الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:08 AM
الظهر 12:31 PM
العصر 3:57 PM
المغرب 6:37 PM
العشاء 7:53 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عيلام وظل 2030: بين نبوءة النهاية وهندسة المستقبل

الكاتب: د. محمد عودة

منذ أن بدأ الإنسان يدوّن تاريخه، لم تكن الحروب الكبرى، أو الأوبئة، أو انهيارات الحضارات مجرد أحداث عابرة، بل كانت دائمًا لحظات فارقة يعود فيها إلى السؤال الأقدم: هل ما يجري حولنا مجرد سلسلة من المصادفات التاريخية، أم أن هناك تحولًا أعمق ينساب خلف المشهد؟ ففي أوقات الاضطراب لا يبحث الإنسان عن الخبر اليومي المادي فحسب، بل يفتش عن المعنى؛ عن قصة كبرى تفسر له سر تغير العالم بهذه السرعة، وتكشف له عن الجهات التي تملك القدرة على رسم ملامح المستقبل.

ربما لهذا السبب تبدو المرحلة الراهنة مختلفة في الوعي الجمعي؛ فقد خرج العالم من أزمات اقتصادية وحروب متلاحقة، ليعبر جائحة عالمية أعادت تشكيل علاقة الفرد بالمؤسسات، وطرحت أسئلة جادة حول مفهوم السلطة، والعلم، والتكنولوجيا، والحدود الفاصلة بين الأمن الجماعي والحرية الفردية. ومع توسع دور الذكاء الاصطناعي وهيمنة البيانات الرقمية، لم يعد السؤال يقتصر على الأدوات الجديدة التي نملكها، بل امتد إلى من يملك القدرة على توجيهها، ولأي غايات يمكن أن تُسخَّر.

في هذا المناخ المتوتر، برز السياسي الروماني كالين جورجيسكو بخطاب نقدي حاد تجاه النظام العالمي المعاصر. فهو لا يرى العالم من خلال صراعات الدول التقليدية فقط، بل يتحدث عن منظومات قوة عابرة للحدود تسيطر، في نظره، على قرارات حيوية تتعلق بالاقتصاد والطاقة والغذاء والتكنولوجيا. وفي أطروحاته، لا تُعد مؤسسات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مجرد منصات للتنسيق بين الحكومات، بل أجزاء من شبكة أوسع يصنفها ضمن «الأوليغارشية العالمية».

قد يختلف الكُتّاب في تقييم هذه القراءة، بين من يراها تفسيرًا مبالغًا فيه، ومن يراها تعبيرًا عن قلق واقعي يتصل باتساع الفجوة بين صناع القرار والمتلقين له. لكن أهمية هذا الطرح لا تكمن في الجزم بصحته المطلقة، بل في كشفه عن سؤال مركزي يؤرق عصرنا: هل ما زال الإنسان قادرًا على التحكم بمسار التاريخ، أم أن العالم غدا محكومًا بشبكات معقدة من المصالح والنفوذ، لا يظهر منها إلا ما يسمح لنا برؤيته؟

وفي قلب هذا الخطاب الناقد، تبرز قضية «الطفل» بوصفها رمزًا أخلاقيًا شديد الحساسية؛ ففي إحدى مقابلاته التلفزيونية، تحدث جورجيسكو عما اعتبره ظاهرة اختفاء واسعة للأطفال حول العالم، مشيرًا، بحسب ما ذكر، إلى أن العدد يتجاوز ثمانية ملايين طفل سنويًا، رابطًا ذلك بجرائم استغلال وانحرافات أخلاقية قال إنها تمتد إلى بعض دوائر النفوذ. ونحن هنا ننقل ما طرحه بوصفه جزءًا من خطابه، من دون تبنٍّ للرقم أو الجزم بصحة هذه التفسيرات. لكن حضور مثل هذه الأفكار يظل كاشفًا عن عمق القلق الذي يحيط بصورة المستقبل؛ فالطفل ليس مجرد فرد يحتاج إلى الحماية، بل هو صورة المستقبل نفسه، وهي الفكرة التي تناولها المنشق السوفييتي يوري بزمنوف في حديثه عن آليات إضعاف المجتمعات وتآكل بنيتها المعنوية.

