الرصيف للمواطن - وليس للشجر والأعمدة والحاويات
الكاتب: حازم القواسمي
في كل مدينة وقرية فلسطينية، هناك طريق يرتاده الناس يومياً، لكن السؤال الذي يبدو بسيطاً هو: أين الرصيف؟ وأين حق المواطن في المشي بأمان؟ عندما نتحدث عن التنقل، يتبادر إلى الذهن فوراً السيارات والباصات، وكأن الإنسان خُلق ليتحرك داخل صندوق معدني، لا على قدميه. لكن الحقيقة أن المشي هو أبسط حقوق الإنسان وأكثرها بديهية، وهو حق يكفله القانون الطبيعي قبل أن تكفله القوانين المكتوبة. فلماذا يُعامل المواطن الفلسطيني على أنه ضيف ثقيل على رصيف مدينته؟
*المواطن أولاً... لا المركبات*
الرصيف ليس ترفاً حضرياً ولا مظهراً جمالياً، بل هو ضرورة حياتية يومية للطالب الذي يذهب إلى مدرسته، وللمرأة الحامل التي تحمل طفلها بيد والكيس بالأخرى، وللمسن الذي تتعب قدماه بعد خطوات، وللطفل الذي لا يدرك خطر الشارع، وللعامل الذي يمشي إلى عمله القريب وللشخص الرياضي الذي يحب رياضة المشي. هؤلاء جميعاً بحاجة إلى رصيف يمشون عليه بأمان، لا إلى شارع يلاحقهم فيه الموت على عجل. من الخطأ الفادح أن نفترض أن التنقل يقتصر على السيارات والباصات. في كثير من الأحياء الفلسطينية، المشي هو وسيلة التنقل الأساسية، خاصة للفئات الأكثر هشاشة. وإذا كان المشي حقاً، فالرصيف الآمن هو شرطه الأول.
*الأمان في السير على الرصيف*
بداية يجب أن يكون هناك رصيفا. لكن لا يكفي أن يوجد رصيف، بل يجب أن يكون رصيفاً آمناً. تشعر المرأة وأطفالها بالأمان وبراحة تامة عند السير على الرصيف ويشعر الطلاب الذين يخرجون من المدرسة أنهم يستطيعون العودة إلى بيوتهم المجاورة بكل أمن وأمان دون التعرض لمخاطر الدهس من سيارة مسرعة أو سائق مستهتر وعدم اضطرار نزول الطلاب من الرصيف لأن تصميمه خطأ أو لأنه لا يوجد رصيف أصلاً أو لأن الحاوية والاعمدة تملأ ذلك الرصيف ولا مكان للمشاة عليه. ما فائدة كل الشوارع إذا لم يكن هناك أرصفة آمنة لمواطنينا، فكما الشارع مهم للسيارات والباصات فالرصيف مهم أيضاً وربما أهم لمواطنينا.
*ذوو الاحتياجات الخاصة: حق لا منّة*
الرصيف ليس مطلوباً فقط للأصحاء والرياضيين. بل يجب أن يكون الرصيف موائماً لذوي الاحتياجات الخاصة، وتحديداً في بداية ونهاية كل رصيف. فمن يجلس على كرسي متحرك لا يستطيع القفز من الرصيف إلى الشارع أو العكس والمطلوب ميلان معقول يساعده في الصعود والنزول من الرصيف لقطع الشارع أو تغيير الاتجاه. هذا إنسان ومواطن له حقوقه، ويجب مراعاتها بدقة وجدية. المنحدرات الخفيفة عند بداية كل رصيف ونهايته، والبلاط غير القابل للانزلاق، والعرض الكافي للمرور، وخلو الرصيف من العقبات، كلها تفاصيل صغيرة تبدو هامشية لمن يمشي على قدميه، لكنها مسألة حياة أو عجز كامل لمن يستخدم كرسياً متحركاً أو عكازاً ً.
*المشرّعون وعرض الرصيف*
على المشرّعين ومن يضعون القوانين والتعليمات أن يراعوا عرض الرصيف حتى يكون آمناً لمرأة تسير مع أطفالها وعربتها. فالطفل لا يسير في خط مستقيم، والمرأة تحتاج مساحة تسمح لها بالتحكم بيدها وطفلها. الرصيف الضيق يدفع الناس إلى الشارع، فيصبح المشاة ضحايا محتملين. إن تحديد عرض أدنى إلزامي للأرصفة ليس تفصيلاً هندسياً هامشيا، بل قرار حقوقي وأخلاقي يحمي الأرواح.
