فلسطين في اليوم الأول للجمعية العامة للأمم المتحدة
الكاتب: د.مي كيلة
لم تكن فلسطين في اليوم الأول للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة 22 أيلول/سبتمبر 2026 مجرد بند من بنود السياسة الدولية، بل بدت في عدد من الخطابات اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه: هل ما زال القانون الدولي قادراً على حماية الشعوب والمدنيين؟ وهل تستطيع الأمم المتحدة تحويل قراراتها ومواقفها إلى واقع سياسي وإنساني؟
وقد اكتسب هذا السؤال أهمية أكبر في دورة شعارها «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تخدم الجميع».
السيد غوتيريش الامين العام للأمم المتحده — فلسطين اختبار للقانون الدولي
الأمين العام أنطونيو غوتيريش وضع القضية الفلسطينية في قلب حديثه عن تراجع احترام القانون الدولي. وقال إن السلام لا يعني فقط غياب الحرب، بل يعني إخضاع القوة للقانون، ولا يمكن للقوة أن تكون بديلاً عن القانون، ولا يمكن استعادة الثقة بالنظام الدولي من دون احترام قواعده محذراً من أن مبدأ جعل القوة الحكم النهائي في حياة الشعوب وحقوقها ومستقبلها .
وفي حديثه عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، أشار إلى حجم القتل والدمار في غزة، وإلى استمرار معاناة المدنيين في الضفه الغربيه.
وقد أشار في كلمته بانً فلسطين هنا ليست فقط قضية نزاع بين طرفين؛ بل أصبحت جزءاً من السؤال الأكبر: هل يوجد نظام دولي واحد تُطبَّق قواعده على الجميع.
الرئيس ترامب مجلس السلام لإنهاء الحرب في غزه
أما الرئيس ترامب، فركز على رؤيته لإنهاء الحرب في غزة وعلى المسار الذي تقوده الولايات المتحدة.
الرئيس أردوغان — فلسطين في مواجهة عجز الأمم المتحدة
لقد كان خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطابا مركزا على فلسطين.فقد تحدث عن غزة والضفة الغربية، ودعا الدول التي لم تعترف بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في موقفها، كما تناول بحزن غياب الرئيس محمود عباس عن قاعة الأمم المتحدة، مؤكداً أن تركيا ستواصل التعبير عن صوت الدولة الفلسطينية. كما ربط أردوغان بين القضية الفلسطينية وأزمة الثقة في الأمم المتحدة، وانتقد بنية مجلس الأمن وآلية اتخاذ القرار الدولي.
وكان لافتا بان السيد أردوغان لم يتعامل مع فلسطين كملف إنساني فقط، وإنما كقضية سيادة واعتراف وتمثيل دولي وإصلاح للنظام الدولي.
السيد ماكرون — من الاعتراف بالدولة إلى ضرورة تنفيذ حل الدولتين
اما الرئيس الفرنسي السيد إيمانويل ماكرون فقد واصل وضع فلسطين ضمن مشروع سياسي أوروبي يقوم على حل الدولتين.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة انتقد استمرار المأساة في غزة، ودافع عن سيادة الفلسطينيين واللبنانيين، وربط إنهاء الحرب بمسار سياسي يضمن حقوق الفلسطينيين.
وهنا يجب التذكير بأن فرنسا كانت قد أعلنت اعترافها بدولة فلسطين في 2025، وربطت ذلك بمسار يقود إلى دولة فلسطينية ذات سيادة إلى جانب إسرائيل.
فالموقف الفرنسي حاول نقل فلسطين من مرحلة «الاعتراف السياسي» إلى مرحلة «ترجمة الاعتراف إلى ترتيبات سياسية وأمنية ودولية»
الملك عبد الله الثاني — غزة والضفة قضية واحدة
كان خطاب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مهماً بصورة خاصة لأنه رفض الفصل السياسي بين غزة والضفة الغربية.
وتناول بصورة مباشرة الاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين ومصادرة الأراضي والتهجير، معتبراً أن ما يحدث في الضفة الغربية يمثل تحولاً خطيراً في الواقع على الأرض. كما شدد على أن غزة والضفة ليستا قصتين منفصلتين، بل جزءان من القضية الفلسطينية نفسها.
وأكد الملك عبد الله استمرار دعمه لصمود الفلسطينيين، ودعمه للأونروا، وتمسكه بالوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وهذه ربما من أهم الرسائل السياسية في اليوم الأول: لا يمكن حل قضية غزة بمعزل عن الضفة الغربية والقدس.
وهذا يتقاطع بصورة واضحة مع الرؤية الفلسطينية التي ترى أن أي ترتيب لغزة يجب أن يكون جزءاً من وحدة الأرض الفلسطينية.
امير قطر — لا نظام دولي عادل مع بقاء فلسطين خارج العدالة
اما سمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أعطى فلسطين مساحة في خطابه.اذ اكد أن ما حدث في غزة يمثل إبادة جماعية، وقال إن الحديث عن نظام دولي عادل لا يمكن أن يكون مقنعاً ما دامت فلسطين تمثل «نقطة عمياء» في هذا النظام. كما تحدث عن التصعيد في الضفة الغربية واتساع تداعيات الصراع إقليمياً.
