من عشرين إلى سبعة... المسألة ليست بعدد المقاعد
الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
قبل أسابيع قليلة، كتبت مرحباً بالمرسوم الرئاسي الذي خصص ما لا يقل عن عشرين مقعداً للمواطنين المسيحيين من أبناء شعبنا الواحد في المجلس التشريعي الفلسطيني القادم. ولم يكن ذلك الترحيب نابعاً من رؤية طائفية، ولا من البحث عن حصة فئوية في مؤسسة وطنية يفترض أن تمثل الشعب الفلسطيني كله من خلال اعتبار أعضاء المجلس التشريعي أعضاء بالمجلس الوطني، بل من قراءة سياسية ووطنية للرسالة التي حملها ذلك القرار بتأكيده أن فلسطين التي نسعى إلى تحريرها وبنائها هي فلسطين التعددية والمواطنة والشراكة، وأن الحفاظ على مكوناتها التاريخية جزء من حماية هويتها الوطنية الجامعة.
لكن المرسوم الرئاسي الجديد الصادر يوم أمس في العاشر من آب 2026 أعاد تخصيص المقاعد للمواطنين المسيحيين في المجلس التشريعي القادم لتصبح سبعة مقاعد على الأقل، بعد أن كان المرسوم السابق الصادر قبل شهر في 12 تموز 2026 قد حددها بعشرين مقعداً على الأقل، مع النص بالمرسوم الجديد على إلغاء ما يتعارض مع أحكام المرسوم.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي تغير خلال هذه الفترة القصيرة من الشهر الواحد حتى يجري الانتقال من عشرين مقعداً إلى سبعة من خلال إصدار مرسوم رئاسي جديد؟ خاصة وأن المرسوم السابق كان قد حظي بإجماع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
المسألة، في تقديري، ليست حساباً عددياً، ولا ينبغي اختزالها في مقارنة بين رقمين. فلو كانت القضية مجرد نسبة المسيحيين إلى مجموع السكان، لما كان هناك معنى أصلاً لمبدأ تخصيص المقاعد، ولكان الاحتكام إلى النتائج الانتخابية وحدها كافياً. إن فكرة التخصيص قامت تاريخياً على إدراك خصوصية النسيج الوطني الفلسطيني، وعلى ضرورة ضمان حضور مكونات أصيلة فيه، ليس بوصفها أقليات دينية أو طوائف، وإنما باعتبارها جزءاً عضوياً من شعب واحد وتجربة وطنية واحدة.
ولهذا فإن الانتقال من عشرين إلى سبعة مقاعد اليوم يحتاج، في الحد الأدنى، إلى تفسير سياسي وقانوني واضح أمام الرأي العام. فالقرارات المتعلقة ببنية النظام السياسي وبتمثيل مكونات المجتمع لا ينبغي أن تظهر وكأنها قابلة للتغيير خلال أسابيع من دون حوار وطني عام يوضح أسباب التغيير ومعاييره.
والأهم أن النقاش حول التمثيل المسيحي يجب ألا يتحول إلى نقاش مسيحي داخلي أو إلى مطالبة "طائفية". فالفلسطيني العربي المشرقي الذي حافظ على وجوده في هذه الأرض منذ ألفي عام متعرضاً لحملات متعددة لاقتلاعه من أرضه منذ حملات "الإفرنجة الصليبية" وصولاً إلى مسلسل جرائم الاحتلال منذ النكبة الأولى، لم يكن سوى "ملح للأرض" كما قيل عنه، كما لم يكن يوماً خارج الحركة الوطنية حتى يحتاج إلى إدخاله إليها بنظام حصص. لقد كان شريكاً في بناء الحركة الوطنية منذ حقبة الحكم العثماني والانتداب، وفي المقاومة والثقافة والصحافة والنقابات والمؤسسات، وفي الدفاع عن القدس وعن الهوية العربية الفلسطينية في مواجهة مشاريع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. ومن هنا فإن حماية هذا الحضور هي قضية وطنية فلسطينية وليست مطلباً مسيحياً فئوياً.
واليوم تزداد أهمية ذلك في ظل ما يتعرض له الوجود الفلسطيني بأكمله من مشروع استعماري إحلالي يستهدف الأرض والإنسان والهوية، وفي ظل التهجير والتراجع الديمغرافي الذي أصاب الوجود المسيحي الفلسطيني بصورة خاصة، ولا سيما في القدس ومناطق أخرى. إن الرد على هذه المخاطر لا يكون بتحويل المسيحيين إلى طائفة تبحث عن عدد مقاعد، وإنما بسياسات وطنية تحمي بقاءهم على أرضهم وتعزز مشاركتهم السياسية والمؤسساتية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول مسألة المقاعد المخصصة إلى بديل عن السؤال الأكبر المتعلق بطبيعة النظام الانتخابي والسياسي الذي نريده. فهدفنا ليس بناء نظام محاصصة طائفية على النموذج الذي أثبتت تجارب المنطقة مخاطره، بل الوصول إلى دولة ديمقراطية ومدنية حديثة، تقوم على مبدأ المواطنة والمساواة والعدالة وسيادة القانون، ويكون فيها الانتماء الوطني أساس الحقوق والواجبات، مع توفير الضمانات الضرورية لحماية التعددية ومنع الإقصاء.
ولذلك فإن الاعتراض على خفض العدد لا يتناقض مع رفض الطائفية؛ بل على العكس، إنه ينطلق من ضرورة ألا تتحول القرارات المتعلقة بالشراكة الوطنية إلى ترتيبات متغيرة، بل أن تكون جزءاً من رؤية متكاملة لشكل الدولة والنظام السياسي والمجتمع الذي نريد.
لقد رحبت بالمرسوم الرئاسي السابق قبل شهر لأنني رأيت فيه رسالة إلى العالم وإلى المستقبل أكثر مما رأيت فيه عشرين مقعداً. واليوم، فإن السؤال الذي يطرحه المرسوم الجديد يتعلق بتلك الرسالة ذاتها: هل ما زلنا نتجه نحو توسيع المشاركة الوطنية، أم نعود إلى التعامل مع التمثيل بمنطق الحساب العددي الضيق؟
إن فلسطين التي نريدها لا تُقاس فيها حقوق المواطن بعدده داخل "طائفته"، فالعرب المسيحيون ليسوا طائفة كما أرادت أن تجعلهم الإمبراطورية العثمانية كذلك من خلال مراسيمها، ولا هم جزء من شعوب المنطقة الأصليين يُبنى وجودهم على امتيازات دينية، وإنما على المواطنة الكاملة. لكن الوصول إلى تلك الدولة يقتضي، في ظروفنا الراهنة، حماية مكونات مجتمعنا التاريخية من التهميش والتآكل، وتعزيز حضورها لا تقليصه.
لقد تم تخفيض عدد أعضاء المجلس التشريعي بالمرسوم الجديد من 200 إلى 132 عضواً لأسباب مختلفة لم يتم إيضاحها؛ إذن كان يمكن منطقياً تخفيض المقاعد المخصصة على الأقل للمواطنين المسيحيين بنفس النسبة، أي من 20 إلى 13 مقعداً وليس إلى 7 مقاعد بنسبة غير مفهومة.
لذلك، فالمسألة لم تكن عشرين مقعداً بالأمس، وليست سبعة مقاعد اليوم. المسألة هي: أي فلسطين نريد، وأي نظام سياسي نبني، وأي رسالة نبعث بها إلى العالم وإلى الأجيال القادمة عن معنى الشراكة في وطن واحد؟



