حين يصبح صنبور المياه رفاهية… معاناةٌ مستترة خلف 410 آلاف منزل
الكاتب: أنور محمد عطالله
حين يصبح صنبور المياه رفاهية… معاناةٌ مستترة خلف 410 آلاف منزل
قراءة معمّقة في تقرير وزارة الأشغال بغزة
410 آلاف منزل مدمّر أو غير صالح للسكن… لكن ماذا يعني أن يفقد الإنسان بيته؟
تحدث تقرير وزارة الأشغال في غزة، في قراءة لنتائج الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر، عن 410 آلاف منزل مدمّر كلياً أو غير صالح للسكن، كما أشار إلى نحو 350 ألف أسرة بلا مأوى. وأشار التقرير كذلك إلى أن نحو 150 ألف أسرة تقيم حالياً في خيام مهترئة، تشكل قرابة 60% من إجمالي الخيام الموجودة.
هذه الأرقام، رغم ضخامتها وقسوتها، لا تقول كل شيء. فالرقم «410 آلاف منزل» يبدو رقماً إحصائياً، لكنه في الحقيقة يعني مئات الآلاف من الأسر التي فقدت المكان الذي كانت تسميه «البيت»، وفقدت معه تفاصيل صغيرة كانت تشكل الحياة الطبيعية التي اعتاد الإنسان أن يعتبرها أمراً بديهياً. وهنا لا أتحدث عن معاناة المقيمين داخل الخيام من ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، ولا عن القوارض والأفاعي والحشرات وانتشار الأمراض، فقد سبق أن كتبت عن هذه المعاناة بالتفصيل. لكن دعونا هذه المرة نتعمق أكثر داخل المشهد، ونحاول أن نرى ما وراء الخيمة والركام، وأن نسأل: كيف يعيش الإنسان الذي لم يعد يملك منزلا .
حين يصبح صنبور المياه رفاهية
أن يعيش الإنسان بلا منزل طوال هذه المدة يعني أنه فقد واحدة من أبسط أدوات الحياة اليومية: الماء داخل المنزل. لم يعد هناك صنبور يفتحه الإنسان عندما يحتاج إلى الماء، ولا حمام خاص، ولا مطبخ، ولا مكان مهيأ لغسل اليدين أو الملابس أو الاستحمام. ومع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تصبح الحاجة إلى الاستحمام يومية، لكن النقص الحاد في توفير المياه يجعل الحصول على الكمية التي يحتاجها المواطن لتلبية احتياجاته الأساسية معاناة يومية بحد ذاتها، ثم تبدأ معاناة أخرى: أين يستخدم الإنسان هذه المياه؟ وكيف يستخدمها؟ وأين يصرفها بعد ذلك؟
الماء الذي كان يصل إلى البيت عبر شبكة، أصبح يحتاج إلى جهد للحصول عليه ونقله وتخزينه، ثم إلى جهد آخر لاستخدامه في الوضوء والاستحمام وغسل الملابس وتنظيف الأجساد والأواني. وحتى الملابس التي كانت تغسل بسهولة داخل المنزل، أصبحت كثير من نساء غزة يغسلنها يدوياً، في ظروف قاسية، وفي ظل غياب الكهرباء ومحدودية المياه ووسائل الغسيل. وهنا لا نتحدث فقط عن «نقص الخدمات»، نحن نتحدث عن انهيار نمط حياة كامل.
ماذا يعني أن لا يكون لديك حمام؟
قد تبدو هذه المسألة بسيطة لمن يعيش حياة طبيعية، لكنها بالنسبة لمن يعيش داخل خيمة يمكن أن تكون واحدة من أكثر تفاصيل الحياة قسوة وإحراجاً. غالبية الخيام لا تمتلك حماماً خاصاً، ولذلك يعتمد كثير من النازحين على حمامات مشتركة. وهنا تظهر معاناة لا يمكن اختزالها في كلمة «نزوح». تخيل طفلاً يحتاج إلى قضاء حاجته في منتصف الليل. تخيل امرأة أو فتاة تضطر إلى مغادرة خيمتها بعد منتصف الليل للوصول إلى حمام مشترك. تخيل الخوف من الظلام، والخوف من الطريق، والخوف من الحيوانات والحشرات، والخوف على الأطفال، والخوف من كل شئ
مع الانتظار في الطابور احيانا .
الحاجة الفسيولوجية لا يمكن تأجيلها، لكن الإنسان في غزة أصبح مضطراً إلى التفكير في الأمن والخصوصية والظروف المحيطة حتى في أكثر احتياجاته الإنسانية بداهة. وهذه ليست مجرد مشكلة خدمية؛ إنها مسألة تمس كرامة الإنسان وخصوصيته وأمانه النفسي.
