الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:27 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:25 PM
المغرب 7:37 PM
العشاء 9:01 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

قلنديا... كوكب يستغيث في صمت المجرة: فهل من مجيب؟

الكاتب: د. محمد عودة

مجرة الكواكب المبتلاه ،منذ أن بدأ الكون دورته الأولى، وقبل أن تعرف النجوم مواقعها في خرائط السماء، كان هناك قانون أقدم من كل القوانين ومرجعية أعلى من كل القوى، كيان يشرف على حركة الوجود بكل مكوناته. كان اسمه كيريوس، ولم يكن نجمًا بين النجوم، بل رمزًا للقوة العليا التي تعرف أسرار البداية والنهاية وترى ما لا تراه الكائنات. لم يكن يتدخل في كل لحظة، لأن الكون الذي يخلو من الاختبار يفقد جزءًا من معناه؛ فالابتلاء لم يكن دائمًا عقابًا، بل كان وسيلة تكشف حقيقة النجوم والكواكب، فبعضها يُختبر عندما يملك القوة، وبعضها عندما يواجه الضعف.

كانت الكواكب تعرف أن طريقها في هذا الكون ليس خاليًا من العواصف؛ فبعض الاختبارات تأتي من الطبيعة، وبعضها يأتي من نجوم قوية تعتقد أن قوتها تمنحها حق تحديد مصير الآخرين، وكان السؤال الذي يرافق كل محنة دائمًا: هل قيمة الكوكب بما يملكه من قوة، أم بما يحافظ عليه من معنى حين يواجه المحن؟ فالقوة في هذا الكون لم تكن امتيازًا مطلقًا، بل مسؤولية، وكلما ازداد ضوء النجم ازدادت الأسئلة حول الطريقة التي يستخدم بها نوره.

وفي إحدى المجرات البعيدة، كانت هناك كواكب صغيرة عُرفت باسم المخيمات. لم تكن الأكبر حجمًا ولا الأكثر قدرة، لكنها كانت تحمل ما هو أثمن من القوة؛ كانت تحمل الذاكرة. فقد كانت كل ذرة من ترابها تحفظ قصة، وكل زاوية منها تحمل أثر أجيال مرت فوقها وتركت جزءًا من حياتها فيها. ومع تعقّد شؤون هذه الكواكب، أنشأت المجرة حكومة مركزية أطلقت عليها اسم أنوروا، لتنظيم العلاقة بين الكواكب والنجوم وحماية التوازن، حتى لا تتحول قوة النجوم الكبرى إلى حق في ابتلاع الآخرين، لأن المجرة التي يحكمها ميزان القوة فقط تصبح مكانًا لا يعيش فيه إلا من يملك القدرة على فرض إرادته.

لكن التوازن في الكون لا يبقى ثابتًا إلى الأبد، فدائمًا تظهر قوى ترى أن النظام القائم لا يخدم طموحها، وأن القوانين التي تحمي الآخرين تقف عائقًا أمام ما تعتبره حقًا لها، ومن بين تلك القوى ظهر نجم البقرة الحمراء، نجم لم يكن يرى نفسه مجرد جسم سماوي في مجرة واسعة، بل كان يرى أنه يحمل رسالة خاصة، وأن له دورًا استثنائيًا في إعادة تشكيل الكون، لم يقل إنه يريد التوسع، بل قال إنه يعيد النظام، ولم يقل إنه يفرض إرادته، بل قال إنه ينفذ إرادة كيريوس، وهنا بدأت أخطر مراحل الحكاية، لأن السيطرة لا تبدأ دائمًا بالقوة المباشرة، بل تبدأ بصناعة رواية تجعل القوة تبدو وكأنها ضرورة، وتجعل الطموح يظهر وكأنه واجب، وتجعل من يرفضها يبدو وكأنه يعارض قانون الكون نفسه.

ولهذا أصبح اسم كيريوس حاضرًا في خطاب نجم البقرة الحمراء، حتى أصبح كثيرون في المجرة يتساءلون: هل من يرفع اسم كيريوس يحمل فعلًا إرادته، أم أنه يستخدم الاسم الأعلى ليمنح أفعاله شرعية لا يملكها؟ فالقانون الأعلى لم يكن يومًا مجرد أداة بيد الأقوياء، والعدالة لا تتحول إلى عدالة فقط لأن من يملك القوة قال إنها كذلك، وكانت الكواكب التي دخلت في طريق ذلك النجم ترى أن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا يفعل نجم قوي، بل كيف يمكن لنجم أن يقنع نفسه والآخرين بأن ما يقوم به ليس اختيارًا منه، بل قدر مكتوب في سجلات الكون.