ولعل اللحظة التي عمقت هذا القلق العالمي كانت جائحة «كوفيد-19»؛ إذ لم تكن مجرد أزمة صحية، بل محطة كشفت هشاشة الأنظمة وأعادت تشكيل العلاقة بين الفرد والمؤسسات. فقد وجد العالم نفسه أمام إجراءات استثنائية فرضت على الحركة والعمل والصحة العامة، وصارت اللقاحات محورًا لنقاش عالمي حاد بين من رأى فيها إنجازًا علميًا لحماية البشرية، ومن أثار تساؤلات حول سرعة تطويرها وآثارها البعيدة. وانتشرت خلال تلك الفترة ادعاءات ومخاوف عديدة، من بينها ما تعلق بالقدرة الإنجابية والخصوبة؛ وما يهمنا هنا ليس إثبات تلك الادعاءات أو نفيها، بل أثرها الاجتماعي والسياسي في تعميق أزمة الثقة بين الشعوب والمؤسسات، وجعل الجائحة نقطة تحول في النظر إلى مفهوم السلطة وإدارة الأزمات.

ومن هذا المناخ اتسع النقاش ليصل إلى خطط الحوكمة المستقبلية، وفي مقدمتها «أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة». ففي إطارها الرسمي، هي أجندة دولية أُقرت عام 2015 لمكافحة الفقر وتطوير التعليم والصحة وحماية البيئة وغيرها من الأهداف. غير أن القراءات النقدية تنظر إليها ضمن سياق مختلف؛ باعتبارها جزءًا من تحول أوسع نحو نموذج جديد من الحوكمة يعتمد بصورة متزايدة على البيانات والتكنولوجيا والمعايير العابرة للحدود. وبينما يراها طرف ضرورة للتعاون الدولي في مواجهة تحديات لا تعرف الحدود، يراها طرف آخر توغلًا لمؤسسات غير منتخبة على حساب السيادة المحلية، ليبقى السؤال مفتوحًا: متى يتحول التعاون الدولي من أداة للتنسيق إلى وسيلة لإعادة توزيع القوة؟

وتعود جذور هذا النقاش إلى سبعينيات القرن الماضي مع تأسيس «نادي روما» وصدور تقريره الشهير «حدود النمو»، الذي ناقش قدرة موارد الأرض على تلبية أنماط الاستهلاك والنمو السكاني. ومع الوقت، انتقلت هذه الطروحات من أروقة الاقتصاد والبيئة إلى مضمار السياسة، وظهرت مفاهيم نقدية مثل «المليار الذهبي»، التي رأت في بعض أطروحات الاستدامة غطاءً لتبرير التفاوت العالمي وإدارة الموارد لصالح القوى النافذة.

هذا التداخل يقودنا إلى الفكرة الأقدم: «علاقة السلطة بالمعرفة». فالتاريخ يؤكد أن الهيمنة لم تكن يومًا بالعتاد العسكري وحده، بل بامتلاك البيانات أيضًا. والجهة التي تحصي السكان، وتدرس حاجياتهم، وتحدد نقاط ضعفهم، تملك نفوذًا لا يقل أهمية عن القوة المادية. وتقدم التجربة الاستعمارية، كما حدث في فلسطين إبان الانتداب البريطاني، نموذجًا جليًا؛ حيث لم تكن السيطرة قائمة على الثكنات والقوانين فحسب، بل اعتمدت أيضًا على المسوح والإحصاءات والدراسات الاجتماعية. واليوم يعود هذا النمط بصيغة أشد تعقيدًا؛ فالمجتمع الذي كان يُدار قديمًا بالخرائط والسجلات، أضحى يُقرأ عبر الخوارزميات وقواعد البيانات والذكاء الاصطناعي.