خيام بلا صرف صحي… ومكرهة صحية مفتوحة
عندما تتجمع آلاف الخيام في مساحة محدودة دون وجود شبكات صرف صحي ملائمة، فإن المشكلة لا تتوقف عند حدود الخيمة. مياه الاستحمام والغسيل تحتاج إلى تصريف، والحمامات تحتاج إلى تصريف، والنفايات تحتاج إلى جمع، والبيئة المحيطة تحتاج إلى إدارة صحية متكاملة. وعندما لا تتوفر هذه المنظومة، تتحول أماكن النزوح تدريجياً إلى مكرهة صحية مفتوحة.
القمامة… مشكلة أخرى خلف الخيام
ثم تأتي القمامة المتراكمة بين الخيام وفي الشوارع. ليست المسألة مجرد منظر مزعج أو رائحة كريهة. النفايات المتراكمة تعني بيئة جاذبة للقوارض والحشرات، وتزداد خطورتها مع ارتفاع درجات الحرارة وطول فترة بقائها. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تكون مواقع التخلص من النفايات أو مكباتها بعيدة عن أماكن التجمعات السكانية، أو عندما تعيق الظروف الأمنية حركة معدات جمع النفايات ونقلها.
وهكذا يجد المواطن نفسه محاصراً بين: الركام من جهة، والخيام من جهة، ومياه الصرف من جهة، والقمامة من جهة أخرى. إنها ليست أزمة مأوى فقط، إنها أزمة بيئة وصحة ومياه وصرف صحي ونظافة وخصوصية وكرامة إنسانية في آن واحد.
لكن هناك معاناة أخرى لا تظهر في التقارير
وربما تكون هذه المعاناة هي الأخطر، لأنها لا تُرى بالعين: الخوف المستمر.
الإنسان في غزة لا يعيش فقط في خيمة مهترئة؛ بل يعيش في ظل احتمال دائم بأن تصبح هذه الخيمة نفسها هدفاً. ينام وهو لا يعرف ماذا سيحدث في الساعات القادمة، ويستيقظ وهو لا يعرف هل سيبقى المكان الذي نام فيه آمناً حتى المساء. قد يكون القصف في منزل قريب، وقد يكون الاستهداف في خيمة مجاورة، وقد يكون شخص أو سيارة في الشارع هدفاً لهجوم مفاجئ، وهكذا يتحول الشارع نفسه إلى مساحة غير آمنة.
حتى عندما يخرج الإنسان لشراء شيء بسيط لعائلته، لا ينتهي القلق. وعندما يرسل ابنه ليشتري بعض الاحتياجات، تبدأ رحلة انتظار أخرى: متى سيعود؟ كل دقيقة تأخير تتحول إلى خوف، وكل صوت انفجار يفتح باباً جديداً للقلق، وكل سيارة تقترب قد تثير سؤالاً في داخله: هل عاد ابني؟
هذه الحالة المستمرة من الترقب والخوف والانتظار لا يمكن أن تمر دون آثار عميقة على الإنسان.
غزة لا تعاني فقط من الدمار… بل من الاستنزاف النفسي والعصبي والسمعي
لكن هناك صوتاً آخر لا يمكن تجاهله عند الحديث عن هذه المعاناة، صوتاً رافق أهل غزة منذ اللحظة الأولى للحرب ولم يتوقف: صوت الطائرات المسيّرة، أو ما يسميه أهل غزة «الزنانة». ذلك الصوت المستمر في السماء، الذي قد يبدو لمن يسمعه للحظات مجرد ضجيج، لكنه بالنسبة لمن عاش تحته أشهراً وسنوات تحول إلى جزء من الذاكرة والخوف والقلق اليومي.والأقسى أن «الزنانة» لا تعطي الإنسان فرصة حقيقية للراحة النفسية؛ فهي تحضر في ساعات النهار والليل، وتصبح أكثر قسوة عندما يحاول الإنسان النوم. فكيف يمكن لطفل أن ينام وصوت الطائرة المسيّرة فوقه؟ إن النوم الذي يفترض أن يكون مساحة لاستعادة الجسد والعقل قدرتهما على الاحتمال، يصبح هو الآخر ساحة للخوف والترقب.
وأمام كل ذلك… وسط كل هذه التفاصيل القاسية، يبقى السؤال الأكثر إثارة للدهشة: كيف استطاع أهل غزة أن يستمروا؟
ولأهل غزة نقول: إن صبركم وصمودكم أمام هذه الكارثة الإنسانية المركبة لا يشبهه صمود في العصر الحديث، وستبقى قدرتكم على التمسك بالحياة، رغم كل ما فُرض عليكم، واحدة من أكثر صفحات التاريخ الفلسطيني قسوةً وإصراراً على البقاء.
أنور محمد عطالله
باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة

