الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:42 AM
الظهر 12:42 PM
العصر 4:20 PM
المغرب 7:21 PM
العشاء 8:41 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الانتخابات التشريعية الفلسطينية: أسئلة مشروعة قبل صندوق الاقتراع

الكاتب: د. محمد عودة

ليس من باب الطعن في الانتخابات أو التشكيك في مشروعيتها نطرح التساؤلات التي تراود الكثيرين، إنما من باب الحرص على أن تكون هذه الانتخابات بعد هذا الغياب الطويل، أكثر قدرة على استعادة الثقة بالعملية الديمقراطية ومؤسساتها، وهي أسئلة من حق المواطن أن يجد لها إجابات واضحة، كما أن من واجبنا أن نضعها أمام أصحاب القرار قبل الوصول إلى يوم الاقتراع؛ حتى تأتي انتخابات اضافة الى استنادها إلى أساس دستوري وقانوني واضح،ان تكون شاملة لجميع الفلسطينيين، وقادرة على إنتاج شرعية تحظى بأوسع قدر ممكن من القبول الوطني.

تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مرحلة مختلفة عن كل ما سبقها منذ انتخابات عام 2006. فالمسألة لم تعد مجرد العودة إلى صناديق الاقتراع بعد نحو عشرين عامًا، وإنما أصبحت اختبارًا دستوريًا وسياسيًا لمدى قدرة الانتخابات على إعادة إنتاج مجلس تشريعي يمثل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس تمثيلًا حقيقيًا وشاملًا،من حيث المبدأ، لا خلاف على ضرورة العودة إلى الانتخابات، حيث أن الانتخابات الدورية تمثل استحقاقًا دستوريًا طال تعطيله، ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تفعيل المجلس التشريعي ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة لإعادة الحياة إلى المؤسسات الدستورية وإنهاء حالة الفراغ التي استمرت سنوات طويلة.

لكن هذه الضرورة تقودنا إلى سؤال حسّاس، ما هي حدود السلطة الاستثنائية التي استخدمت لتعديل قانون الانتخابات؟ فالمادة 43 من القانون الأساسي تمنح الرئيس صلاحية إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير، على أن تعرض هذه القرارات على المجلس في أول جلسة يعقدها، أي أن الدستور أجاز الاستثناء، لكنه لم يحوله إلى قاعدة دائمة، فالضرورة هي التي تبرر استخدام هذه الصلاحية، وليس مجرد غياب المجلس التشريعي.

وهنا يبرز السؤال الملح: ما الذي تغير في الفترة بين الإعلان السابق والحالي؟ وما الذي استدعى تعديل قواعد الانتخاب ؟ لقد شهد قانون الانتخابات تعديلات متقاربة زمنيًا، شملت عدد أعضاء المجلس وشروط الترشح وتمثيل المرأة وسن الترشح ،الكوتات وغيرها من القواعد، ثم جرى التراجع عن بعض هذه التعديلات والإبقاء على بعضها الآخر، ليس بالضرورة أن التعديلات غير دستورية، لكن قانون الانتخابات يختلف عن سائر القوانين؛ لأنه يحدد قواعد الوصول إلى السلطة، ولذلك يحتاج إلى قدر عالٍ من الاستقرار والوضوح والتوافق.

ومن هنا فإن السؤال الدستوري لا يقتصر على صلاحية إصدار القرار بقانون، وإنما يمتد إلى ضرورة كل تعديل وتوقيته ومدى تناسبه مع حالة الضرورة، فإذا كانت الضرورة تبرر استخدام السلطة الاستثنائية بهدف الوصول إلى انتخابات تعيد المجلس التشريعي، فإن استمرار تغيير قواعد الانتخابات أو تعديلها في فترة قريبة من الاقتراع يحتاج إلى تفسير واضح ومقنع، حتى لا تتحول السلطة الاستثنائية من وسيلة للخروج من الفراغ الدستوري إلى بديل دائم عن السلطة التشريعية.