وعندما بدأ ضوء نجم البقرة الحمراء يصل إلى كوكب جنين، أدرك سكانه أن مرحلة جديدة بدأت، لم يكن الخوف نابعًا فقط من قوة النجم، بل من الإحساس بأن ما يحدث ليس حادثة عابرة، بل جزء من مسار أكبر، وبعد جنين جاء الدور على كوكب نور شمس، ثم كوكب طولكرم، وكل كوكب كان يظن أن العاصفة التي وصلته هي نهاية الطريق، قبل أن يكتشف أن الطريق ما زال ممتدًا نحو كواكب أخرى.

ثم وصلت الحملة إلى كواكب غزة، وهناك تغير معنى الصراع؛ فلم تعد مجرد كواكب في طريق نجم قوي، بل أصبحت اختبارًا للمجرة كلها، فقد حملت في ذاكرتها أسئلة الكون عن الألم والصمود والبقاء، ولم يعد السؤال كم يملك الكوكب من قوة، بل كيف يحافظ على روحه عندما تحاول قوة أكبر منه أن تعيد تعريف وجوده.

وفي الجهة الأخرى من المجرة، كانت النجوم المحيطة تراقب، بعضها أرسل إشارات قلق، وبعضها أعلن رفضه لما يحدث، لكن تلك الإشارات بقيت بعيدة عن الكواكب التي كانت تحتاج إلى أكثر من الكلمات، وهنا ظهر السؤال: ما قيمة النور الذي لا يحمل معه دفء الحماية؟ وما معنى القرابة بين النجوم إذا ظهرت في أوقات الهدوء فقط، ثم اختفت عند لحظة الاختبار؟ فقد تعلمت الكواكب أن الصمت ليس دائمًا غيابًا للموقف، وأن من يقف بعيدًا عن العاصفة قد يجدها تصل إليه يومًا.

وفي وسط هذه الأحداث كان هناك نجم صغيرناشيء اسمه فلسطين. كان في الماضي من النجوم العظيمة التي تملأ السماء بضوئها، لكنه لم يكن يملك القوة التي يملكها نجم البقرة الحمراء، إلا انه كان يحمل في داخله أثر كل الكواكب التي تدور في مجاله، لم يكن يستطيع النظر إلى ما يحدث باعتباره أحداثًا بعيدة، لأن الكواكب بالنسبة إليه لم تكن مجرد أجسام تدور حوله، بل كانت أجزاء من تكوينه وذاكرته، وكان أصعب ما يواجهه ليس فقط قوة النجم الآخر، بل السؤال الذي يطارده: هل يكفي أن يعرف النجم أن كواكبه مهددة؟ أم أن المعرفة التي لا تتحول إلى فعل تصبح مجرد شهادة على الخطر؟

وفي أعماقه عاد مثل قديم عن الثور الأبيض؛ حكاية تقول إن من يترك الخطر يقترب من الآخرين لأنه يظن أنه بعيد عنه، قد يأتي يوم يجد فيه نفسه وحيدًا أمام الخطر نفسه، ولم يكن ذلك المثل مجرد حكاية قديمة، بل كان قانونًا من قوانين المجرة؛ فالكواكب وإن بدت متفرقة في الفضاء، إلا أن مصائرها مرتبطة بخيوط لا تُرى، وسقوط كوكب واحد قد يغير مسار نجوم كثيرة.

وعندما اقترب نجم البقرة الحمراء من كوكب قلنديا، لم يعد الأمر مجرد انتقال من كوكب إلى آخر، فقد كان قلنديا قريبًا من قلب نجم فلسطين، قريبًا من عاصمته وذاكرته، وكأن العاصفة وصلت إلى المكان الذي يحمل معنى خاصًا، ثم امتد ظل الخطر نحو كوكبي الأمعري وقدورة، وهنا أدرك نجم فلسطين أن القضية لم تعد قضية كواكب منفصلة، بل قضية مصير واحد. فالمجرة لا تنهار فقط عندما يسقط كوكب، بل عندما يعتاد الجميع سقوط الكواكب ويظنون أن الأمر لا يعنيهم.

