من يضمن عدم حدوث السيناريوهات الأسوأ في الضفة الغربية؟
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
السؤال لم يعد ترفاً سياسياً، ولا مجرد تحذير يضاف إلى قائمة طويلة من التحذيرات التي اعتاد العالم سماعها ثم تجاوزها. فالضفة الغربية تعيش اليوم تحت ضغط متصاعد، تتداخل فيه الحملات السياسية والتحريضية مع التغول الاستيطاني والأمني، بما يجعل احتمالات الذهاب إلى خطوات دراماتيكية أكبر من أي وقت مضى.
هناك حملات تحريض واسعة ضد الضفة الغربية المحتلة. مرة يقال إنها تعج بأوكار الإرهاب، ومرة إنها تعاني فوضى السلاح، ومرة يجري التحذير من احتمال انخراط الشرطة الفلسطينية في أعمال إرهابية، ومرة أخرى يصبح البناء الفلسطيني «غير المسيطر عليه» و«غير القانوني» عنواناً للحملة، ثم تُتهم السلطة الفلسطينية بتمويل الإرهاب والتحريض.
هذه الرواية المتعددة الوجوه تجري في الوقت نفسه الذي تشهد فيه الضفة هجمة استيطانية غير مسبوقة، أكلت الأخضر واليابس، وضيقت على الفلسطينيين في أراضيهم، وهجرت تجمعات، وسيطرت على المراعي والينابيع والأودية ومساحات واسعة من الأرض. نحن أمام مشروع يتقدم على الأرض بينما ينشغل العالم بتفسير خطاباته وتبريراته.
لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى: ماذا تريد إسرائيل من الضفة الغربية؟
ولماذا تريد تحويلها إلى جبهة تبحث فيها عن «نصر بارد» وغنيمة سائغة؟ ولماذا هذا التغول الاستيطاني والأمني والسياسي؟
صحيح أن الانتخابات والحسابات الحزبية الداخلية حاضرة في المشهد، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير ما يجري. فالمسألة، في تقديري، أعمق من حكومة أو رئيس حكومة. إنها تعكس عقلية إسرائيلية قديمة ـ جديدة، وإجماعاً تبلور منذ أوائل الألفية الثالثة على أن الدولة الفلسطينية لن تقوم بين النهر والبحر، وأن الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني ليس جزءاً من التصور الإسرائيلي للمستقبل.
ولهذا فإن الشهرين المقبلين قد يكونان شديدي الخطورة على واقع الضفة ومستقبلها. فالتحريض الواسع، والاستفزاز المستمر، وعمليات التضييق القاتلة على الإنسان والأرض والتمثيل السياسي، قد تمهد لإجراءات لم تُتخذ من قبل.
ولنا في السيطرة على معهد قلنديا مثال حي. فقد استولت إسرائيل على مؤسسة دولية بصورة استعراضية، من دون أن يتولد موقف إقليمي أو دولي يتناسب مع خطورة الخطوة. ومثل هذا الصمت لا يردع، بل قد يُفهم باعتباره ضوءاً أخضر لاختبار الخطوة التالية.
ويبدو أن مشروع الاستيطان في منطقة E1 كان مقدمة مهمة في هذا السياق. فبناء أكثر من ألف وحدة سكنية بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس الشرقية المحتلة ليس مجرد توسع عمراني؛ إنه خطوة عملية في اتجاه تقطيع أوصال الضفة، وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتفكيك ما تبقى من الجغرافيا السياسية التي قام عليها حل الدولتين.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما الذي بقي لإسرائيل أن تفعله لتصفية ما تبقى من اتفاق أوسلو؟
والأخطر: أليست هذه الإجراءات جزءاً من التمهيد لحل نهائي تريده إسرائيل وفق شروطها؟
قد تكون هناك خطوات أخرى، وربما أكثر جذرية، يمكن أن تقدم عليها الحكومة الإسرائيلية قبل مغادرتها. وهذا تحديداً ما يدق ناقوس الخطر أمام القيادة والجمهور الفلسطيني، كما أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والإقليم والقوى الإسرائيلية التي ما زالت تؤمن بإمكانية التسوية.
لا أحد يضمن أن الأسوأ لن يحدث.
ولا يمكن مواجهة هذه المخاطر بالانتخابات وحدها، أو بالاعتماد على أن «لا بدائل هناك». فالمشكلة أن إسرائيل، في لحظات كهذه، قد لا تكون منشغلة أصلاً بالبحث عن البدائل، ولا بما سيحدث في اليوم الثاني أو الثالث.
إذا وصلت حالة العمى السياسي إلى حد ضم أجزاء من الضفة، أو فرض أوضاع أمنية وسياسية جديدة تلائم إسرائيل وحدها، فمن يضمن أن يكون هناك من يستطيع منع ذلك؟
لهذا، فإن المطلوب ليس انتظار الكارثة ثم البحث عن تفسير لها. المطلوب أن توضع هذه الاحتمالات الآن، وبصراحة، على طاولة البحث وصنع القرار، وأن يجري التعامل معها باعتبارها خطراً وشيكاً، لا مجرد سيناريو بعيد.
فالسياسة الحكيمة لا تنتظر أسوأ الاحتمالات كي تثبت أنها كانت على حق في التحذير منها.