*الشجر: عندما تصبح الأولوية مقلوبة*
جميل أن نزرع الشجر، فالشجر ظل وهواء نظيف ومنظر جميل. لكن الزراعة يجب أن تكون فقط إذا كان هناك متسع على طرفي الرصيف. أما إذا كان الرصيف ضيقاً ولا يتسع للشجر، فالأولوية دائماً وأبداً للمواطن وأمنه وحركته بسلامة دون الحاجة للنزول إلى الشارع والتعرض لخطر الدهس. لا يجوز أن يتحول الشجر إلى سدّ في وجه المشاة، ولا أن تصبح جذوره وأغصانه عائقاً يدفع الناس إلى الطريق.
*تدمير المقاولين للرصيف*
يأتيك مليونير يريد أن يبني عمارة من عدة طوابق للتجارة والربح فيبدأ الحفر وتخريب وتدمير الرصيف في كل منطقة البناء. وكأنه لا يوجد بلدية ولا تنظيم ولا حقوق للمواطنين. من حق أي مقاول أو شركة أن تبني بعد حصولها على رخصة البناء، ولكن هناك شروط وتعليمات من البلدية ممنوع الاستخفاف بها أو تجاهلها. وعلى البلديات الفلسطينية عدم التساهل مع كل مقاول يتعدى على الرصيف بأي شكل من الأشكال. في الدول المتحضرة، تفرض البلدية على المقاول قبل البدء بالحفر والبناء بوضع قاطع على طول طرف الرصيف عليه صور جميلة ورسومات حتى يضفي جمالا لا دمارا، فلا يعقل أن يبني مشروعاً مربحا على حساب حقوق المواطنين والمشاة.
*الفلل والقصور التي تحتل الرصيف*
للأسف، هناك بيوت وفلل وقصور في بعض المدن الفلسطينية تحتل الرصيف الذي أمامها وتملؤه بالشجر لتجميل صورة مبناها على حساب المواطن الذي يريد أن يمشي على الرصيف فيضطر للنزول للشارع وخطورته. هذا سلوك أناني يقلب مفهوم الملكية العامة، فالشوارع والأرصفة ليست امتداداً لملكية خاصة، بل هي ملك للجميع. من يريد أن يزرع فليزرع داخل حدود ملكه، لا على حساب حق الناس في الطريق.
*الحاويات وأعمدة الكهرباء والاتصالات*
للأسف، هناك كثير من البلديات يضعون الحاوية على كامل الرصيف أو جزء كبير من مساحته التي هي أصلاً ضيقة فلا يبقى مكان للمشاة. هذا التصميم كلّيا خطأ ويجب اعتماد التصميم الهندسي الحديث الذي لا تأخذ فيه الحاويات من حق المواطن في رصيف آمن. إضافة إلى كل تلك التعديات على الرصيف، تأتينا شركة الكهرباء وشركة الاتصالات لتضع أعمدتها في منتصف الرصيف دون اكتراث للمواطن ومراعاة المساحة الآمنة المطلوبة له للمشي بأمان. هذه الممارسات جميعها تحوّل الرصيف من مساحة آمنة إلى متاهة من العوائق. وعلى البلدية أن تكون صارمة مع تلك الشركات في مكان وضع أعمدتها وأجهزتها، فالمسؤول الأول والأخير عن الرصيف هو البلدية. ولا يصح إطلاقا أن تُترك مساحة المشاة لأهواء الشركات والمقاولين.
*نحو رصيف يليق بالإنسان*
إن معالجة مشكلة الأرصفة في فلسطين ليست مسألة تجميلية، بل هي قضية حقوقية واجتماعية وأمنية. تحتاج إلى تشريعات واضحة تحدد عرض الرصيف وارتفاعه وشروط السلامة فيه، وإلى رقابة بلدية صارمة على كل من يعتدي عليه، وإلى وعي مجتمعي يدرك أن المشي ليس ترفاً ولا عيباً، بل حق. وحين نعيد الرصيف لصاحبه الشرعي، المواطن، فإننا لا نبني حجراً فوق حجر، بل نبني كرامة إنسان يمشي آمناً في مدينته.
المشي ليس فقط وسيلة للوصول، بل هو تجربة إنسانية كاملة: طفل يمسك بيد أمه، ومسن يتأمل الطريق، وطالب يحمل كتبه، وعامل يبحث عن رزقه. فليكن الرصيف مكاناً لهؤلاء جميعاً، لا مخزناً للحاويات، ولا حاملاً للأعمدة، ولا حديقة خاصة لقصر. الرصيف للمواطن أولاً، وأخيراً، ودائماً.