وبهذا فان امير قطر وضع فلسطين في قلب سؤال العدالة الدولية، وليس فقط في إطار التسوية السياسية.
وتزامن مع هذه الجلسه بيان مشترك للموقف العربي الإسلامي الجماعي ففي نيويورك اجتمع وزراء خارجية مصر وقطر والأردن والسعودية والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستان، وأصدروا موقفاً مشتركاً بشأن غزة وفلسطين وأكد البيان على :
* ضرورة استمرار وقف إطلاق النار.
* إدخال المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق.
* إعادة تأهيل البنية التحتية في غزة.
* رفض توسيع الاستيطان والعنف الاستيطاني.
* بقاء غزة جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية.
* إعادة توحيد غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
* الوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.
* التأكيد على أن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
* الدفع نحو مسار موثوق لتقرير المصير الفلسطيني.
وهنا تظهر نقطه شديده الاهميه للموقف العربي والإسلامي الذي ظهر في نيويورك والذي لا يتحدث عن «غزة» وحدها، بل عن وحدة الأرض الفلسطينية: غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
اما عن غياب الرئيس محمود عباس
عن القاعة جسدا فلم يعنِ غياب فلسطين عن المناقشة وذلك نتيجه الاتصالات الفلسطينيه المكثفه مع دول العالم من ناحيه والتضامن مع فلسطين لعدم إعطاء التأشيره للرئيس محمود عباس لحضور جلسه الأمم المتحده (والتي تعتبر مخالفه لاتفاقيه عام ١٩٤٧ ما بين الأمم المتحده والدوله المضيفه) من ناحيه اخرى حيث ستشارك فلسطين من خلال خطاب مسجل للرئيس عباس لاحقا خلال الجلسات بينما تناول عدد من القادة غيابه بشكل مباشر، ومن بينهم أردوغان.
وقد خلق هذا مفارقة سياسية واضحة بان الرئيس محمود عباس غاب جسدياً عن المنبر، لكن فلسطين حضرت بقوة في معظم النقاشات المتعلقة بالشرق الأوسط.
إذن ماذا قالت خطابات اليوم الأول مجتمعة؟
عند وضع هذه الخطابات جنباً إلى جنب، تظهر خمسة اتجاهات واضحة في التوجه العام :
1. غزة لم تعد قضية إنسانية فقط
بل أصبحت مرتبطة بالقانون الدولي ومصداقية الأمم المتحدة.
2. الضفة الغربية عادت بقوة إلى مركز الاهتمام خصوصاً الاستيطان، العنف، مصادرة الأراضي والتهجير.
3. الفصل بين غزة والضفة مرفوض في الخطاب العربي والدولي والحل المطروح يرتبط بوحدة الأراضي الفلسطينية.
4. الدولة الفلسطينية أصبحت جزءاً من النقاش الدولي العملي وليس مجرد شعار سياسي.
5. السؤال الأصعب أصبح سؤال التنفيذ
فالمشكلة لم تعد في كثرة البيانات والقرارات الدولية، وإنما كيف تتحول هذه المواقف إلى حماية فعلية للفلسطينيين، ووقف للاستيطان، وحماية للقدس، وإعادة إعمار غزة، ومسار حقيقي نحو الدولة الفلسطينية؟
الخلاصة يمكن قراءة اليوم الأول من الجمعية العامة باعتباره يوماً فلسطينياً بامتياز، ولكن ليس بالمعنى الاحتفالي.
إذ ظهرت فلسطين كاختبار لثلاثة أشياء في آن واحد:اختبار للقانون الدولي
واختبار لمصداقية الأمم المتحدة،
واختبار لقدرة المجتمع الدولي على تحويل الحديث عن الدولة الفلسطينية إلى واقع.
والرسالة الأهم التي خرجت من الخطابات المختلفة هي أن غزة وحدها ليست الحل، وأن أي تسوية لا تربط غزة بالضفة الغربية والقدس وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ستظل ناقصة سياسياً.
وفي المقابل، فإن كثرة المواقف الدولية لا تعني تلقائياً تحقيق نتائج على الأرض؛ فالفارق الحاسم يبقى في آليات التنفيذ والضغط والمساءلة والقدرة على حماية المدنيين وتثبيت الحقوق الفلسطينية.
وهنا تكمن القضية الأساسيةفالمشكلة لم تعد في نقص القرارات، بل في غياب آليات التنفيذ.
نحن الفلسطينيين لا ننتظر فقط بيانات تضامن جديدة؛ ننتظر أن نرى: من ينفذ؟ كيف ينفذ؟ ومتى يبدأ التنفيذ؟
إن مصداقية القانون الدولي لا تُقاس بعدد النصوص والقرارات، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على تطبيقها على الجميع دون استثناء.
لقد تحدث العالم في نيويورك.والآن ننتظر أن يتحول الكلام إلى فعل:
حماية الإنسان، حماية الأرض، وقف الاستيطان والتهجير، إعادة إعمار غزة، حماية القدس، ووضع مسار زمني واضح نحو الدولة الفلسطينية.
فهل تكون هذه الدورة بداية الانتقال من شرعية الكلمات إلى قوة القانون؟



