الناخب لا ينسى … وصندوق الاقتراع لا يجامل
الكاتب: إبراهيم الحافي
ليست الانتخابات القادمة مجرد موعد جديد نذهب فيه إلى صناديق الاقتراع لنختار أسماءً نعرفها أو وجوهًا اعتدنا رؤيتها ، وليست مناسبة لتجديد الولاءات أو إعادة إنتاج المشهد نفسه بالوجوه والشعارات ذاتها .
الانتخابات، في جوهرها ، لحظة مراجعة وتقيم وقرار .
لحظة يتوقف فيها المواطن قليلًا عن الاستماع إلى ما يُقال له ، ويبدأ في سؤال نفسه : ماذا حدث ؟ ماذا تحقق ؟ ماذا لم يتحقق ؟ من نجح ؟ من أخفق ؟ من تحمل المسؤولية ؟ ومن بقي في موقعه رغم الفشل ؟
لكن هذه المرة تحديدًا ، هناك ما يجعل المشهد مختلفًا .
هذه المرة ، لن يكون الناخب الفلسطيني مطالبًا بأن يصوّت لتنظيم أو حزب أو تكتل بعينه ، هذه المرة سيكون الشعب الفلسطيني هو صاحب القرار .
سيذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع لا ليجدد ولاءً ، وإنما ليمنح ثقته ، ولا ليكرر الماضي ، وإنما ليحاسبه ويختار للمستقبل .
وهنا تحديدًا تبدأ أهمية
(صندوق المحاسبة ) .
فصندوق الاقتراع ليس مجرد مكان نضع فيه ورقة تحمل اسمًا او رقما أو قائمة ، وإنما هو المساحة التي يستطيع فيها المواطن أن يقول كلمته بحرية ، وأن يمنح ثقته لمن يرى أنه يستحقها ، وأن يحجبها عمن يرى أنه لم يكن على مستوى المسؤولية .
( ليست محاسبة انتقامية )
المحاسبة التي نتحدث عنها ليست دعوة إلى الانتقام من أحد ، ولا إلى تصفية الحسابات ، ولا إلى إلغاء تاريخ أحد أو إنكار ما قدمه .
على العكس تمامًا .
نحن نتحدث عن محاسبة ديمقراطية تحفظ للجميع حقهم في التقييم ، لكنها تحفظ للمواطن أيضًا حقه الكامل في أن يقول : هذا نجح فأكافئه ، وهذا أخفق فلا أجدد له الثقة .
فالانتخابات ليست شهادة حسن سلوك دائمة ، والتاريخ مهما كان مهمًا لا يمكن أن يكون شيكًا مفتوحًا للمستقبل .
من خدم الناس وأصاب يستحق التقدير ، ومن أخطأ وتعلم من خطئه وقدم ما يثبت قدرته على التصحيح يستحق فرصة أخرى .
أما من تراكم فشله ، واستمر تقصيره وعدم مبالاته ، وبقيت النتائج بعيدة عن تطلعات الناس ، فمن حق المواطن أن يقول له عبر صندوق الاقتراع : شكرًا ، لكننا نريد ان نغيرك .
وهذه ليست إساءة لأحد ولا لتنظيم بعينه ولا لتحالفا باسمه .
هذه هي الديمقراطية.
لا أحد فوق ورقة الاقتراع
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى حصانة ، أو يتحول التاريخ إلى إعفاء دائم من المسؤولية ، أو يصبح الولاء أقوى من الحقيقة والوطن .
عندها يفقد صندوق الاقتراع معناه .
المواطن لا ينبغي أن يصوت لأنه خائف ، ولا لأنه معتاد ، ولا لأنه يشعر أن عليه واجبًا تجاه هذا الطرف أو ذاك ، وإنما لأنه مقتنع بأن من يمنحه صوته قادر على تمثيله والدفاع عن مصالحه وتحمل المسؤولية أمامه .
فمن يطلب ثقة الناس عليه أن يقبل أيضًا حق الناس في سحب هذه الثقة والمحاسبه ويحترم عقول شعبه .
