الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:10 AM
الظهر 12:30 PM
العصر 3:55 PM
المغرب 6:34 PM
العشاء 7:49 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الإنتخابات، طوق النجاة أم الغرق؟

الكاتب: د. حسن أبولبده

خلاصة القول: لم يحظ موعد انتخابي فلسطيني بشكوك قدر الانتخابات التشريعية العتيدة في 28 تشرين الثاني 2026.  فباب الترشح، بعد تمديده، مفتوح حتى الثالث عشر من تشرين الأول، والقوائم تتزاحم على أبواب لجنة الانتخابات، بينما يُبحث في الغرف المغلقة عن مخرج لائق من الموعد. ومع ذلك أزعم أن تشبّث الرئيس بعقد الانتخابات، حتى لو منعها الاحتلال في نهاية المطاف، هو طوق النجاة الأخير للنظام السياسي القائم نفسه. فالانتخابات لم تعد استحقاقاً ديمقراطياً مؤجلاً فحسب، بل شرط بقاء لنظام يغرق في أزمة شرعية منذ عشرين عاماً، والتفريط فيها خطيئة لن يغفرها لنا الناس ولا التاريخ.

بينما تتعمق مأساة المواطنين في انكشاف أمنهم وأمانهم في ظل حرب المستوطنين علينا جميعاً، يشتد الحراك وتوليد قوائم المرشحين في السجل الانتخابي، ويتواصل الاصطفاف بين مختلف أجنحة فتح للنصر في اليوم الأغر. وفي هذه الأثناء تولد البؤر الاستيطانية كزخ المطر، وتتوسع المستوطنات، وتُغلق الطرق، وتكبر حواجز الخنق وتقطيع الأوصال، ويأمل أشباه القادة، أو يتصنعون الأمل، بمعجزة تؤدي إلى منع الانتخابات.  قناعتي، منذ كتبتُ في آب أن هذا الاستحقاق ما زال يبدو "أضغاث أحلام"، أن الانتخابات لن تجري، وأسأل الله أن أكون مخطئاً. وعلى الرغم من ذلك، آمل أن يتشبث الرئيس بعقدها. فلا ذرائع لتأجيلها، وهي طوق نجاتنا كمدخل للتغيير، وربما لم الشمل الوطني. غير أنني أعتقد أن إسرائيل لن تسمح بها، إمعاناً في خنق حماس بكل الوسائل، وتخفيض السقف السياسي، وتعميق الفجوز بين القيادة وشعبها، ناهيك أن في معسكر الشرعية من لا يرغب بعقدها خوفاً لأسباب مختلفة.

السؤال: هل يريد الناس الصندوق؟ نعم، وبإلحاح لم نعهده منذ سنوات. ففي استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية مطلع آب، قال 49% إن الانتخابات ستجري في موعدها، بينما كانت الأغلبية قبل عشرة أشهر فقط لا تصدّق أن السلطة تنوي إجراءها أصلاً. وقال 54% إن الانتخابات يجب أن تجري حتى لو منعت إسرائيل الاقتراع في القدس الشرقية، لأن المقدسيين يستطيعون التصويت في أي مركز بالضفة. أي أن الناس يرون في القدس معركة تُخاض بالصندوق، لا ذريعة لإغلاقه. لا أقرأ هذا الإلحاح شغفاً بالديمقراطية بقدر ما أقرؤه ضيقاً بالحال. فالاستطلاع ذاته يقول إن 79% يريدون استقالة الرئيس، وإن 65% يرون السلطة عبئاً على شعبها لا إنجازاً له.  شعب يقول هذا عن قيادته ثم يطلب الصندوق لا يطلب ترفاً، بل يرمي لنظامه السياسي طوق النجاة الأخير؛ التغيير دون كسر. ومن يرفض الطوق يدفع الناس إلى البحث عن بوابات أخرى، لا أظن أن أحداً منا يريد أن يراها.

غير أن الأيدي التي تدفع الطوق بعيداً، تمتد من داخل بيتنا قبل أن تمتد من تل أبيب. فمن أروقة مركزية فتح تتسرب توصية بالتأجيل إلى صيف العام المقبل، في صيغة "تقنية" تعلن فيها لجنة الانتخابات عجزها عن الاقتراع في القدس وغزة، فيبدو التأجيل قدراً لا قراراً. وحماس، التي أعلن رئيسها خليل الحية عزمها خوض الانتخابات ضمن تحالف، يبدو أنها تتمنى في السر ما ترفضه في العلن، كما تهمس الجبهة الشعبية بالطلب ذاته. وبظني، الخوف من الصندوق عابر للفصائل، وكلٌّ يخشى أن يكشف حجمه الحقيقي.

ولم يبدّد بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في 25 أيلول هذا الغموض، بل كرّسه بلغة القانون. تمسكت اللجنة بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وجعلت مشاركة المواطنين فيها جميعاً، وتزامن الاقتراع "شرطين أساسيين لوحدة العملية الانتخابية". إن التمسك بالقدس وغزة موقف وطني لا غبار عليه، لكنني لا أستبعد أن يصير شرط التزامن نفسه الباب الذي يخرج منه التأجيل، فيكفي أن يتعذر الاقتراع في القدس أو غزة حتى يسقط الشرط، ويسقط معه الموعد، دون أن يوقّع أحد على قرار. وليست القدس بلا بدائل؛ فحتى أن الكاتب الإسرائيلي كغيرشون باسكين يقترح الاقتراع الإلكتروني والبعثات الدبلوماسية سبيلاً لضمان صوت المقدسيين. فهل نكون أقل حرصاً على هذا الصوت منه؟.

أما في فتح، فالخوف له أسماء. فالقائمة الرسمية تخشى ازدحام القوائم الفتحاوية الأخرى، ومنها قائمة يُرجَّح أن يدعمها مروان البرغوثي أو تدعي ذلك، وأخرى يسندها تيار الإصلاح. وجاء خفض نسبة الحسم قانوناً إلى 1% ليفتح الباب أمام عشرات القوائم العائلية والعشائرية وقوائم المال، ليتحول الاستحقاق الوطني إلى ما يشبه انتخابات بلدية موسّعة. وحيث أنه لم يُثمر أول لقاء علني بين الحركة وتيار دحلان في آب عن شيء يُذكر، فإن عدم تجاوز معضلات التمثيل الفتحاوي على الأرض، فسيفتح الباب على مصراعية للمزيد من الشرذمة التي نخشاها، وعلى الأرجح أنها ستبقى وتتعاظم، صوّتنا أم لم نصوّت، وكل ما يفعله التأجيل أنه يخفيها تحت السجادة إلى حين.

هذا الارتباك يمنح إسرائيل ما تحتاجه، ولا حاجة إلى التخمين في نواياها. فمئير بن شبات، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، كتب في 18 أيلول أن مصلحة إسرائيل هي منع الانتخابات الفلسطينية، لأن مجرد إجرائها، أياً كانت نتائجها، سيضغط عليها لتسليم غزة لسلطة "متجددة" ويفتح الطريق نحو الدولة. والأدهى أنه نقل عن أصوات إسرائيلية نصيحتها بترك الرئيس أبو مازن "يستخرج الكستناء من النار" نيابة عنها، أي أن يؤجل هو، فيدفع هو الثمن. بعبارة أخرى، التأجيل الفلسطيني سيكون هدية مجانية لأشد الإسرائيليين عداءً لدولتنا. إن الاحتلال لا يحتاج إلى قرار رسمي بالمنع، فالضفة مقطّعة بـ942 حاجزاً وبوابة وعائقاً، وهو أعلى رقم منذ عشرين عاماً، وقرانا تتلقى في المتوسط ستة اعتداءات للمستوطنين كل يوم. وقد رأينا الدليل هذا الأسبوع، حين فرض جيش الاحتلال إغلاقاً شاملاً على الضفة بذريعة الأعياد اليهودية، فاضطر الرئيس إلى تمديد فترة الترشح كي تصل القوائم إلى لجنة الانتخابات. وبالمختصر، فإن من يخنق الطريق إلى المدرسة والحقل لجني محصول الزيتون، مرشح أن يخنق الطريق إلى مركز الاقتراع.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا نختزل كل من يخشى الصندوق في الخائفين على مقاعدهم. فهاني المصري، في مقاله على "راية" في 24 أيلول، يعرض رأياً وازناً يدعو إلى تأجيل يسبقه حوار وطني، خشية أن تتكرر تجربة 2006 أو ما هو أسوأ، وأن نذهب إلى انتخابات للمغالبة لا للمشاركة تنتهي بمركزين، واحد في الضفة وآخر في غزة، وهي خشية أبديتُها في مقالي قبل في آب. وثلثا الناس يتوقعون ألا تكون الانتخابات حرة ونزيهة. إن هذه حجج واقعية جزئياً، لكنها لا تبرر التأجيل. وكما يلاحظ المصري نفسه، فإن التأجيل الذي يُسوَّق إلى آذار سيمتد إلى نهاية العام المقبل وربما أبعد، ولا شيء يضمن أن تكون شروط الغد أفضل من شروط اليوم.  جرّبنا ذلك في 29 نيسان 2021، حين أُجّلت الانتخابات إلى أجل غير مسمى بذريعة القدس، وما زال "الأجل" مفتوحاً بينما تضاعفت الحواجز وتعمّق الانقسام.

