ارباك في المشهد الانتخابي الفلسطيني .. لغة المصالح تتفوق على مصلحة الوطن !!
الكاتب: أحمد صيام
ثلاثة مشاهد سيطرت على الرأي العام المحلي فيما يتعلق بالمشهد الانتخابي الذي يجري التحضير له في فلسطين ، وحالة الارباك التي تشهده ، خاصة في اوساط القواعد الفتحاوية والحمساوية الرسمية والتنظيمية ، خلال الفترة القصيرة الماضية :
اولا : التحالف الذي ذاع صيته بين حركتي حماس والجهاد الاسلامي وفصائل فلسطينية اخرى من جهة ، وبين تيار محمد دحلان من جهة اخرى ، تحالف مصالح مشتركة التقت في قارب واحد ، فرض نفسه ، وسط غياب اخرين اخذتهم العزة بالاثم في رحلة البحث عن الذات !!
ثانيا : اللقاء الذي جمع وفد رسمي من حركة فتح ، طار من رام الله على وجه السرعة ، الى مدينة العلمين المصرية ، برئاسة نائب الرئيس حسين الشيخ ، وعضوية كلا من مدير المخابرات العامة ماجد فرج ورئيس المجلس الوطني روحي فتوح ، وتيار محمد دحلان ، والذي أتى بعد الاعلان عن تشكيل التحالف الاول ، وضمن الجهود المصرية المتواصلة لتوحيد حركة فتح ، حسبما اشارت مصادر محتلفة ، لقاء كان من المفترض ايضا ان يجمع بين الوفد الفتحاوي الرسمي ، ووفد من حركة حماس وربما الجهاد الاسلامي ، الا ان سلطات الاحتلال اعترضت ، حسبما نشرت صحيفة " اسرائيل هيوم " والتي نقلت ايضا ان سكرتير مكتب رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو ، وبخ الشيخ وهدد بمنعه مغادرة رام الله حال الاصرار على اجراء ذلك اللقاء !!
ثالثا : ما ان ذاع نبأ تحالف تيار محمد دحلان وحركة حماس ، وفي الوقت الذي خيم فيه الصمت في القواعد الحمساوية ، سارع فتحاويون محسوبين على القيادة واعضاء من اللجنة المركزية والمجلس الثوري ومنتفعين منهم الى مهاجمته بعنف ، الى درجة اطلاق اسم " تحالف الجرذان " عليه ، ولكن الصادم بالامر ان الابواق ذاتها صمت " صمت القبور" بعد الاعلان عن لقاء قياداتهم وتيار محمد دحلان ، ولم تُذع اي مذمة او انتقاد لهذا اللقاء !!
هذه المشاهد المتسارعة المتناقضة تقودنا الى عدة معطيات في المشهد الانتخابي القادم في الساحة الفلسطينية :
اولا : تحالف دحلان – حماس ، جاء حسبما اشار الجانبين ، بعد تفرد القيادة الفلسطينية بالقرارات وتهميش واقصاء المعظم الوطني من المشهد ، والاصرار على التمسك بزمام الامور الى ما لا نهاية ، فأربك حسابات القيادة الفتحاوية الرسمية ، التي تعيش اساسا في ازمة ، وخاصة بعد المؤتمر الثامن للحركة والذي كان من المفترض ان ياتي ويخرج بمعطيات من شانها توحيد الحركة ، لكن مُدخلاته ومُخرجاته عمقت الازمة ، وكان بمثابة الهروب الى الخلف ، واعاد تشكيل الحركة وفق مقاس المتنفذين بها دون ادنى اكتراث بالكادر الغاضب ، والذي بات يُشكل كما ونوعا لا بأس به في حركة فتح ، لكنه بقي بلا اب يتابع همومه ، ما من شان ذلك ان يفتح الباب على مصراعيه للهروب الى تحالفات اخرى ، وبالرغم من ان هذا التحالف ( دحلان – حماس ) ليس سوى تحالف مصالح ، وتحالف الكيد والتربص للاخر ، ولا منطق فيه ، وربما سرعان ما ينتهي بعد تحقيق الغرض منه ، فعدو الامس بقدرة قادر اصبح حليف اليوم ، والعقلية الفلسطينية بطبيعتها البيئية والبنوية ، لا تتناسى الصراعات الحمراء السابقة بين الجانبين ، ولكن التقت المصالح ، فكما حماس ستكون قارب