ومن يريد أن يتقدم إلى موقع المسؤولية عليه أن يعرف أن الموقع ليس مكافأة شخصية ولا تنظيميه ولا حزبيه ، وإنما تكليف ، وأن التكليف لا ينفصل عن الحساب والثواب والعقاب .
الناخب لا ينسى… وصندوق الاقتراع لا يجامل .
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن نحمله معنا إلى الانتخابات القادمة .
من ( لمن ننتمي ) ؟
إلى ( من يستحق ثقتنا ) ؟
ربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن ننتقل من سؤال : ( من معنا ) ؟
إلى سؤال أكثر أهمية :
( من يستحق ثقتنا ) ؟
ومن سؤال : ( لمن ننتمي ) ؟
إلى سؤال : ( ماذا قدم من منحناه ثقتنا ) ؟
ومن سؤال : ( من نؤيد ) ؟
إلى سؤال : ( من يستطيع أن يقدم لنا وللوطن مستقبلًا أفضل ) ؟
هذه النقلة في التفكير ضرورية إذا أردنا انتخابات حقيقية لا مجرد عملية لإعادة تدوير الواقع والأسماء والأحزاب والتنظيمات .
فالمواطن الذي يبحث عن عمل ، ولقمة عيش كريمه ، ويريد تعليمًا ومستقبلا أفضل لأبنائه ، ورعاية صحية كريمة ، وأمنًا اجتماعيًا ، واقتصادا ناجحا ، وعدالة ، وحقوقًا مدنية ، وحياة تحفظ كرامته وحريه في تنقله وسفره ، واطمئنا على روحه وابناءه وأملاكه ، ويعيش بلا ازمات دائمه ومتتاليه ، لا يستطيع أن يعيش على الشعارات والاستنكارات والبيان والتصريحات وحدها .
والشعب الذي يريد مستقبلًا أفضل لا يمكن أن يكتفي بسؤال من يحكم ، بل يجب أن يسأل أيضًا :
( كيف حَكَم ) ؟
( وماذا أنجز ) ؟
( وماذا ترك خلفه ) ؟
ولا أحد مستثنى من الحساب
ولأننا نتحدث عن محاسبة ديمقراطية حقيقية ، فلا ينبغي أن تكون هناك قائمة استثناءات .
لا أحد فوق المساءلة .
لا أحد يملك حصانة أبدية .
لا أحد يستطيع أن يقول إن تاريخه يعفيه من تقييم حاضره .
ولا أحد ينبغي أن يخشى من المحاسبة إذا كان واثقًا من عمله وإنجازه .
فالذي ينجح سيجد في صندوق الاقتراع اعترافًا بإنجازه ، والذي يفشل سيجد فيه رسالة واضحة من الناس والشعب .
وهكذا يصبح الصندوق أداة تصحيح ، لا أداة انتقام .
ويصبح التغيير وسيلة لحماية الحياة السياسية من الجمود ، لا وسيلة لهدمها .
صندوق المحاسبة لا صندوق الانتقام
ربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن نفهم الفرق بين المحاسبة والانتقام .
الانتقام يريد أن يهدم .
أما المحاسبة فتريد أن تصلح وتصحيح .
الانتقام ينظر إلى الماضي بعين الغضب .
أما المحاسبة فتنظر إلى الماضي لتتعلم منه وتبني المستقبل .
ولهذا فإن ( إسقاط الفشل ) ، انتخابيًا لا يعني ( إسقاط الوطن ) ، وتغيير الأشخاص لا يعني تغيير الانتماء للوطن ، ومراجعة التجربة لا تعني التنكر للتاريخ .
بل ربما يكون العكس هو الصحيح .
أحيانًا يكون أقوى أشكال الوفاء للوطن أن نقول بوضوح : هذا لم يعد يصلح ، وهذا يحتاج إلى تغيير . ونتصالح ما الذات
المواطن أولًا … والوطن فوق الجميع
هذه الانتخابات يجب ألا تكون اختبارًا للناخب وحده ، بل اختبارًا لكل من يطلب ثقته .