إن الحوار الذي دعا إليه الرئيس وأيّدته اللجنة التنفيذية في محله، شرط أن يكون طريقاً إلى الموعد لا بديلاً عنه. والشك في النزاهة يُعالَج بالرقابة الدولية لا بإلغاء الصندوق، وهي رقابة طالبت بها اللجنة التنفيذية نفسها، وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أنه سيطلب من الاتحاد الأوروبي إرسال بعثة لها.

ثم ماذا؟

إن تمسك بالموعد، سيحقق الرئيس خمسة أمور، وهي: أولاً، استجاب لشعب يطرق باب الصندوق منذ عشرين عاماً. ثانياً، جدّد النظام السياسي بالاقتراع لا بالتوافقات الفوقية والتعيينات. ثالثاً، منح أوروبا سبباً للاستمرار في دعمنا بدل ذريعة للتخلي عنا؛ فهي حوّلت دفعة من أموالها لتغطية تكاليف الانتخابات، ووزير خارجية فرنسا يرى ألا عقبة فنية أو لوجستية أمامها يستحيل تجاوزها، ويهدد بوقف دعم السلطة إن جاء التأجيل منا. رابعاً، كرّس وحدة الوطن في لحظة يُراد فيها فصل غزة تحت وصاية دولية وعزل القدس، وخامساً، وهو الأهم، فتح الباب أمام المصالحات: داخل فتح أولاً، ثم بينها وبين حماس وسائر القوى. طبعاً هو يدرك أن فتح قد تدفع ثمناً من وحدتها، لكن التشرذم الذي يكشفه الصندوق أقل كلفة من التشرذم الذي يخفيه التأجيل.

وإن قرر التأجيل تحت ضغط مراكز القوى والمصالح، فالعواقب وخيمة. فقراره سيكون خذلاناً لجمهور صدّق هذه المرة، ولن يصدّق بعدها. وهو نكوص عن تعهد قطعه للدول التي اعترفت بدولتنا العام الماضي، وهو دعوة للصدام مع أوروبا التي تربط دعمها بالإصلاح والانتخابات. وهو تكريس لقسمة الشعب بين غزة والقدس والضفة. وهو، قبل ذلك كله، استسلام لحرب المستوطنين على الأرض والإنسان، واعتراف بأن الاحتلال هو من يقرر متى وكيف نختار ممثلينا.

أدعو الرئيس إلى التشبث بموقف عقد الانتخابات. ليس فقط لأنها مطلب شعبي ودولي، ولا لأنها تضمن انتقالاً سلساً وتداولاً حضارياً للسلطة، بل لأنها المدخل شبه الوحيد للبتّ في مصير المرحلة الانتقالية ولمّ الشمل الوطني، وربما لفتح الباب أمام إصلاح الحركة وتعزيز فرص المصالحة. فإن منعها الاحتلال، فليتحمل وزر المنع أمام العالم. أما أن نمنعها نحن، بتوصية أو بصيغة "تقنية" أو بشرط يُصاغ بعناية، فذلك إفلاتٌ لطوق النجاة من أيدينا، والغرق بعده لن يستثني أحداً، وسيكون أول المحتفلين غلاة المستوطنين.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...