من الجريدة الرسمية إلى السوق: أين نتائج المرحلة الأولى؟
الكاتب: د. سعيد صبري
اعتدنا في الأشهر الأخيرة توجيه معظم النقاش حول أزمة السيولة والشيكل نحو الطرف الآخر: قيود الشحن، احتجاز المقاصة، تهديدات قطع المراسلة المصرفية. وهذا النقاش مشروع وضروري. لكن سؤالًا أقل راحة يستحق أن يُطرح بالقدر نفسه من الجدية: بعد ستة أشهر كاملة من نفاذ قانون فلسطيني لخفض استخدام النقد، أين الأرقام التي تثبت انتقاله من صفحات الجريدة الرسمية إلى واقع السوق؟
ولهذا القانون ما يبرر أهميته اقتصاديًا: فقد أظهرت بيانات سلطة النقد ارتفاع نسبة الشمول المالي في فلسطين إلى 73% من البالغين بحلول منتصف 2026، بارتفاع قدره تسع نقاط مئوية مقارنة بعام 2025. وخلال الفترة من يونيو 2025 إلى يونيو 2026، نُفذت نحو 126.4 مليون معاملة إلكترونية عبر أنظمة الدفع الوطنية، بقيمة إجمالية بلغت نحو 35.2 مليار دولار. هذا التقدم الحقيقي في التحول الرقمي يجعل السؤال عن مصير قانون مكمّل له، صدر تحديدًا لدفع هذا التحول أبعد، أكثر إلحاحًا لا أقل.
قانون نافذ بتفاصيل محددة، لا نص معلّق
صدر القرار بقانون رقم (4) لسنة 2026 بشأن خفض استخدام النقد في 17 فبراير الماضي، ونُشر في العدد 235 من الوقائع الفلسطينية، ليصبح ساري المفعول منذ 25 فبراير 2026. يحظر القانون الدفع النقدي في أي معاملة تتجاوز 30 ألف شيكل أو ما يعادلها، ويجيز فرض غرامة تتراوح بين 5% و15% من قيمة المعاملة المخالفة، مع تشديدها في حالات التكرار أو التحايل عبر تجزئة الصفقة. لكن الأهم من هذه التفاصيل أن القانون نفسه لم يطلب تطبيقًا فوريًا وشاملًا: فقد نص على منح سلطة النقد صلاحية تحديد مهلة لتصويب أوضاع الخاضعين له لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ النشر، قابلة للتمديد بالتنسيق مع وزارة المالية للمصلحة العامة. وبحساب هذه المدة من 25 فبراير، فإن النافذة الزمنية الأصلية البالغة ستة أشهر قد انقضت. فهل مُددت مهلة تصويب الأوضاع رسميًا؟ وإذا مُددت، فما مدتها الجديدة ومبرراتها؟ وهذا يعيد صياغة السؤال بدقة: لم يعد السؤال هل لدينا تشريع لخفض استخدام النقد؛ فلدينا هذا التشريع فعلًا، بكل تفاصيله. وبعد انقضاء الأشهر الستة الأولى من المسار التنفيذي، يصبح السؤال أكثر تحديدًا: ماذا أُنجز من المرحلة الأولى؟ وما نتائج تقييم الجاهزية؟ وما القطاعات التي انتقلت فعليًا نحو التطبيق؟
ما الذي أعلنته سلطة النقد، وما الذي لم تُجب عنه بعد؟
وضعت سلطة النقد بالفعل مسارًا مرحليًا للتطبيق، يبدأ بمرحلة أولى تمتد ستة أشهر لتقييم الجاهزية وتطوير البنية التحتية للمدفوعات، على أن تتدرج المراحل اللاحقة بحسب القطاعات ومستوى جاهزيتها. وأوضح نائب محافظ سلطة النقد أن التطبيق الشامل والفعال يحتاج أولًا إلى بنية تحتية متكاملة للمدفوعات الإلكترونية، وضمان وصول هذه الخدمات إلى مختلف المناطق والقطاعات. هذا يجعل المساءلة اليوم أكثر دقة لا أقل: ماذا تحقق من الأشهر الستة الأولى؟ أين نتائج تقييم الجاهزية؟ ما التعليمات التنفيذية التي أصبحت نافذة؟ وما القطاعات التي أصبحت مؤهلة للانتقال إلى التطبيق الفعلي؟
وهنا تكمن الفكرة المميزة لهذا المقال: وجود خطة تمتد لعامين لا يلغي المساءلة بعد ستة أشهر؛ بل يجعلها ممكنة. فالخطة المرحلية لا تُقاس بموعد نهايتها فقط، وإنما بما أنجزته فعليًا في كل مرحلة على حدة.
وإذا كانت سلطة النقد تؤكد أن البنية التحتية الوطنية للمدفوعات أصبحت قادرة على استيعاب مزيد من الخدمات الرقمية، فيما بلغ الشمول المالي 73% وسجلت أنظمة الدفع 126.4 مليون معاملة خلال عام، فإن السؤال التالي يصبح أكثر تحديدًا: ما فجوة الجاهزية التي ما تزال تمنع الانتقال إلى المرحلة التالية من تطبيق القانون؟ هل هي تقنية، أم قطاعية، أم جغرافية، أم مرتبطة بقدرة الإنفاذ والرقابة؟
قانون أوسع مما يبدو للوهلة الأولى
القانون لا يكتفي بوضع سقف الثلاثين ألف شيكل؛ فهو يمنح سلطة النقد، بالتنسيق مع وزارة المالية، صلاحية تحديد سقوف خاصة إضافية: للقروض والتمويلات النقدية، وعمليات الإيداع والسحب وتبديل العملة، ولقطاعات بعينها كالعقارات والسلع الفاخرة، وللشيكات والتبرعات، بل وصلاحية إلزام معاملات معينة بوسائل دفع غير نقدية حصرًا. هذا يفتح سؤالًا موازيًا للسؤال عن السقف العام: أي من هذه الصلاحيات الأوسع فُعِّل فعليًا حتى الآن، لا سقف الثلاثين ألف وحده؟
دفاع عن التدرج، لا يعفي من المساءلة
يستحق التدرج نفسه إنصافًا اقتصاديًا حقيقيًا قبل النقد: في اقتصاد يعاني تفاوتًا حادًا في الوصول إلى الخدمات المصرفية، خصوصًا بين الضفة وغزة، فإن فرض سقف نقدي بعقوبات كبيرة قبل توفير بدائل دفع متاحة للجميع قد يخلق مشكلة موازية بدل حلها. والقانون نفسه يتضمن استثناءات لبعض الإعانات والنفقات الاجتماعية حين يتعذر استخدام وسائل الدفع غير النقدي، ما يدل على أن واضعيه أخذوا هذا التفاوت بالحسبان مسبقًا. لكن هذا الدفاع المشروع عن التدرج يقود مباشرة إلى صلب المساءلة: التدرج يحتاج جدولًا زمنيًا ومؤشرات أداء معلنة؛ وإلا أصبح من الصعب موضوعيًا التمييز بين تطبيق تدريجي حقيقي وتأجيل مفتوح بلا نهاية معلنة. فالتدرج سياسة لها مراحل ومواعيد ونتائج قابلة للقياس؛ أما التأجيل فله مبررات، لكن ليس له سقف زمني معلن ولا محطة واضحة نعرف عندها أننا وصلنا أخيرًا إلى التطبيق الكامل.
وماذا عن أزمة فائض الشيكل تحديدًا؟
هنا تستحق العلاقة بين هذا القانون وأزمة تكدس الشيكل دقة لا تبسيطًا. وتزداد أهمية قياس التنفيذ في ظل إعلان محافظ سلطة النقد يحيى شنار أن السيولة النقدية المتراكمة بالشيكل في خزائن المصارف بلغت نحو 18 مليار شيكل، أي ما يقارب 6 مليارات دولار، وهي كتلة تتزايد شهريًا لا رقمًا ثابتًا، بات تراكمها يحد من قدرة الجهاز المصرفي على تمويل التجارة والمشروعات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. تربط سلطة النقد نفسها بين خفض استخدام النقد وتوسيع المدفوعات الإلكترونية وبين تخفيف آثار تراكم النقد الورقي، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن جوهر أزمة تراكم الشيكل مرتبط أساسًا بالقيود الإسرائيلية على شحن الفائض. فالقانون يستطيع خفض الاعتماد على النقد الورقي في المعاملات، وتحويل جزء أكبر من المدفوعات إلى القنوات الإلكترونية، لكنه لا يستطيع وحده فتح قناة شحن فائض الشيكل إلى الجانب الإسرائيلي. هو إذن يعالج جانبًا فلسطينيًا داخليًا من الأزمة، لا سببها الخارجي بالكامل، وتحميله أكثر من ذلك يُضعف المساءلة بدل أن يقويها.
خلاصة
المشكلة لم تعد غياب القانون؛ فالسقف محدد، والعقوبة محددة، والجهة المشرفة محددة، والصلاحيات الممنوحة لها أوسع من سقف واحد. بعد ستة أشهر كاملة من النفاذ، يصبح السؤال الوحيد ذا القيمة: أين الأرقام التي تثبت انتقال هذا القانون من نص منشور إلى ممارسة فعلية في السوق؟ وحتى تُنشر هذه الأرقام بشفافية، سيبقى الفارق بين "تطبيق تدريجي مدروس" و"تأجيل صامت" فارقًا يتعذر الحكم عليه. صحيح أن فلسطين لا تملك وحدها حل أزمة فائض الشيكل، لكنها تملك مسؤولية قياس ما أنجزته بالأدوات التي تقع تحت سيطرتها. فليس كل ما يعطل الاقتصاد الفلسطيني يأتي من الخارج؛ بعضه يبدأ من المسافة بين القرار والتنفيذ.
بقلم: د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة



