إِسْرائيلْ لم تكن بحاجة لِإلهام مِن بيزمينوڤ في عدوانها على فلسطين إلا أنها فعلت
الكاتب: د. محمد عودة
في عالم تتطور فيه صراعات القوة وتتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية، تبرز الحرب النفسية والإعلامية كأحد أخطر التهديدات التي تواجه استقرار الدول واستمرارية كياناتها. ولعل من أبرز من فككوا خوارزميات هذا التهديد الاستراتيجي ضابط الاستخبارات السوفيتي السابق يوري بيزمينوف، الذي قدم في أطروحاته عام 1984 نموذجاً فكرياً استثنائياً يُعرف بالتخريب الإيديولوجي.
ويقوم هذا المفهوم على التسلل بهدوء إلى عقل الشعب المستهدف لإعادة هندسة إدراكه للواقع، وتفكيك مناعته الداخلية خطوة بخطوة، دون الحاجة إلى خوض مواجهة عسكرية مباشرة أو تكبد خسائر مادية فادحة في الأرواح والعتاد. وهو نموذج يبدو واضحاً حين يُسقط على استراتيجيات السيطرة الاستعمارية التي تستهدف الوعي والإرادة الجماعية للشعوب، كما يحدث في الواقع الفلسطيني المأزوم في مواجهة حرب تدمير الوعي.
هذه العملية المعقدة والبالغة الدقة لا تحدث عبر ضربة خاطفة وسريعة، بل تُدار كمسار طويل الأمد وبطء منهجي يهدف تدريجياً إلى إعادة صياغة مفاهيم الشعب الأساسية تجاه التاريخ والأخلاق والمجتمع. وحين تنقلب المفاهيم وتفقد الدولة أو الكيانات الوطنية مناعتها الفكرية والنفسية الطبيعية، تصبح عاجزة كلياً عن الدفاع عن نفسها أو تقييم المخاطر الاستراتيجية بموضوعية. وتتوزع هذه الاستراتيجية الشاملة على أربع مراحل أساسية ومتداخلة، تفضي كل مرحلة منها إلى نتائج تراكمية خطيرة تمهد الطريق حتمياً للمرحلة التي تليها وصولاً إلى مرحلة الهيمنة الكاملة وإحكام السيطرة على العقول والإرادات
تبدأ السلسلة الاستراتيجية بالمرحلة الأولى والأطول أمداً، وهي مرحلة "إفساد الروح المعنوية والتدمير المعنوي"، والتي تستغرق أعواماً طويلة؛ وهي الفترة الكفيلة بنضوج جيل جديد وتربيته على مفاهيم مشوهة بعيدة عن الجذور الحقيقية للمجتمع. يتركز الهدف الجوهري لهذه المرحلة على إعادة تشكيل القيم الأساسية والمواقف والعقليات السائدة، عبر اختراق ركائز المجتمع الحيوية والحساسة كالتعليم، والإعلام، والدين، والثقافة، ومؤسسات إنفاذ القانون، بحيث تتحول هذه الأدوات من حواضن لحماية الهوية إلى أدوات لهدمها.
وينعكس ذلك بشكل مكثف في الاعتماد على غرس رواية بديلة وتشكيك المواطن في روايته التاريخية، حيث تعتمد الحرب النفسية على تفكيك الرواية الفلسطينية التاريخية حول الأرض واللجوء والحق مقابل الترويج لروايات تهدف لشرعنة الاحتلال وتطبيع الوجود الاستيطاني لتلغي الحصانة الفكرية والوطنية للفرد. يتم تحقيق ذلك عبر الترويج المنظم والممنهج للنسبية الأخلاقية، وتأجيج الشكوك العميقة تجاه القيم والمقدسات التقليدية، وافتعال الصراعات والتوترات الداخلية المستمرة عبر تعميق الانقسام الفلسطيني وتفكيك الجبهة الداخلية.
إذ يُعد الحفاظ على الانقسام الجغرافي والسياسي وتعميقه ركيزة أساسية لضرب المناعة الوطنية، فعبر هندسة سياسات تفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية وتغذية الخلافات السياسية والفصائلية، يتم إبقاء المجتمع في حال صراع داخلي يمنع أي توافق وطني ويشتت الجهود، مما يخلق جيلاً عاجزاً تماماً عن التمييز بين الحق والباطل.
