني موشيه ديان ان اركب معه سيارة الجيب العسكرية المكشوفة لنقوم بجولة في مدن الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل من الأردن قبل أيام .وأضاف (ذهبنا الى الخليل وبيت لحم بعد القدس الشرقية ومن هناك الى نابلس ..) ، وحين سألته لماذا نقوم بهذه الجولة قال موشيه ديان لنستمتع بجمال جبال الضفة الغربية قبل ان نعيدها لهم ، فإسرائيل لا تفكر ابدا في الاحتفاظ بها وبعد أيام او شهرين سيأتي تلفون من جهة ما ونقوم بإعادتها الى الأردن او مصر . ويضيف شلومو جازيت ومضت الأيام والشهور والسنوات ولم يتصل أحد يطالبنا بإعادتها فظلت معنا وكنا في حيرة من امرنا كيف سنتعامل معها وكيف سنحكمها وماذا نفعل بملايين السكان العرب فيها . وفي النهاية قمنا بتوجيه الحكم العسكري لاعتماد القانون الأردني لتسيير حياة السكان فيها .
ما يحدث اليوم في الضفة الغربية وهجوم المستوطنين على السكان دون سبب سوى أطماع الصراع الديني حدث قبل خمسين عاما ، حيث اقدم الاحتلال العسكري ولسبب ذكرناه سابقا على السماح للبلديات بإجراء انتخابات بلدية بعد عشر سنوات على احتلال الضفة وقطاع غزة، ولكن النتيجة لم تعجب المتطرفين فقاموا بتفخيخ سيارات رؤساء البلديات وفجروها ما اسفر عن مقتل عدد من رؤساء البلديات وبتر رجلي اخرين مثل رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة .في تلك الفترة ادعى الاحتلال انه سوف يعالج الامر وقام باعتقال الفعلة (واطلاق سراحهم لاحقا) وكان هذه الفعل سببا في انتشار التنظيمات الفلسطينية وسط السكان وعلو مكانة منظمة التحرير وما حدث بعد عشر سنوات حين اندلعت انتفاضة الحجارة .بعد عامين من هذا جلس الرئيس المصري محمد أنور السادات مع رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن في خيمة بفندق مينا هاوس بمصر، ووافق مناحيم بيغن على إعادة الضفة الغربية وقطاع غزة للعرب، ولكن في يومها رفض ياسر عرفات ورفضت منظمة التحرير ورفضت الأردن اتفاق كامب ديفيد... وانسحبت اسرائيل من سيناء وشرم الشيخ ولم تنسحب من الضفة الغربية وقطاع غزة .يرى المستوطنون الضفة الغربية كجغرافيا يردون السيطرة عليها، ويرى مؤسسو إسرائيل انها ديموغرافيا سوف تقضي على حلم الدولة اليهودية. وكل جهة سياسية ترى الضفة بطريقة تخدم روايتها ورؤيتها للصراع. ولكن اهل الضفة الغربية ، وببساطة ليست ساذجة يرون انفسهم بشرا عاديين ولدوا في قرى ومدن ومخيمات ويريدون العيش على ارضهم باقل خسائر ممكنة .
يتفاعل الإسرائيليون مع قضية الاستيطان بمخططات مرتبكة تفرض على وعيهم بواسطة أحزاب لا يهمها سوى الفوز بالانتخابات . في 1995 اعلن رابين انه سوف ينسحب من الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كامل ولكن وحين كان نتانياهو يقود تظاهرات ضد رابين و" بالصدفة " قام يهودي متطرف يدعى يجئال عمير قام بإطلاق الرصاص عليه وقتله في ساحة ملوك إسرائيل في تل ابيب . و في 2005 قام شارون بالانسحاب احادي الجانب من قطاع غزة ومن شمال الضفة الغربية ، وحين قطعت جماعة نتانياهو الميكروفون عن خطابه خرج من الليكود واسس حزب كاديما ، و" بالصدفة " أصيب بسكتة دماغية ومات قبل انهاء المهمة .
ما يحدث اليوم وما يقوله السياسيون ، منفصل عن واقع الضفة تماما . فلا إسرائيل تريدها ولا أي دولة عربية تريدها ولا منظمة التحرير تعرف كيف تقودها ، ولا حماس تعرف كيف تتعامل معها ، ولا أمريكا تلتزم بتعهداتها تجاهها ولا جامعة الدول العربية تساندها ولا أي دولة عربية طردت سفير إسرائيل من عاصمتها دفاعا عنها . ومع ذلك يعلن الجميع انهم يملكون الحلول !!
نجحت الضفة الغربية قبل شهرين في انتخابات بلدياتها ومجالسها القروية بشهادة المراقبين الدوليين ، ولكن إسرائيل تدخلت واعتقلت عدد من المرشحين ومن الفائزين ومنعت البعض من الترشح !!
هل تريد إسرائيل ضم الضفة الغربية بالقوة العسكرية ؟
هل تريد منح سكانها هوية إسرائيلية مثل العرب داخل الخط الأخضر ؟
والى متى يمكن لإسرائيل ان تصمد في نظام ابارتهايد عنصري يشبه جنوب افريقيا في الثمانينيات او يشبه فترة مارتن لوثر كينغ في أمريكا عام 1960 ، حين كان الأمريكي من اصل افريقي ممنوع ان يدخل المطاعم والمسابح والحمامات العامة والبلديات والكونغرس !
الجواب اخذه موشي ديان معه الى القبر .