وكان كيريوس يراقب كل ذلك، لم يكن الاختبار موجهًا إلى الكواكب الضعيفة فقط، بل إلى كل مكونات الكون، كان نجم البقرة الحمراء يُختبر: هل يعرف حدود قوته؟ وكانت النجوم الصامتة تُختبر: هل تفهم أن الصمت أمام اختلال التوازن ليس دائمًا حيادًا؟ وكان نجم فلسطين يُختبر: هل يستطيع حماية وجوده دون أن يتحول إلى نسخة أخرى من القوى التي واجهها؟ لأن أصعب المعارك ليست فقط تلك التي يواجه فيها الكائن عدوًا خارجيًا، بل تلك التي يحافظ فيها على نفسه وهو يقاوم أن يصبح شبيهًا بما يقاومه.

ومع مرور الزمن، بدأت المجرة تدرك أن الصراع لم يعد بين نجم قوي ونجم صغير فقط، بل بين رؤيتين للكون، رؤية تقول إن القوة تمنح صاحبها الحق في رسم مصير الآخرين، ورؤية أخرى ترى أن قيمة الكون لا تأتي من قوة أكبر مكوناته، بل من قدرة مكوناته المختلفة على البقاء معًا، فالكواكب التي تحمل الذاكرة لا تُهزم بسهولة، لأن من يحاول محوها يواجه شيئًا لا يستطيع الوصول إليه؛ الحكاية التي تسكن داخلها.

أما نجم البقرة الحمراء، فقد ظل متمسكًا بروايته التي اخترعها، كان يرى أن نجاحه دليل على صحة طريقه، وأن قدرته على فرض إرادته علامة على أن الكون يمنحه الشرعية، لكنه لم يدرك أن القوة قد تكون أحيانًا جزءًا من الاختبار، لا دليلًا على النجاح فيه، فليس كل من ينتصر في معركة يكون قد ربح مكانه في ذاكرة الكون، وليس كل من يملك القدرة على الفعل يملك الحق في الفعل.

أما نجم فلسطين، فقد وصل إلى لحظة لم يعد السؤال فيها: كيف يصبح أقوى من نجم البقرة الحمراء؟ بل أصبح السؤال: كيف يحافظ على جوهره وهو يواجه قوة تريد أن تغيره؟ فقد أدرك أن أخطر خسارة ليست فقدان كوكب أو موقع، بل فقدان المعنى الذي يجعل وجود النجم والكواكب له قيمة، ولهذا لم تكن قوته الجديدة في أنه أصبح أكبر من خصمه، بل في أنه أعاد للكواكب إحساسها بأنها ليست مجرد نقاط ضعيفة في فضاء واسع، بل أجزاء من قصة واحدة.

وفي النهاية، لم يكن السؤال الذي وضعه كيريوس أمام المجرة: من سينتصر في المعركة؟ بل كان السؤال الأعمق: أي نوع من الكون يريد سكان المجرة أن يبنوا؟ هل سيكون كونًا تدور فيه الكواكب حول النجوم الأقوى فقط، أم كونًا تدرك فيه النجوم أن قوتها مسؤولية، وأن النور الحقيقي لا يكون في أن يضيء النجم وحده، بل في أن يساعد الآخرين على رؤية الطريق؟ فالتاريخ الكوني لا يحفظ فقط أسماء من امتلكوا القوة، بل يحفظ أيضًا أسماء من حافظوا على المعنى عندما أصبحت المحافظة عليه أصعب من أي انتصار.

وهكذا بقي اسم كيريوس حاضرًا فوق المجرة، ليس باعتباره اسمًا تستخدمه النجوم لتبرير أفعالها، بل باعتباره سؤالًا دائمًا أمام كل من يملك قدرة على التأثير: عندما تُمنح القوة، هل تستخدمها لتجعل الكون يدور حولك وحدك، أم لتجعل الكون أوسع للجميع؟،ختاما لا زال نجم فلسطين وكواكبه يستغيثون فهل من مجيب؟.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...