الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:33 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:24 PM
المغرب 7:32 PM
العشاء 8:54 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين تتراجع أمريكا ولا تتراجع إسرائيل: كيف تُحوّل إسرائيل أفكار ترامب إلى وقائع في غزة؟

الكاتب: فادي أبو بكر

من أبرز أدوات إسرائيل في إدارة علاقتها بواشنطن قدرتها على التعامل مع السياسة الأمريكية باعتبارها مساحة لتوسيع هامش المناورة. فعندما يطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة تخدم المصالح الإسرائيلية، تُسارع إسرائيل إلى التقاطها وتثبيتها وإعادة إنتاجها سياسياً وإعلامياً، بحيث تتحول من تصريح عابر - كمعظم تصريحات ترامب - إلى سابقة أو خيار مطروح يمكن العودة إليه واستثماره، حتى بعد تراجع ترامب أو الإدارة الأمريكية عنه أو التخفيف من حدّته.

هنا تكمن إحدى أهم آليات التكتيك الإسرائيلي، حيث لا تحتاج اسرئيل دوماً تنفيذ الأفكار الأمريكية بصورتها الأصلية، ويكفيها أحياناً أن تمنعها من الموت السياسي إن صحّ التعبير، ثم تعيد توظيف عناصرها في صيغ أكثر قابلية للتنفيذ. فما يبدأ باعتباره اقتراحاً أمريكياً يتحوّل تدريجياً إلى مرجعية للنقاش، ثم إلى مشروع جزئي، ثم إلى أمر واقع.

تُقدّم تجربة مقترحات ترامب بشأن تهجير الفلسطينيينمن غزة أنموذجاً واضحاُ. فقد واجهت الفكرة التي طرحها في خضم حرب الإبادة رفضاً فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً واسعاً، اضطّر واشنطن إلى التراجع عن بعض صيغها الأكثر صراحة. لكن التراجع الأمريكي لا يعني بالضرورة أن الفكرة اختفت من الحسابات الإسرائيلية، حيث أن بنيامين نتنياهو وحكومته يحتفظون بالفكرة كورقة سياسية لإعادة إنتاجها تحت عناوين مختلفة.

وفي هذا السياق تكتسب الطروحات المتعلّقة برفح أهمية خاصة. فقد كشفت صحيفة "واشنطن بوست" في 27 تموز/ يوليو 2026 عن تعثّر خطة ترامب للسلام في غزة بسبب خلافات حول نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الاسرائيلي، ما دفع "مجلس السلام" إلى خفض طموحاته والانتقال مؤقتاً إلى مشروع تجريبي في جنوب غزة يستوعب نحو 50 ألف فلسطيني يحمل اسم "رفح الجديدة". ثم أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي في 9 آب/ أغسطس 2026 بموافقة نتنياهو ووزير الحرب الاسرائيلي يسرائيل كاتس على بدء أعمال بنية تحتية في شرق رفح ضمن منطقة سُميت "رفح الخضراء"، تمهيداً لمشروع سكني للفلسطينيين خارج سيطة حماس وتحت ترتيبات أمنية خاصة.

لا تدور القضية هنا حول بناء مساكن أو شبكات مياه وكهرباء، وإنما في النموذج الأمني والسياسي الذي قد يُبنى حول هذا المشروع. فإذا أصبحت رفح منطقة سكنية وإدارية ذات ترتيبات أمنية خاصة، فقد تتحوّل من مشروع إعمار محدود إلى نموذج لإعادة تشكيل جغرافية غزة وسكانها وآليات إدارتها.

وتكمن قوة التكتيك الإسرائيلي أيضاً في تحويل الخلاف مع واشنطن من خلاف على الهدف إلى خلاف على ترتيب الخطوات، فإسرائيل لا ترفض بالضرورة إعادة الإعمار، لكنها تربطها بنزع السلاح، ولا ترفض الانسحاب من حيث المبدأ، لكنها تجعله مشروطاً بتحقيق أهداف أمنية، ولا ترفض الحوكمة المدنية، لكنها تشترط إستبعاد حماس والسلطة الفلسطينية بصورتها الحالية. وهكذا تبقى ظاهرياً داخل الإطار الأمريكي، بينما تعيد تعريف شروط تنفيذه. والزمن هنا يعمل لصالح اسرائيل، فكلما تعثّرت الخطة الأميركية ازدادت فرص خلق وقائع جديدة على الأرض وأصبح من الأصعب على واشنطن تفكيكها.

وعليه فإن الخطر لا يمكن فقط في عودة ترامب إلى طرح التهجير بصيغته القديمة، بل في أن تتراجع واشنطن عن الفكرة بينما تحتفظ اسرائيل بها، ثم تعيد انتاج عناصرها في صورة مشاريع إنسانية مؤقتة وأمنية. ومن هنا فإن التحرك الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي ينبغي ألا ينتظر اكتمال"رفح الخضراء" أو "رفح الجديدة" أو غيرها، بل أن يعمل على منع تحول المشاريع المؤقتة إلى دائمة والإعمار إلى أداة لإعادة هندسة غزة .فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا يريد ترامب من غزة؟، بل: ماذا ستفعل إسرائيل بأفكار ترامب بعد أن يتراجع عنها؟.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...