غالبية التعديلات فيها جوانب إيجابية، مثل خفض سن الترشح وتعزيز تمثيل المرأة وتوسيع فرص المشاركة السياسية،الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، لكن بعض الشروط المتعلقة بالالتزام بالشرعية الدوليةالتي لم تستطع حماية اكثر من عشرين الف طفل في غزة من القتل،والتي لم تستطع منع المستوطنين من العربدة والقتل في الضفة الغربية ولم تستطع حتى حماية مؤسسات الامم المتحدة ،هذه الشروط تفتح نقاشًا حول التوازن بين حماية الإطار الوطني للنظام السياسي وبين ضمان الحق في الترشح والمشاركة السياسية، فالانتخابات يفترض أن تكون مجالًا لاختبار مواقف القوى أمام الناخبين، لا أن تتحول القيود القانونية إلى وسيلة لاستبعاد فئات سياسية إلا بناءً على مبررات دستورية واضحة ومتناسبة.

وينطبق ذلك أيضًا على القيود المفروضة على ترشح الموظفين العموميين. فحماية حياد الوظيفة العامة ومنع استخدام النفوذ أو موارد الدولة في المنافسة الانتخابية هدف مشروع، لكن تحقيقه لا يستلزم بالضرورة التعامل مع جميع موظفي الدولة باعتبارهم في موقع واحد من حيث القدرة على التأثير، فهناك فرق بين الموظف العام الذي يؤدي وظيفة إدارية أو فنية ولا يملك نفوذًا سياسيًا أو مؤسسيًا واسعًا، وبين شاغلي المواقع العليا التي تملك سلطة مباشرة أو تأثيرًا على أجهزة الدولة أو مواردها، مثل رؤساء الأجهزة، والوزراء، والوكلاء، والمديرين العامين، والمحافظين، ورؤساء قطاعات الأجهزة في المحافظات، ومن يشغلون مواقع مماثلة من حيث النفوذ والصلاحيات.

وفي مثل هذه الحالات يمكن تبرير قيود أكثر صرامة، بل اشتراط الاستقالة أو إنهاء العلاقة الوظيفية، منعًا لاستغلال السلطة أو النفوذ أو الموارد العامة في العملية الانتخابية، أما تعميم الشرط على أعداد كبيرة من الموظفين الذين لا يملكون مثل هذا التأثير، فقد يثير استيائهم ومن ثم عائلاتهم، إذ يمكن حماية حياد الوظيفة العامة بوسائل أقل تقييدًا، كالإجازة أو تعليق الوضع الوظيفي خلال فترة الترشح والعضوية.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا أخذناها من زاوية اجتماعية. فإذا افترضنا، لأغراض النقاش فقط، وجود نحو 170 ألف موظف في الضفة الغربية، وافترضنا موظفًا واحدًا في كل أسرة ومتوسط ستة أفراد للأسرة، فإن أثر القيد قد يمتد نظريًا إلى أكثر من مليون شخص. وهذا لا يعني أن مليون شخص محرومون مباشرة من حق الترشح، وإنما يوضح أن تقييد ترشح الموظفين قد تكون له آثار اجتماعية واقتصادية واسعة، ولذلك فإن السؤال الدستوري ليس فقط: هل يجوز حماية حياد الوظيفة العامة؟ وإنما أيضًا: هل جرى اختيار الوسيلة الأكثر تناسبًا لتحقيق هذه الغاية، وهل كان من الضروري أن تشمل القيود جميع الموظفين أم كان يمكن حصرها في الوظائف التي تمنح أصحابها نفوذًا مؤثرًا في الانتخابات؟

أما التحدي الأكبر فيبقى شمول الانتخابات للأرض الفلسطينية كلها، فالمرسوم الرئاسي دعا إلى انتخابات تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وهو أمر ضروري لاكتمال التمثيل الوطني. لكن النص على مشاركة المناطق الثلاث لا يكفي وحده؛ فالمعيار الحقيقي هو قدرة الفلسطينيين فيها على ممارسة حقهم الانتخابي بصورة فعلية وحرة ومتساوية.