وإذا كانت خطط المستقبل الحديثة تحاول أن ترسم ما سيكون، فإن النبوءات القديمة كانت تحاول أن تقرأ ما سيأتي؛ ومن هنا يلتقي المستقبل المصنوع بالمستقبل المتنبَّأ به. ومع الشعور العام بدخول البشرية مرحلة جديدة، تعود الرموز التاريخية والنبوءات القديمة إلى الواجهة. فأسماء القوى التي اندثرت سياسيًا ظلت حية في النصوص الدينية، مثل بابل وفارس وعيلام؛ وهذه الأخيرة باتت في بعض القراءات النبوئية المعاصرة رمزًا محوريًا لأحداث مستقبلية فاصلة، مستندة إلى النص الوارد في سفر إرميا، الإصحاح 49:

«هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هَأَنَذَا أَكْسِرُ قَوْسَ عِيلَامَ ابْتِدَاءَ قُوَّتِهِمْ... وَأَضَعُ كُرْسِيِّي فِي عِيلَامَ، وَأُبِيدُ مِنْهَا الْمَلِكَ وَالرُّؤَسَاءَ... وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنِّي أَرُدُّ سَبْيَ عِيلَامَ».

كانت عيلام مملكة قديمة تقع في جنوب غرب إيران الحالية، ورغم ارتباط النص بسياقه التاريخي والديني القديم، فإن بعض المفسرين المعاصرين يعيدون إسقاط هذا الاسم على الجغرافيا السياسية لإيران، فتتحول في هذه القراءات من مملكة غابرة في صفحات التاريخ إلى رمز في القراءات الأخروية السياسية والإسخاتولوجية.

وفي بعض التيارات التي تتبع علامات آخر الزمان، تبرز رؤية تعتمد على دورات زمنية، تُقرأ فيها الأزمات والأوبئة والتطورات السياسية والتكنولوجية كمقدمات لمرحلة فاصلة. وحين تتقاطع هذه التأويلات مع موعد دولي واضح كعام 2030، تنشأ محاولات للربط بين الزمن السياسي والنبوءة الغيبية.

لكن المغزى الأعمق من هذه المقاربات لا يتوقف عند مدى تحقق النبوءات من عدمه، بل يتصل بالحاجة الإنسانية إلى تفكيك غموض المستقبل. فعندما يشعر الإنسان أن التغيرات المتسارعة والقوى المؤثرة تتجاوز حدود إدراكه، فإنه يلوذ بالبحث عن «قصة كبرى» تمنح الوقائع معنى، وربما عن خيط خفي يربط بين أحداث تبدو متفرقة.

وهنا تبرز المفارقة: فالإنسان القديم كان يبحث في النصوص والسماء عن علامات تخبره بما سيحدث، أما الإنسان الحديث فقد أصبح قادرًا على بناء نماذج للمستقبل، وتحليل السكان والاقتصاد والمناخ والسلوك، بل والتدخل في النتائج قبل وقوعها. وبين التنبؤ بالمستقبل وصناعته خيط دقيق؛ وكلما ازدادت قدرة الإنسان على هندسة المستقبل، ربما ازدادت حاجته إلى النبوءة التي تفسره.

بين عيلام القديمة وظل 2030 الحديثة، بين النبوءة والبيانات، وبين الخوف من المستقبل والرغبة في توجيهه، يظل الإنسان مواجهًا للسؤال الفلسفي الأول الذي رافق الحضارات: هل ما زال يحاول أن يعرف ما سيحدث، أم أنه دخل زمنًا يستطيع فيه أن يصنع بعض ما كان أسلافه ينتظرونه كنبوءة؟ وربما يكون السؤال الأشد إلحاحًا: من الذي يمسك القلم حين يبدأ المستقبل في كتابة نفسه؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...