الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:19 AM
الظهر 12:46 PM
العصر 4:26 PM
المغرب 7:45 PM
العشاء 9:11 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

شلل الحركة: من الشيكل إلى الوقود

الكاتب: د. سعيد صبري

بات المواطن في الضفة الغربية يحتاج، قبل أن يخرج من بيته صباحًا، أن يتابع أكثر من مصدر معلومات: أين الحواجز مفتوحة اليوم، وأي محطة وقود ما زال فيها بنزين، ومتى سينزل نصف الراتب. هذا وصف دقيق لواقع تكرر خلال الأسابيع الماضية: طوابير أمام المحطات، محطات مغلقة بعد نفاد كمياتها، ونقص موازٍ في غاز الطهي طال كل بيت تقريبًا. السؤال الأهم ليس فقط "متى تنتهي الأزمة"، بل: هل نحن أمام تحدٍّ جديد، أم أمام عرض أحدث لمرض اقتصادي بات مزمنًا؟

الأسباب المباشرة: نمط يتكرر منذ الشتاء

قبل أن تتصدر أزمة البنزين عناوين الصيف، ضربت أزمة مماثلة قطاعًا موازيًا: ففي كانون الثاني/يناير 2026، شهدت الضفة أزمة حادة في غاز الطهي، نتيجة طقس بارد رفع الاستهلاك، تراجع بالتوريد الإسرائيلي، وتهافت المواطنين بدافع الذعر وتوقعات حرب إقليمية. هذا يعني أن الأزمة الحالية حلقة ثانية من نمط متكرر: نقص مفاجئ، ذعر يفاقمه، تطمينات رسمية، دون معالجة جذرية تمنع تكراره.

تزامنت الأزمة الأخيرة مع اضطرابات إقليمية واسعة على خلفية التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، أثّرت في أسواق الطاقة العالمية. وأرجعت الجهات الفلسطينية النقص إلى عوامل متداخلة: انخفاض الكميات الواردة، القيود الإسرائيلية، تكدس الشيكل، وارتفاع الطلب مع اندفاع المواطنين نحو التخزين، وهو ذعر استهلاكي فاقم الأزمة. وأعلنت الهيئة العامة للبترول لاحقًا استئناف التوريد بمعدل نحو ثلاثة ملايين لتر يوميًا.

الأسباب البنيوية: حين يكون المورد الوحيد مصدر الخطر

الأسباب اللحظية لا تفسر وحدها تكرار هذا النمط. فالقطاع يعاني هشاشة بنيوية معروفة: اعتماد شبه كامل على إسرائيل كمصدر وحيد، يجعل السوق عرضة لأي قرار سياسي أو خلل لوجستي. والأخطر أن قانونًا صدر عام 2023 يُلزم بإنشاء مخزون استراتيجي وطني، لكن هذا النص لم يُترجم عمليًا إلى مخزون فعلي.

وهنا يبرز سؤال أولي كان يجب أن يُحسم قبل أي نقاش آخر: كم يبلغ الاحتياج اليومي الفعلي للسوق الفلسطينية، وكم يصلها فعلًا؟ فبين تقدير بحثي عن احتياج يومي نحو 4 مليون لتر، وتصريح رسمي عن معدل توريد "طبيعي" 3 مليون لتر، ثم تراجع مؤقت ليوم واحد إلى مليون لتر إثر حادث سير، تتبدل الأرقام من مصدر لآخر دون خط أساس واضح. والأغرب أن جهات إعلامية وثّقت أن الهيئة نفسها رفضت التصريح باسمها علنًا حول دقة رقم الـ3 مليون، بينما "الوقائع الميدانية تنفيه" بحسب تعبيرها. فهل الفجوة عجز حقيقي؟ أم يسدّ جزءًا منها تهريب لا إجماع حتى على حجمه؟ حتى المختصون منقسمون: من يربط الأزمة بتكدس الشيكل، ومن يرفض هذا الربط مستندًا إلى أن أزمة السيولة قائمة منذ سنوات دون أن تعطّل القطاع سابقًا. حين يعجز الخبراء عن الاتفاق على تشخيص واحد، يصبح السؤال الحقيقي: أين المؤسسة الرسمية القادرة على ضبط هذه الأرقام ونشرها بشفافية؟

تصحيح مفهوم شائع: هل بروتوكول باريس يمنع الاستيراد من الخارج؟

يعتقد كثيرون أن بروتوكول باريس (1994) يحظر استيراد المحروقات من مصادر غير إسرائيلية، وهذا غير دقيق. فالاتفاقية تسمح من حيث المبدأ باستيراد البنزين من مصر مثلًا، شريطة مطابقته لمواصفات فنية محددة. المشكلة العملية ثلاثة عوائق: مواصفات موضوعة وفق ظروف إسرائيل الجغرافية تمنحها سلطة تقديرية على قبول أي شحنة بديلة؛ مرور الاستيراد عبر معابر تسيطر عليها إسرائيل تشغيليًا؛ وغياب بنية تحتية فلسطينية، وتحديدًا خزانات قادرة على استقبال شحنات من مصر أو الأردن مباشرة.

بمعنى آخر، الهامش القانوني للتنويع موجود ولو محدودًا، لكنه لم يُستثمر بسبب غياب الاستثمار بالتخزين، لا بسبب نص مانع مطلق. وتقدَّر كلفة الاعتماد على مصدر واحد بفاتورة وقود تقارب مليار دولار سنويًا كان يمكن خفضها لو استُغل هذا الهامش. التوصية إذن ليست إعادة تفاوض على الاتفاقية، بل استثمار جاد بالبنية التحتية.

الخيط الخفي: حين تتحول أزمة الوقود إلى أزمة سيولة

هنا تكمن نقطة مهمة، وإن كانت محل خلاف بين المختصين: فتجارة المحروقات ترتبط أصلًا بمنظومة المقاصة وبروتوكول باريس، وتتحمل الخزينة كلفة معتبرة من آليات التسعير والدعم؛ قدّر صندوق النقد الدولي كلفة دعم الوقود غير الموجَّه بنحو 0.9% من الناتج المحلي لعام 2023 وحده. ومع احتجاز أموال المقاصة، تصبح قدرة الحكومة على تمويل التزاماتها أكثر هشاشة نظريًا. غير أن بعض المختصين يرفضون هذا الربط المباشر بالأزمة الحالية تحديدًا، مستندين إلى أن أزمة الشيكل قائمة منذ سنوات دون أن تعطّل القطاع سابقًا، وأن محطات الوقود قادرة على الشراء نقدًا عند الحاجة.

استجابة رسمية مثيرة للجدل

أقرت الحكومة إنشاء شركة حكومية للمحروقات تتولى الشراء والتخزين والنقل، على أن يتركز دور الهيئة في التنظيم والرقابة. يرى مؤيدون أنها خطوة تنظيمية ضرورية، بينما يحذر منتقدون من أن فصل المهام دون معالجة الجذر قد يضيف بيروقراطية بدل حل الأزمة. والسؤال النقدي هنا: هل يعيد هذا الفصل الكفاءة، أم ينقل المديونية من كيان لآخر دون حلها؟ ويضاف إلى ذلك انتشار تجارة غير نظامية وتهريب يتسع كلما اختلت قنوات التوريد الرسمية.

كذلك، وقعت الحكومة في خطأ تواصلي أكثر منه بجوهر السياسة: فرغم أن فكرة الشركة كانت مطروحة منذ أشهر، فإن الإعلان عن إقرارها في خضم الأزمة أوحى للرأي العام بأنها "الحل" المرتقب، بينما لا علاقة مباشرة لها بالاختناق الآني. كان الأجدر توجيه الخطاب العام نحو تفعيل المخزون الاستراتيجي، باعتباره الحل الفعلي.

هل هذا تحدٍّ جديد؟ لا، بل نفس المرض بعرض مختلف

ما نشهده ليس تحديًا مستقلًا، بل تجلٍّ آخر لهشاشة بنيوية واحدة تتكرر في قطاعات مختلفة: الطاقة اليوم، والسيولة أمس، وأموال المقاصة قبلها. القاسم المشترك اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على قرارات وموارد لا يملك التحكم فيها، في ظل غياب أدوات احتياطية قادرة على امتصاص الصدمة قبل أن تتحول لأزمة معيشية.

خلاصة: أربع خطوات قابلة للقياس

أولًا، إعلان دوري وشفاف عن الاحتياج والكميات الموردة والمخزون المتاح، بوتيرة أسبوعية ثابتة لا تطمينات عامة وقت الأزمات فقط.

ثانيًا، جدول زمني وتمويل واضح لإنشاء خزانات المخزون الاستراتيجي، بقدرة استيعابية لشحنات من مصادر بديلة كمصر أو الأردن.

ثالثًا، تحديد صلاحيات الشركة الحكومية وهيكل ملكيتها وآلية الرقابة عليها، وكيفية التعامل مع الديون القائمة.

رابعًا، خطة طوارئ واضحة للتوزيع عند أي نقص، تمنح الأولوية للمستشفيات والنقل العام والمخابز والقطاعات الإنتاجية.

فطالما بقيت هذه الخطوات معلّقة على الورق، ستبقى أزمة المحروقات قابلة للتكرار مع أي توتر إقليمي جديد، بصرف النظر عن أي إصلاح إداري مهما بدا حديثًا.

بقلم: د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العام

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...