في قطاع غزة، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا بسبب الظروف السياسية والأمنية والميدانية، فوجود نص قانوني يضمن مشاركة القطاع لا يعني تلقائيًا إمكانية إجراء الاقتراع فيه،خاصة وان السجل المدني غير محدث هناك وليس من السهل تحديثة،اضافة الى العقابات اللوجستية الناتجة عن الاحتلال لما يزيد عن 70% من القطاع، وإذا تعذر على جزء كبير من سكان غزة ممارسة حقهم الانتخابي، فستبرز مسألة جوهرية تتعلق بشرعية المجلس الناتج عن انتخابات لم يتمكن جزء أساسي من الشعب من المشاركة فيها. ولذلك ينبغي أن تكون هناك معالجة واضحة ومسبقة لأي احتمال يتعلق بتعذر الاقتراع في جزء من القطاع.

أما القدس، فالقضية تحمل بعدًا سياسيًا وقانونيًا يتجاوز الجانب الإجرائي. إدراج القدس في المرسوم الانتخابي يؤكد مكانتها في النظام الوطني الفلسطيني، لكن ذلك لا يكفي إذا لم يتمكن المقدسيون من ممارسة حقهم في الترشح والاقتراع بحرية ومساواة، ولذلك فإن مشاركة القدس يجب ألا تكون مجرد إعلان سياسي، بل ممارسة انتخابية فعلية، لأن استبعادها أو تقييدها بصورة واسعة سيؤثر في اكتمال التمثيل الوطني،واجرائها لاهل القدس خارجها قد يفهم كانه تخلي.

ومن هنا ينبغي التمييز بين دستورية العملية الانتخابية واكتمال شرعيتها، فقد تكون الدعوة إلى الانتخابات مستندة إلى أساس قانوني، وقد تكون إجراءات لجنة الانتخابات سليمة، لكن الشرعية الوطنية تظل ناقصة إذا حُرم جزء من الفلسطينيين من المشاركة أو تعذر إجراء الانتخابات في جزء من الإقليم أو لم تُحترم النتائج بعد إعلانها.

وعليه، فإن الانتخابات القادمة تمثل فرصة ومخاطرة في آن واحد،هي فرصة لإعادة المجلس التشريعي إلى الحياة، وتجديد النخب السياسية، وتوسيع المشاركة، واستعادة مبدأ التداول الديمقراطي، لكنها قد تفقد جزءًا من قيمتها إذا بقيت قواعدها عرضة للتغيير، أو فُرضت قيود غير متناسبة على حق الترشح، أو تعذر إشراك غزة والقدس، أو لم يكن هناك توافق على احترام نتائجها.

في المحصلة، لا ينبغي اختزال السؤال في: هل الانتخابات دستورية ؟ بل ينبغي طرح مجموعة مترابطة من الأسئلة: هل استُخدمت السلطة الاستثنائية في إطار الضرورة التي حددها القانون الأساسي؟ هل قواعد الانتخابات مستقرة وعادلة؟ هل القيود على الترشح ضرورية ومتناسبة؟ وهل يستطيع الفلسطينيون في الضفة وغزة والقدس المشاركة بصورة متساوية؟ وهل ستُحترم النتائج؟

لهذا فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد استحقاق زمني أو إجراء قانوني، وإنما فرصة لإعادة بناء الثقة بالعملية السياسية ومؤسساتها. فالتحدي الحقيقي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر ليس فقط فتح صناديق الاقتراع، وإنما أن يكون الصندوق قادرًا على إنتاج مجلس يمثل الفلسطينيين جميعًا. فإذا نجحت الانتخابات في الجمع بين الضرورة الدستورية، واستقرار القانون، وعدالة شروط الترشح، وشمول الضفة وغزة والقدس، وقبول النتائج، فإنها قد تشكل نقلة نوعية في النظام السياسي الفلسطيني. أما إذا جرت مع استثناء جغرافي أو سياسي أو قيود غير متناسبة، فقد تتحول من وسيلة لاستعادة الشرعية إلى عامل خلاف وانقسام جديد يضاف إلى ما هو قائم. ومن هنا، فإن ترك الأسئلة المشروعة المطروحة اليوم بلا إجابات واضحة قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع قد يضع انتخابات نوفمبر أمام مفترق خطير، لا يتعلق فقط بسلامة إجراءاتها، وإنما بقدرتها على إنتاج الشرعية الوطنية التي ينتظرها الفلسطينيون.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...