فمن حق المواطن أن يسأل ، ومن حقه أن يقارن ، ومن حقه أن يرفض ، ومن حقه أن يغيّر .
ومن حقه قبل كل ذلك ، أن يشعر أن صوته له قيمة ، وأن ورقته قادرة على إحداث فارق .
فالسياسة التي لا تسمع المواطن تفقد معناها ، والقيادة التي لا تقبل المساءلة تفقد جزءًا من شرعيتها ، والانتخابات التي لا تتيح للناس محاسبة من أخفق تتحول إلى مجرد إجراء شكلي ومهرجان فوضوي .
لذلك ، ربما آن الأوان لأن نتعامل مع صندوق الاقتراع باعتباره صندوقًا للمحاسبة قبل أن يكون صندوقًا للاختيار .
فلا أحد ينبغي أن يخاف من صوت المواطن إذا كان قد أدى واجبه وما عليه تجاه المواطن والوطن .
ولا أحد ينبغي أن يطلب من المواطن أن ينسى سنوات الفشل لمجرد أن الانتخابات قد جاءت واستحقت .
الناخب لا ينسى .
لكنه أيضًا لا ينتقم .
إنه يحاسب .
وهنا تكمن قوة الديمقراطية .
الرسالة الأهم
في يوم الانتخابات ، لن تكون هناك حاجة إلى الصراخ ، ولا إلى التخوين ، ولا إلى تبادل الاتهامات .
ستكون هناك ورقة صغيرة ، ويد مواطن ، وعقل وقرار هادئ خلف ستارة الاقتراع .
وفي تلك اللحظة ، لا يعود السؤال : من الأقوى ؟
ولا : من الأكثر ضجيجًا ؟
ولا : من يملك أطول تاريخ أو أكثر الشعارات ؟
السؤال يصبح ببساطة :
من يستحق ثقتي ؟
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع :
هذه المرة ، ( الشعب الفلسطيني ) هو الذي سينتخب ، لا تنظيم ، ولا حزب ، ولا تكتل بعينه .
سيذهب المواطن إلى الصندوق حاملًا تجربته وهمومه وطموحه وأمانيه ، وذاكرته ، وآماله ، وخيباته، وحاجته إلى مستقبل أفضل له ولابناءه ولحريته .
سيمنح صوته لمن يرى أنه يستحقه ، وسيحجب صوته عمن يرى أنه أخفق .
وهذه ليست خيانة لأحد ، ولا انتقامًا من أحد ولا تنكر لاحد او جهه .
إنها ممارسة لحق أصيل .
لا أحد فوق إرادة الناخب ، ولا أحد خارج دائرة المحاسبة ، ولا أحد يملك الوطن وحده فالوطن للجميع ويتسع للجميع وأكبر من الجميع .
فالوطن لا يُعاقَب عندما نغيّر من أخفقوا ، والوطن لا يسقط عندما نحاسب المقصرين .
الذي يجب أن يسقط هو ( الفشل ) ، لا ( الوطن ) والذي يجب أن ينتصر هو ( المواطن ) ، لا ( التنظيمات ) ولا الأشخاص .
والذي يجب أن يحكم في النهاية هو صوت الناس .
وعندما يتحدث صندوق الاقتراع ، ينبغي أن نصغي جميعًا .
لأن الديمقراطية لا تكتمل يوم نمنح أصواتنا فقط ، بل تكتمل يوم نمتلك الشجاعة لأن نحاسب بأصواتنا من أخفق ، أيًّا كان اسمه ، وأيًّا كان موقعه ، وأيًّا كان تاريخه .
ففي صندوق الاقتراع لا توجد حصانة دائمة ، ولا أسماء فوق الحساب ، هناك مواطن وورقة ، وبينهما قرار قد يغيّر المشهد كله .
وهذه المرة ، حينما يتحدث الشعب الفلسطيني ، ينبغي على الجميع أن يسمع .



