إسرائيل الكبرى: بين الحلم والواقع..
الكاتب: منى دوغان جمال الدين
عام 1967، بعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية إلى جانب سيناء والجولان، أعيد الى التداول مصطلح “إسرائيل الكبرى”.
وهو وفق المشروع الصهيوني فكرة يضفون عليها قدسية، إذ يروّجون له كوعد إلهي لبني إسرائيل بأرض تمتد من “النيل إلى الفرات”. كثير من المؤرخين والباحثين دحضوا وجود أي أساس ديني ثابت يتحدث عن أرض “من النيل إلى الفرات” واثبتوا أنه لا وجود لذلك في الكتب المقدسة.
على أن التوسع الإسرائيلي ليس طارئا، بل هو تنفيذ مباشر للمشروع الصهيوني الذي نشأ في أواخر القرن التاسع عشر في أول مؤتمر صهيوني في بازل بسويسرا عام ١٨٩٧.
وتم طرح وتكرار مصطلح إسرائيل الكبرى بشكل قوي في عهد حكومة نتنياهو. ففي آب ٢٠٢٥ عبر نتنياهو بقوة وعلنا عن حلمه التوسعي. ففي مقابلة تلفزيونية مع قناة “i24” الإسرائيلية، صرح قائلا: “إنني في مهمة تاريخية وروحانية ومرتبط عاطفيا برؤية إسرائيل الكبرى”.
هنا اطرح السؤالين التاليين:
* منذ حرب الستة أيام عام ١٩٦٧، ما الذي حققته إسرائيل من مشروعها التوسعي ولماذا يقف حتى يومنا هذا عند حدود ال ٦٧ إلى حد ما؟ يضاف الى ذلك اقامة المستوطنات بشكل دائم في مختلف مناطق فلسطين المحتلة، وتبلغ مساحتها مع مجالها الحيوي في مناطق الضفة الغربية نسبة 60 بالمئة من مساحة الضفة.
بين الحلم والواقع هل يستطيع الصهاينة إرساء إسرائيل الكبرى؟
اولا: وقعت إسرائيل في حالة مراوحة أوحالة كر وفر:
١- فمنذ حربها التوسعية عام ١٩٦٧، جوبهت بشكل قوي بمقاومة الشعب المصري بقيادة جمال عبد الناصر اثر إطلاقه حرب الاستنزاف، وكانت أول عملية نفذها الجيش المصري بعد النكسة في منطقة رأس العش في ١ تموز ١٩٦٧. وتوالت العمليات العسكرية حتى وصلت إلى أكثر من 4000 عملية ضد إسرائيل خلال ٥٠٠ يوم.
٢- انتصر العرب على اسرائيل في حرب اكتوبر ١٩٧٣ وكانت نتائج هذه الحرب: استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس، واسترداد جميع الأراضي في شبه جزيرة سيناء وجزء من مرتفعات الجولان السورية بما فيها مدينة القنيطرة وعودتها للسيادة السورية .
وهكذا بات حلم إسرائيل بعيدا جدا إلى حد خرجت رئيسة الوزراء الإسرائيلية تستغيث بدول العالم لإنقاذها ووصفت هذه الأيام في ما بعد بـ”الكارثة الساحقة والكابوس الذي ظل باقيا معها على الدوام”.
٣- اثر اجتياح اسرائيل للبنان ووصولها إلى العاصمة بيروت، اندلعت شرارة المقاومة في قلب بيروت وجوبهت بصمود بطولي في مدن الساحل وعمق الجنوب اللبناني مما اضطرها للانسحاب من قلب العاصمة رافعة الراية البيضاء.
ثم استمرت عمليات المقاومة حتى عام ٢٠٠٠ ليسجل لبنان انتصارا مدويا بوجه العدو الصهيوني ويحرر معظم أراضي الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي.
ومع تحرير معظم الأراضي اللبنانية تراجع من جديد حلم إسرائيل التوسعي.
٤- في فلسطين احتل الجيش الإسرائيلي قطاع غزة عام ١٩٦٧. وانسحب منها كاملا عام ٢٠٠٥ مفككا ٢١ مستوطنة. أما دوافع الانسحاب لم تكن سياسية وشخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرئيل شارون، وحدها التي أدت إلى انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، فقد كان لعمليات فصائل المقاومة الفلسطينية الأثر الكبير على قرار الانسحاب.
وكشفت قناة (كان) الإسرائيلية في تقرير لها، أن أحد أبرز الأسباب التي دفعت شارون للتفكير في قرار الانسحاب من قطاع غزة هو عملية “نتساريم” التي قُتل فيها ثلاثة جنود إسرائيليين، معتبرةً أن هذه العملية كانت بمثابة “القشة التي قصمت ظهر شارون”.
ثانيا: استنزاف إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية
الانتفاضات الفلسطينية. المتتالية من “أطفال الحجارة” إلى “الأقصى” إلى “القدس”.
* بدأت مع انطلاقة الانتفاضة الأولى التي عرفت بانتفاضة الحجارة أو أطفال الحجارة التي انطلقت في جباليا في كانون الثاني عام ١٩٨٧ واستمرت حتى عام ١٩٩٣.
* الانتفاضة الثانية أو ما تعرف بانتفاضة الأقصى التي اندلعت في أيلول ٢٠٠٠ وتوقفت عام ٢٠٠٥. وتميزت هذه الانتفاضة عن الاولى بكثرة المواجهات المسلحة وتصاعُد وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.
* الانتفاضة الثالثة او انتفاضة القدس وصفها البعض بـ “انتفاضة السكاكين”. اندلعت عام 2015 إثر تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة والقدس وشهدت تنفيذ شباب فلسطينيين لعشرات العمليات الفدائية الموجهة ضد جيش الاحتلال وجنوده.
ثالثا: أسطورة الجيش الذي لا يقهر تقهقرت مع الوقت مما أثر على معنويات الجيش لتسقط معها فكرة إمكانية تحقيق إسرائيل الكبرى على أرض الواقع:
* أول حرب دخلتها إسرائيل ضد العرب كانت عام ١٩٥٦ اثر العدوان الثلاثي وانهزمت معها اكبر قوتين استعمارية (فرنسا وبريطانيا) في ذلك الوقت بفضل حكمة القائد جمال عبد الناصر والتفاف الجيش والشعب مع قيادته للدفاع عن الوجود وانتصرت مصر واندثرت الجيوش الثلاثة.
* عام ١٩٨٢ انسحبت القوات الصهيونية مذلولة من بيروت بعد حصار دام أكثر من ثلاثة أشهر اثر ضربات المقاومة اللبنانية العظيمة واستمر عمل المقاومة حتى تحقق نصر ٢٠٠٠.
* عام ٢٠٠٦ انهزمت إسرائيل أمام المقاومة اللبنانية بعد ما عرف بمجازر الدبابات الميركافا.
* في ٧ تشرين الاول عام ٢٠٢٣ أطلقت حماس عملية طوفان الأقصى متحدية المنظومة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية. وصفت العملية بالأكثر تعقيدا وظهرت هشاشة الجيش الذي لا يقهر.
جل ما سردته يؤكد على حقيقة لا جدل فيها: أن المواجهة والمقاومة والعمليات البطولية هي التي شكلت السد المانع أمام تقدم حلم إسرائيل في إرساء مشروعها التوسعي واجزم أن هذا الاحتلال إلى زوال ما دام في هذه الأمة نفس واحد مقاوم.
وما النصر الا من عند الله ولا غالب الا الله