مع نضوج النتائج السلبية والعميقة للمرحلة الأولى وصعود الأجيال المتأثرة بها والتي تشربت هذا التآكل المعنوي إلى مواقع التأثير وصنع القرار، تنتقل العملية تدريجياً إلى المرحلة الثانية المتمثلة في "زعزعة الاستقرار"، والتي تحتاج إلى سنوات من الضغط المتواصل والمكثف.
تستهدف هذه المرحلة بشكل مباشر شريان الحياة الاقتصادي والعلاقات الخارجية، ويرافقها السعي لإيجاد هياكل بديلة عن المؤسسات الوطنية (مثل: العشائر، ومنظمات المجتمع المدني البديلة وليست المكملة، وبعض الأحزاب والجماعات كأطراف موازية وليست مكملة) سعياً لتفتيت الولاء العام وإعادة المجتمع إلى الولاءات الضيقة والمحلية. وتتكامل هذه الضغوط مع إفقاد المواطن الثقة بالمؤسسات الرسمية؛ فمن خلال الأزمات الاقتصادية واقتحامات المدن وإظهار عجز السلطة عن تلبية أبسط احتياجات الناس، يتآكل كيان المواطن السياسي ليقتنع بأن مؤسساته غير جديرة بالثقة، وينتشر التشكيك الممنهج في جدوى الدولة برمتها.
تتوج هذه التراكمات السلبية في المرحلة الثالثة، والمعروفة بمرحلة الأزمة، والتي تمتد لفترة متوسطة وحاسمة، حيث تتفجر تدريجياً لتحدث نقطة الانهيار الفعلي والذروة في إنجاز التخريب والتآكل السابق.
في هذه المرحلة الحرجة، تفقد الدولة وكافة مؤسساتها الحيوية كالقضاء والأجهزة الأمنية والإدارة التنفيذية قدرتها التامة على أداء وظائفها الأساسية وحفظ الأمن العام، لتصبح مجرد هياكل فارغة نسبياً من أي محتوى حقيقي أو قدرة فعليّة على التأثير. وتشهد هذه المرحلة شللاً متزايداً في السلطات، وتآكلاً دراماتيكياً للثقة في إنفاذ القانون، مما يدفع الأفراد إلى اللجوء للأمن الذاتي والروابط الضيقة، فضلاً عن تعطل الأسواق وحياة الناس، وخلق فراغ سلطة تدريجي ومخيف يمهد الطريق بالكامل للفرض القسري للحلول الاستعمارية وتكريس الاستسلام.
تختتم هذه السلسلة الاستراتيجية بالمرحلة الرابعة والأخيرة التي تُعرف بمرحلة التأقلم، وهي مرحلة ذات صبغة دائمة ومستمرة تهدف إلى تأسيس وضع مرجعي جديد ومحكوم بقبضة حديدية صارمة. ورغم أن حالة التعود والتعامل مع الواقع الجديد بصفتها أمراً واقعاً توحي ظاهرياً وبشكل مخادع بالاستقرار والهدوء، إلا أنها تمثل في جوهرها الانقلاب التام والنهائي على الحرية والتعددية.
حيث تسعى الاستراتيجية عبر هذه الوسائل إلى هندسة "الإنسان المهزوم نفسياً"، بحيث يتشكل الفلسطيني في كل تفاصيل حياته بالشكل الذي يخدم استمرار الاحتلال من خلال أهداف محددة تشمل: فقدان القدرة على دحر الاحتلال عبر إقناع الفرد بأن ميزان القوى مختل وأن المقاومة مستحيلة وعبثية، وفقدان الثقة في المؤسسات وتحويلها لهياكل فارغة وعاجزة، واليأس من العمل الجماعي والوطني بدفع الأفراد نحو الفردية المفرطة والبحث عن النجاة الشخصية، والتشكيك في المعتقدات بما فيها الدينية لضرب منظومة القيم والأخلاق التي تشكل صمام الأمان الأخير لهوية المجتمع وصموده، بغية استسلام المجتمع من داخله.
وفي هذه المرحلة، يُفرض النظام الجديد بالقوة الغاشمة والتعسفية، ويُفعل جهاز أمني ثقيل ومسيطر على مفاصل الحياة كافة. وتتجسد المفارقة التاريخية في قيام النظام الجديد بالتخلص المنهجي والتصفية أو التهميش التام لـ "الأغبياء المفيدين" (أي النشطاء والراديكاليين والجهات التي ساهمت بنشاط في تسهيل مراحل التخريب الأولى) بمجرد أن يرسخ السيطرة المطلقة على السلطة والمجتمع.
بهذه الطريقة المنهجية والمتسلسلة والبالغة الدقة، يوضح نموذج بيزمينوف كيف يمكن للمجتمعات الحية والمستهدفة أن تنهار من الداخل تدريجياً عبر تفكيك بنيتها المعنوية والمؤسسية خطوة بخطوة على مدار عقود، لتصبح أهدافاً سهلة ومخترقة بالكامل دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
مما يبرز بوضوح الأهمية القصوى للوعي المؤسسي والاجتماعي والثقافي في الحفاظ على مناعة الدول وصيانة استقرارها أمام شتى أنواع الحروب النفسية والإعلامية الحديثة. إن فهم المنهجية التي تدار بها عمليات التخريب الإيديولوجي يعكس بوضوح أن الحصانة الحقيقية للدول والشعوب لا تقاس فقط بحجم ترساناتها العسكرية أو قوتها الاقتصادية الظاهرة، بل تُستمد أساساً من مناعتها الفكرية والمؤسسية والمجتمعية.
ولصد هذه الحرب النفسية الخفية والوقاية من مخاطرها الجسيمة، تبرز مجموعة من التدابير والاستراتيجيات الضرورية التي تبدأ بتحصين قطاع التعليم وتعزيز التفكير النقدي، عبر بناء مناهج تعليمية تشجع على التحليل المنطقي، وفهم التاريخ الوطني بموضوعية، ورفض التسطيح الفكري والنسبية الأخلاقية المطلقة التي تفتح الباب أمام تشويه الهوية.
إلى جانب ذلك، تتطلب الوقاية حماية استقلالية المؤسسات الحيوية عبر النأي بالمؤسسات الأساسية كالقضاء، والأجهزة الأمنية، والإدارة التنفيذية عن الاستقطاب السياسي الحزبي الضيق، لضمان استمرار قدرتها على أداء وظائفها بكفاءة وحياد تام. كما يتسنى قطع الطريق أمام محاولات التشكيك الممنهج وتآكل ثقة المواطن بدولته وكيانه من خلال رفع مستوى الوعي المجتمعي بآليات التلاعب الإعلامي والشائعات وحروب المعلومات، وتعزيز الشفافية الرسمية في إدارة الشأن العام.
علاوة على ذلك، يمثل ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة وتوسيع مساحات التوافق المجتمعي وتقليص الهوة بين الفئات والطبقات المختلفة عبر العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص صمام أمان حقيقي، لضمان عدم توفر أي بيئة خصبة للاستغلال أو تأجيج الصراعات الداخلية. وتتكامل هذه الجهود بضرورة تعزيز اليقظة الاستراتيجية لرصد وتقييم التهديدات غير التقليدية بشكل استباقي، والانتباه المبكر لتحركات التأثير الخارجي أو الاختراقات الثقافية والفكرية التي تستهدف ركائز المجتمع الأساسية.
بهذه الرؤية المتكاملة والوعي الجمعي المستمر، تستطيع المجتمعات الحفاظ على صلابتها وصيانة استقرارها أمام أخطر أنواع الحروب الحديثة التي تستهدف العقول قبل الأجساد. فالأوطان الحية هي التي تمتلك القدرة الدائمة على التكيف وحماية بنيتها الداخلية من التآكل، وكسر حلقات الاستعباد الفكري والنفسي مهما اشتدت شراسة الاستهداف، وفي الحالة الفلسطينية ستؤدي إلى إفشال المشروع الصهيوني الاستعماري.



