الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:35 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:30 PM
العشاء 8:52 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الناخب لا ينسى … وصندوق الاقتراع لا يجامل

الكاتب: إبراهيم الحافي

ليست الانتخابات القادمة مجرد موعد جديد نذهب فيه إلى صناديق الاقتراع لنختار أسماءً نعرفها أو وجوهًا اعتدنا رؤيتها ، وليست مناسبة لتجديد الولاءات أو إعادة إنتاج المشهد نفسه بالوجوه والشعارات ذاتها .

الانتخابات، في جوهرها ، لحظة مراجعة وتقيم وقرار .

لحظة يتوقف فيها المواطن قليلًا عن الاستماع إلى ما يُقال له ، ويبدأ في سؤال نفسه : ماذا حدث ؟ ماذا تحقق ؟ ماذا لم يتحقق ؟ من نجح ؟ من أخفق ؟ من تحمل المسؤولية ؟ ومن بقي في موقعه رغم الفشل ؟

لكن هذه المرة تحديدًا ، هناك ما يجعل المشهد مختلفًا .

هذه المرة ، لن يكون الناخب الفلسطيني مطالبًا بأن يصوّت لتنظيم أو حزب أو تكتل بعينه ، هذه المرة سيكون الشعب الفلسطيني هو صاحب القرار .

سيذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع لا ليجدد ولاءً ، وإنما ليمنح ثقته ، ولا ليكرر الماضي ، وإنما ليحاسبه ويختار للمستقبل .

وهنا تحديدًا تبدأ أهمية

 (صندوق المحاسبة ) .

فصندوق الاقتراع ليس مجرد مكان نضع فيه ورقة تحمل اسمًا او رقما أو قائمة ، وإنما هو المساحة التي يستطيع فيها المواطن أن يقول كلمته بحرية ، وأن يمنح ثقته لمن يرى أنه يستحقها ، وأن يحجبها عمن يرى أنه لم يكن على مستوى المسؤولية .

( ليست محاسبة انتقامية )

المحاسبة التي نتحدث عنها ليست دعوة إلى الانتقام من أحد ، ولا إلى تصفية الحسابات ، ولا إلى إلغاء تاريخ أحد أو إنكار ما قدمه .

على العكس تمامًا .

نحن نتحدث عن محاسبة ديمقراطية تحفظ للجميع حقهم في التقييم ، لكنها تحفظ للمواطن أيضًا حقه الكامل في أن يقول : هذا نجح فأكافئه ، وهذا أخفق فلا أجدد له الثقة .

فالانتخابات ليست شهادة حسن سلوك دائمة ، والتاريخ مهما كان مهمًا لا يمكن أن يكون شيكًا مفتوحًا للمستقبل .

من خدم الناس وأصاب يستحق التقدير ، ومن أخطأ وتعلم من خطئه وقدم ما يثبت قدرته على التصحيح يستحق فرصة أخرى .

أما من تراكم فشله ، واستمر تقصيره وعدم مبالاته ، وبقيت النتائج بعيدة عن تطلعات الناس ، فمن حق المواطن أن يقول له عبر صندوق الاقتراع : شكرًا ، لكننا نريد ان نغيرك  .

وهذه ليست إساءة لأحد ولا لتنظيم بعينه ولا لتحالفا باسمه .

هذه هي الديمقراطية.

لا أحد فوق ورقة الاقتراع

المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى حصانة ، أو يتحول التاريخ إلى إعفاء دائم من المسؤولية ، أو يصبح الولاء أقوى من الحقيقة والوطن .

عندها يفقد صندوق الاقتراع معناه .

المواطن لا ينبغي أن يصوت لأنه خائف ، ولا لأنه معتاد ، ولا لأنه يشعر أن عليه واجبًا تجاه هذا الطرف أو ذاك ، وإنما لأنه مقتنع بأن من يمنحه صوته قادر على تمثيله والدفاع عن مصالحه وتحمل المسؤولية أمامه .

فمن يطلب ثقة الناس عليه أن يقبل أيضًا حق الناس في سحب هذه الثقة والمحاسبه ويحترم عقول شعبه .

ومن يريد أن يتقدم إلى موقع المسؤولية عليه أن يعرف أن الموقع ليس مكافأة شخصية ولا تنظيميه ولا حزبيه ، وإنما تكليف ، وأن التكليف لا ينفصل عن الحساب والثواب والعقاب .

الناخب لا ينسى… وصندوق الاقتراع لا يجامل .

وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن نحمله معنا إلى الانتخابات القادمة .

من  ( لمن ننتمي ) ؟

إلى ( من يستحق ثقتنا ) ؟

ربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن ننتقل من سؤال : ( من معنا ) ؟

إلى سؤال أكثر أهمية :

( من يستحق ثقتنا ) ؟

ومن سؤال : ( لمن ننتمي ) ؟

 إلى سؤال : ( ماذا قدم من منحناه ثقتنا ) ؟

ومن سؤال : ( من نؤيد ) ؟

 إلى سؤال : ( من يستطيع أن يقدم لنا وللوطن مستقبلًا أفضل ) ؟

هذه النقلة في التفكير ضرورية إذا أردنا انتخابات حقيقية لا مجرد عملية لإعادة تدوير الواقع والأسماء والأحزاب والتنظيمات .

فالمواطن الذي يبحث عن عمل ، ولقمة عيش كريمه ، ويريد تعليمًا ومستقبلا أفضل لأبنائه ، ورعاية صحية كريمة ، وأمنًا اجتماعيًا ، واقتصادا ناجحا ، وعدالة ، وحقوقًا مدنية ، وحياة تحفظ كرامته وحريه في تنقله وسفره ، واطمئنا على روحه وابناءه  وأملاكه  ، ويعيش بلا ازمات دائمه ومتتاليه ،  لا يستطيع أن يعيش على الشعارات  والاستنكارات والبيان والتصريحات وحدها .

والشعب الذي يريد مستقبلًا أفضل لا يمكن أن يكتفي بسؤال من يحكم ، بل يجب أن يسأل أيضًا :

(  كيف حَكَم ) ؟

( وماذا أنجز ) ؟

( وماذا ترك خلفه ) ؟

ولا أحد مستثنى من الحساب

ولأننا نتحدث عن محاسبة ديمقراطية حقيقية ، فلا ينبغي أن تكون هناك قائمة استثناءات .

لا أحد فوق المساءلة .

لا أحد يملك حصانة أبدية .

لا أحد يستطيع أن يقول إن تاريخه يعفيه من تقييم حاضره .

ولا أحد ينبغي أن يخشى من المحاسبة إذا كان واثقًا من عمله وإنجازه .

فالذي ينجح سيجد في صندوق الاقتراع اعترافًا بإنجازه ، والذي يفشل سيجد فيه رسالة واضحة من الناس والشعب .

وهكذا يصبح الصندوق أداة تصحيح ، لا أداة انتقام .

ويصبح التغيير وسيلة لحماية الحياة السياسية من الجمود ، لا وسيلة لهدمها .

صندوق المحاسبة لا صندوق الانتقام

ربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن نفهم الفرق بين المحاسبة والانتقام .

الانتقام يريد أن يهدم .

أما المحاسبة فتريد أن تصلح وتصحيح .

الانتقام ينظر إلى الماضي بعين الغضب .

أما المحاسبة فتنظر إلى الماضي لتتعلم منه وتبني المستقبل .

ولهذا فإن ( إسقاط الفشل ) ، انتخابيًا لا يعني (  إسقاط الوطن )  ، وتغيير الأشخاص لا يعني تغيير الانتماء للوطن ، ومراجعة التجربة لا تعني التنكر  للتاريخ .

بل ربما يكون العكس هو الصحيح .

أحيانًا يكون أقوى أشكال الوفاء للوطن أن نقول بوضوح : هذا لم يعد يصلح ، وهذا يحتاج إلى تغيير . ونتصالح ما الذات

المواطن أولًا … والوطن فوق الجميع

هذه الانتخابات يجب ألا تكون اختبارًا للناخب وحده ، بل اختبارًا لكل من يطلب ثقته .

فمن حق المواطن أن يسأل ، ومن حقه أن يقارن ، ومن حقه أن يرفض ، ومن حقه أن يغيّر .

ومن حقه قبل كل ذلك ، أن يشعر أن صوته له قيمة ، وأن ورقته قادرة على إحداث فارق  .

فالسياسة التي لا تسمع المواطن تفقد معناها ، والقيادة التي لا تقبل المساءلة تفقد جزءًا من شرعيتها ، والانتخابات التي لا تتيح للناس محاسبة من أخفق تتحول إلى مجرد إجراء شكلي ومهرجان فوضوي  .

لذلك ، ربما آن الأوان لأن نتعامل مع صندوق الاقتراع باعتباره صندوقًا للمحاسبة قبل أن يكون صندوقًا للاختيار .

فلا أحد ينبغي أن يخاف من صوت المواطن إذا كان قد أدى واجبه وما عليه تجاه المواطن والوطن .

ولا أحد ينبغي أن يطلب من المواطن أن ينسى سنوات الفشل لمجرد أن الانتخابات قد جاءت واستحقت .

الناخب لا ينسى .

لكنه أيضًا لا ينتقم .

إنه يحاسب .

وهنا تكمن قوة الديمقراطية .

الرسالة الأهم

في يوم الانتخابات ، لن تكون هناك حاجة إلى الصراخ ، ولا إلى التخوين ، ولا إلى تبادل الاتهامات .

ستكون هناك ورقة صغيرة ، ويد مواطن ،  وعقل وقرار هادئ  خلف ستارة الاقتراع .

وفي تلك اللحظة ، لا يعود السؤال : من الأقوى ؟

ولا : من الأكثر ضجيجًا ؟

ولا : من يملك أطول تاريخ أو أكثر الشعارات ؟

السؤال يصبح ببساطة :

من يستحق ثقتي ؟

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع :

هذه المرة ، ( الشعب الفلسطيني ) هو الذي سينتخب ، لا تنظيم ، ولا حزب ، ولا تكتل بعينه .

سيذهب المواطن إلى الصندوق حاملًا تجربته وهمومه وطموحه وأمانيه ، وذاكرته ، وآماله ، وخيباته، وحاجته إلى مستقبل أفضل له ولابناءه ولحريته  .

سيمنح صوته لمن يرى أنه يستحقه ، وسيحجب صوته عمن يرى أنه أخفق .

وهذه ليست خيانة لأحد ، ولا انتقامًا من أحد ولا تنكر لاحد او جهه .

إنها ممارسة لحق أصيل .

لا أحد فوق إرادة الناخب ، ولا أحد خارج دائرة المحاسبة ، ولا أحد يملك الوطن وحده فالوطن للجميع ويتسع للجميع وأكبر من الجميع .

فالوطن لا يُعاقَب عندما نغيّر من أخفقوا ، والوطن لا يسقط عندما نحاسب المقصرين .

الذي يجب أن يسقط هو ( الفشل )  ، لا  ( الوطن ) والذي يجب أن ينتصر هو ( المواطن ) ، لا ( التنظيمات ) ولا الأشخاص .

والذي يجب أن يحكم في النهاية هو صوت الناس .

وعندما يتحدث صندوق الاقتراع ، ينبغي أن نصغي جميعًا .

لأن الديمقراطية لا تكتمل يوم نمنح أصواتنا فقط ، بل تكتمل يوم نمتلك الشجاعة لأن نحاسب بأصواتنا من أخفق ، أيًّا كان اسمه ، وأيًّا كان موقعه ، وأيًّا كان تاريخه .

ففي صندوق الاقتراع لا توجد حصانة دائمة ، ولا أسماء فوق الحساب ، هناك مواطن وورقة ، وبينهما قرار قد يغيّر المشهد كله .

وهذه المرة ، حينما  يتحدث الشعب الفلسطيني ، ينبغي على الجميع أن يسمع .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...