النجاة لمحمد دحلان وتياره في الضفة الغربية ، سيكون دحلان قارب النجاة لحماس في قطاع غزة ، وما هذا التحالف الا تكتيكا مؤقتا وليس تحالفا حقيقيا ، يريد محمد دحلان منه استعادة نفوذه في غزة عبر الأموال التي سيضخها ، ولا يرغب بأن يكون تابعا ، ومن كل بد سينقلب متى سنحت له الفرصة ، وهو حاليا يُبقي أوراقه طي الكتمان ، متعاونا ظاهريا من أجل المدنيين ، لكنه في النهاية ليس أداة لخدمة حماس ، بل يسعى لتحقيق أغراضه الخاصة ، وعلى الضفة الاخرى حماس ، التي تريد الخروج من مأزقها واعادة ترتيب اوراقها وصفوفها بما يضمن بقاءها ووجودها في السلطة ، ومن هنا التقى الجانبين على قاسم مشترك ، واقتراب اكثر باجماعهما على ضرورة انهاء حالة الاقصاء والتفرد التني تنتهجها قيادة فتح والسلطة والمنظمة والاطاحة ، وهو ما دفع عدد من الكوادرالمحسوبة على القيادة الفتحاوية الرسمية والمنتفعة منها ، الى مهاجمته ، والتطاول باشد العبارات ، على حد وصف احدهم ( تحالف الجرذان ) دون الاخذ بالحسبان ان التحالفات بصرف النظر عن ماضي او حاضر من يقودها ، جائزة بكل الاعراف المتعارف عليها في الساحات الانتخابية .
وفي ضوء ذلك ، وبعد حسابات باحتمالية خسارة المعركة ، ومن دون شك اتت متأخرة ، سارعت قيادة حركة فتح ، الى فتح حوار ربما سيتمخض عنه تحالف او رؤية معينة ، لا تقل في مضمونها وحيثياتها عن التحالف الحمساوي الدحلاني ، والاجتماع بتيار محمد دحلان ، ذلك المفصول من الحركة والذي بات العدو اللدود للرئيس محمود عباس ، والذي يتهمه بالتورط في اغتيال قادة من فتح والسلطة ، وقضايا فساد مالية ، والخيانة ، والتخابر ، وتدمير المؤسسات ، وتمكين حركة حماس من الانقسام وادارة شؤون قطاع غزة ، واتخذ القضاء الفلسطيني بحقه قرارين غيابيين ، الاول كان عام 2011 بالسجن لمدة عامين بتهمة الذم والقدح وتحقير مؤسسات الدولة الفلسطينية والأجهزة الأمنية ، والاخر كان عام 2016 ، بالسجن لمدة ثلاث سنوات ، مع إلزامه بإعادة مبلغ 16 مليون دولار بتهمة الاختلاس أثناء شغله منصباً أمنيا . بكل الاحوال جرى اللقاء ووصف بالايجابي والمُثمر ، على حد قول سمير المشهراوي الرجل الثاني في تيار محمد دحلان ، ولكن دون ان يُحدد متى سيجنى الثمار، لكنه نفى ان يكون تحالف تياره وحماس يستهدف حركة فتح !!
هنا سقط الاباك على القاعدة ، فصمت الابواق ، وتوقفت الأصوات المنتفعة ، وساد الاستهجان والازبهلال صفوف القواعد ، وتراجعت حدة الهجوم الإعلامي ، واستُبدلت عبارات التعهير والقدح ، بالاطراء والاثناء بعد تغير الحسابات والمعطيات ، فهل يُعقل ان عدو الامس سيكون صديق وحليف اليوم ؟ وهذا ان دل على شيء ، فانه يدل على ان السياسة لا دين لها ، وان لغة المصالح الفئوية تتفوق على مصلحة الوطن !! فمن حق القاعدتين الفتحاوية والحمساوية بكل توجهاتها التساؤل : ان كان التحالف مع محمد دحلان الان جائزا ، فلماذا وجهتم جل غضبكم عليه سابقا واتهمتموه بالخيانة ؟ والاحتفاظ بالحق في محاسبة قيادتهما على كل ما جرى سابقا ، وادى الى تمزق وتشرذم وتردي بالحالة الفلسطينية على وجه العموم ، تنظيميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا ؟ وربما يكون العقاب في صندوق الاقتراع ، والتوجه لاستبدال هذه القيادات بغيرها من خارج الدوائر الحزبية !!



