نقطة ضوء.. لا تكتبوا مستقبل أطفالنا بقلم الرصاص
الكاتب: د. عدنان ملحم
في صباح اليوم الأول من المدرسة ، لا يحمل طفل الصف الأول مشروعا تربويا ، ولا يعرف شيئا عن الرقمنة أو الذكاء الاصطناعي أو مصادر التعليم المفتوحة . يحمل حقيبة أكبر من كتفيه ، ويدا صغيرة تبحث عن كتاب ، ومعلما يطمئنه ، وصفا يشعر فيه أن العالم مكان آمن يمكن اكتشافه صفحة بعد صفحة.
لهذا، فإن أي قرار يمس التعليم في هذه المرحلة لا يتعلق بالورق والحبر فقط ، بل يتعلق بطفولة كاملة تتشكل ، وعقول تُبنى ، ومستقبل وطن بأسره.
لسنا ضد التطوير، ولم نكن يوما ضد التكنولوجيا . بل إن إدخال الوسائل الرقمية إلى مدارسنا أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها . لكن الفرق كبير بين أن تكون التكنولوجيا معينا للمعلم ، وأن تتحول إلى بديل عن أكثر أدوات التعلم استقرارا : الكتاب المدرسي.
فالكتاب ليس عادة قديمة ينبغي التخلص منها ، ولا عبئا ماليا يجب إزالته . إنه أول صديق للطفل ، ومرجعه حين يغيب المعلم ، والجسر الذي يصل المدرسة بالبيت ، والأداة التي تمنح جميع الأطفال فرصة متساوية في التعلم ، سواء امتلكوا أجهزة حديثة أم لم يمتلكوا.

ولهذا يبدو القرار ، في توقيته على الأقل ، بعيدا عن واقع مدارسنا:
كيف يمكن الحديث عن تعليم رقمي شامل ، بينما ما تزال مدارس كثيرة تفتقر إلى الإنترنت المستقر ، أو أجهزة الحاسوب ، أو حتى وسائل العرض ؟ وكيف يطلب من معلم أنهكته الأزمات الاقتصادية ، وتأخر الرواتب ، وضغط العمل ، أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مصمم محتوى ، وخبير تقنيات ، ومنتج يومي للمواد التعليمية ؟.
إن التطوير الحقيقي يبدأ بتوفير الإمكانات ، ثم تدريب المعلمين ، ثم بناء البنية التحتية ، ثم التدرج في التطبيق . أما أن يبدأ الإصلاح من نهايته ، فذلك يحمّل الجميع ثمن قرار لم يشاركوا في صياغته .
ثم إن أطفال فلسطين ليسوا بحاجة اليوم إلى تجربة جديدة بقدر حاجتهم إلى شيء من الاستقرار . يكفي ما عاشوه من فاقد تعليمي بعد جائحة كورونا ، والانقطاع المتكرر عن التعليم ، والظروف السياسية والاقتصادية القاسية . يكفي أن كثيرا منهم ما زال يحاول استعادة مهارات القراءة والكتابة الأساسية . فهل تكون مكافأتهم أن نغيّر قواعد اللعبة مرة أخرى ؟.
وإذا كان القرار يستند إلى دراسات علمية رصينة ، فمن حق المجتمع أن يطلع عليها . ومن حق المعلمين وأولياء الأمور أن يعرفوا لماذا اختير هذا الطريق دون غيره ، وما النتائج المتوقعة منه، وكيف سيقاس نجاحه ، ومن يتحمل المسؤولية إذا جاءت النتائج بعكس المأمول.
فالتعليم ليس تجربة مخبرية يمكن تكرارها إذا أخفقت . فالسنوات التي يخسرها الطفل لا تعود ، والمهارات التي لا تُبنى في عمرها المناسب يصعب تعويضها لاحقًا.
لقد خاضت دول كثيرة تجارب مشابهة ، وبعضها عاد إلى تعزيز حضور الكتاب المدرسي بعد أن اكتشف أن الإفراط في الاعتماد على الشاشات أضعف القراءة العميقة ، وأثر في التركيز ، وفي علاقة الطفل باللغة والكتابة.
ولذلك، فإن المطلوب ليس العودة إلى الماضي ، ولا رفض التكنولوجيا ، بل تحقيق التوازن : كتاب حديث ، ومعلم مؤهل، ووسائل رقمية داعمة ، وبيئة مدرسية جاهزة . هذه هي معادلة التطوير، لا إلغاء أحد أركانها الأساسية.
أما ما يثير القلق أكثر، فهو أن القرار جاء وسط غياب حوار وطني واسع يليق بقضية تمس كل بيت فلسطيني . آلاف المعلمين وأولياء الأمور والخبراء يبدون مخاوفهم ، لكنهم لا يجدون حتى الآن إجابات علمية واضحة بحجم الأسئلة التي يطرحونها.
إن مستقبل التعليم لا يُدار بمنطق الثقة العمياء ، بل بمسارات : الشفافية والشراكة والمسؤولية.
واخيراً ، فإن محاولة تمرير تعديلات طالت المناهج الدراسية ، أو تقليص حضور بعض أبعادها الوطنية ، عبر الانتقال من الكتاب المدرسي إلى منظومة فضفاضة من “مصادر التعليم المفتوحة”، تثير أسئلة مشروعة حول المرجعية والرقابة المجتمعية . فحين يغيب الكتاب، تغيب معه أحيانا المرجعية الواضحة ، ويصبح تعديل المحتوى أو حذفه أو استبداله أكثر سهولة وأقل خضوعًا للنقاش العام.
لذلك لم تعد القضية قضية كتاب ورقي أو شاشة إلكترونية ، بل قضية هوية معرفية ووطنية ، وحق المجتمع في أن يعرف ماذا يتعلم أبناؤه ، ومن يقرر ذلك ، وبأي مرجعية.
فالكتاب المدرسي ليس مجرد أوراق مطبوعة ، بل هو أول وطن معرفي يحمله الطفل بين يديه. وإذا فرطنا به، فلن نخسر كتابا فقط، بل جزءا من ذاكرة الجيل ، ومن هويته ، ومن حقه في تعليم مستقر وعادل وواضح المعالم . اللهم هل بلغت ، اللهم فاشهد.

