الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:26 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:25 PM
المغرب 7:38 PM
العشاء 9:03 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

نقطة ضوء.. لا تكتبوا مستقبل أطفالنا بقلم الرصاص

الكاتب: د. عدنان ملحم

في صباح اليوم الأول من المدرسة ، لا يحمل طفل الصف الأول مشروعا تربويا  ، ولا يعرف شيئا  عن الرقمنة أو الذكاء الاصطناعي أو مصادر التعليم المفتوحة . يحمل حقيبة أكبر من كتفيه ، ويدا  صغيرة تبحث عن كتاب ، ومعلما  يطمئنه ، وصفا  يشعر فيه أن العالم مكان آمن يمكن اكتشافه صفحة بعد صفحة.

لهذا، فإن أي قرار يمس التعليم في هذه المرحلة لا يتعلق بالورق والحبر فقط ، بل يتعلق بطفولة كاملة تتشكل ، وعقول تُبنى ، ومستقبل وطن بأسره.

لسنا ضد التطوير، ولم نكن يوما  ضد التكنولوجيا . بل إن إدخال الوسائل الرقمية إلى مدارسنا أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها . لكن الفرق كبير بين أن تكون التكنولوجيا معينا  للمعلم ، وأن تتحول إلى بديل عن أكثر أدوات التعلم استقرارا : الكتاب المدرسي.

فالكتاب ليس عادة قديمة ينبغي التخلص منها ، ولا عبئا  ماليا  يجب إزالته . إنه أول صديق للطفل ، ومرجعه حين يغيب المعلم ، والجسر الذي يصل المدرسة بالبيت ، والأداة التي تمنح جميع الأطفال فرصة متساوية في التعلم ، سواء امتلكوا أجهزة حديثة أم لم يمتلكوا.

ولهذا يبدو القرار ، في توقيته على الأقل ، بعيدا  عن واقع مدارسنا:

كيف يمكن الحديث عن تعليم رقمي شامل ، بينما ما تزال مدارس كثيرة تفتقر إلى الإنترنت المستقر ، أو أجهزة الحاسوب ، أو حتى وسائل العرض ؟ وكيف يطلب  من معلم أنهكته الأزمات الاقتصادية ، وتأخر الرواتب ، وضغط العمل ، أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مصمم محتوى ، وخبير تقنيات ، ومنتج يومي للمواد التعليمية ؟.

إن التطوير الحقيقي يبدأ بتوفير الإمكانات ، ثم تدريب المعلمين ، ثم بناء البنية التحتية ، ثم التدرج في التطبيق . أما أن يبدأ الإصلاح من نهايته ، فذلك يحمّل الجميع ثمن قرار لم يشاركوا في صياغته .

ثم إن أطفال فلسطين ليسوا بحاجة اليوم إلى تجربة جديدة بقدر حاجتهم إلى شيء من الاستقرار . يكفي ما عاشوه من فاقد تعليمي بعد جائحة كورونا ، والانقطاع المتكرر عن التعليم ، والظروف السياسية والاقتصادية القاسية . يكفي أن كثيرا  منهم ما زال يحاول استعادة مهارات القراءة والكتابة الأساسية . فهل تكون مكافأتهم أن نغيّر قواعد اللعبة مرة أخرى ؟.

وإذا كان القرار يستند إلى دراسات علمية رصينة ، فمن حق المجتمع أن يطلع عليها . ومن حق المعلمين وأولياء الأمور أن يعرفوا لماذا اختير هذا الطريق دون غيره ، وما النتائج المتوقعة منه، وكيف سيقاس  نجاحه ، ومن يتحمل المسؤولية إذا جاءت النتائج بعكس المأمول.

فالتعليم ليس تجربة مخبرية يمكن تكرارها إذا أخفقت . فالسنوات التي يخسرها الطفل لا تعود ، والمهارات التي لا تُبنى في عمرها المناسب يصعب تعويضها لاحقًا.

لقد خاضت دول كثيرة تجارب مشابهة ، وبعضها عاد إلى تعزيز حضور الكتاب المدرسي بعد أن اكتشف أن الإفراط في الاعتماد على الشاشات أضعف القراءة العميقة ، وأثر في التركيز ، وفي علاقة الطفل باللغة والكتابة.

ولذلك، فإن المطلوب ليس العودة إلى الماضي ، ولا رفض التكنولوجيا ، بل تحقيق التوازن : كتاب حديث ، ومعلم مؤهل، ووسائل رقمية داعمة ، وبيئة مدرسية جاهزة . هذه هي معادلة التطوير، لا إلغاء أحد أركانها الأساسية.

أما ما يثير القلق أكثر، فهو أن القرار جاء وسط غياب حوار وطني واسع يليق بقضية تمس كل بيت فلسطيني . آلاف المعلمين وأولياء الأمور والخبراء يبدون مخاوفهم ، لكنهم لا يجدون حتى الآن إجابات علمية واضحة بحجم الأسئلة التي يطرحونها.

إن مستقبل التعليم لا يُدار بمنطق الثقة العمياء ، بل بمسارات :  الشفافية والشراكة والمسؤولية.

واخيراً  ، فإن محاولة تمرير تعديلات طالت المناهج الدراسية ، أو تقليص حضور بعض أبعادها الوطنية ، عبر الانتقال من الكتاب المدرسي إلى منظومة فضفاضة من “مصادر التعليم المفتوحة”، تثير أسئلة مشروعة حول المرجعية والرقابة المجتمعية . فحين يغيب الكتاب، تغيب معه أحيانا  المرجعية الواضحة ، ويصبح تعديل المحتوى أو حذفه أو استبداله أكثر سهولة وأقل خضوعًا للنقاش العام.

لذلك لم تعد القضية قضية كتاب ورقي أو شاشة إلكترونية ، بل قضية هوية معرفية ووطنية ، وحق المجتمع في أن يعرف ماذا يتعلم أبناؤه ، ومن يقرر ذلك ، وبأي مرجعية.

فالكتاب المدرسي ليس مجرد أوراق مطبوعة ، بل هو أول وطن معرفي يحمله الطفل بين يديه. وإذا فرطنا  به، فلن نخسر كتابا  فقط، بل جزءا  من ذاكرة الجيل ، ومن هويته ، ومن حقه في تعليم مستقر وعادل وواضح المعالم . اللهم هل بلغت ، اللهم فاشهد.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...